الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها

2337 2469 - حدثنا ابن سلام حدثنا الفزاري عن حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه، قال آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه شهرا، وكانت انفكت قدمه فجلس في علية له، فجاء عمر، فقال أطلقت نساءك قال: "لا، ولكني آليت منهن شهرا". فمكث تسعا وعشرين، ثم نزل، فدخل على نسائه.

التالي السابق


ذكر فيه حديث أسامة بن زيد قال: أشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أطم من آطام المدينة ... الحديث.

وقد سلف في باب مفرد في أواخر الحج فيما يتعلق بالمدينة - شرفها الله تعالى - والأطم: بضم الهمزة والطاء: الحصن المبني بالحجارة، وجمعه آطام.

وقوله: ("خلال بيوتكم") أي: بينها. [ ص: 654 ]

وقوله: ("كمواقع القطر"): لكثرتها، وهو من أعلام نبوته، والرؤية فيه بمعنى العلم مثل: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: 1]، ويحتمل أن تكون الفتن مثلت له حتى كأنه ينظر إليها، وخيل إليه أن أصحابه يرونها. ولذلك قال لهم: "هل ترون ما أرى؟ ".

وحديث ابن عباس : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله لهما: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما [التحريم: 4] فذكره بطوله، وفيه: فجئت المشربة التي هو فيها... وساق الحديث.

وحديث أنس آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه شهرا، وكانت انفكت قدمه فجلس في علية له، فجاء عمر، فقال: أطلقت نساءك؟ قال: "لا، ولكني آليت منهن شهرا". فمكث تسعا وعشرين، ثم نزل، فدخل على نسائه .

فهذه ثلاثة أحاديث دالة على ما ترجم له.

والغرف والسطوح وغيرها مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد وعورة له. و (المشربة): الغرفة؛ بضم الراء وفتحها، ذكرهما ابن قتيبة وقال: هي كالصفة بين يدي الغرفة.

وقال ابن فارس : هي الغرفة. وسلف ذلك.

وقال الداودي : هي الغرفة الصغيرة. [ ص: 655 ]

وقال ابن بطال في النكاح: المشربة: الخزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه. وقيل: لها: مشربة - فيما أرى - لأنهم كانوا يتخذون فيها شرابهم، كما قيل للمكان الذي تطلع عليه الشمس وتشرق فيه:

ضاحية مشرقة.

وفي حديث ابن عباس : الحرص على العلم سنة وتفسيرا. قال طاوس: أبى ذلك البحر. يعني: ابن عباس، وقد دعا له - عليه السلام - بالتفقه في الدين، كما سلف، فكان كما دعا له. قيل له: بم نلت هذا؟ قال: بلسان سئول وقلب عقول.

وفيه: خدمة الرجل الشريف للسلطان والعالم وأنه لا ضعة عليه في خدمته.

وفيه: الكلام في العلم على كل حال في المشي والطرق والخلوات .

وقوله: (واعجبا لك) عجب من حرصه على سؤاله عما لا يتنبه عليه إلا الحريص على العلم من تفسير ما لا محكم فيه من القرآن.

وقوله: (استقبل عمر الحديث) فيه: أن المحدث قد يأتي بالحديث على وجهه ولا يختصره؛ لأنه قد كان يكتفي حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما أخبره (منه) من قول: عائشة وحفصة .

وقوله: (كنا نغلب النساء ) يريد أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛ لأنه - عليه السلام - سار بسيرة الأنصار فيهن وترك سيرة قومه قريش .

وفيه: موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها . [ ص: 656 ]

وفيه: الحزن والبكاء لأمور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يكرهه والاهتمام بما يهمه .

وفيه: الاستئذان والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عليه عيال أو لم يكن.

وفيه: الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه .

ومن هذا الحديث قال بعض العلماء: إن السكوت يحكم به كما حكم عمر بسكوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صرفه له.

وفيه: التكرير بالاستئذان .

وفيه: أن للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف .

وفيه: تقلله من الدنيا وصبره على مضض ذلك، وكانت له فيه مندوحة.

وفيه: أنه يسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته، وفي قوله لعمر : "لا" رد لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه، ولم يخبر عمر بما أخبر به الأنصاري ولا شكاه؛ لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة، وإنما هو وهم جرى عليه.

وفي قوله: (أستأنس) استنزال السلطان والاستئناس بين يديه بالحديث وأخذ إذنه في الكلام، وفي تبسمه لعمر حين ذكر غلبة قريش لنسائها وتحكم نساء الأنصار عليهم دليل أن المعنيين ليسا محرمين.

وفيه: الجلوس بين يدي السلطان وإن لم يأمر به إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق.

وفيه: أنه لا يحب أن يسخط أحد حاله ولا ما قسم الله له، ولا يستحقر نعمة الله عنده ولا سابق قضائه؛ لأنه يخاف عليه ضعف نفسه. [ ص: 657 ]

وفيه: أن التقلل من الدنيا لرفع طيباته إلى دار البقاء خير حال من تعجلها في الدنيا الفانية والمتعجل لها أقرب إلى السفه.

وفيه: الاستغفار من التسخط وقلة الرضى .

وفيه: سؤال الشارع الاستغفار، وكذلك يجب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء والاستغفار.

وفيه: أن المرأة تعاقب على إفشاء سر زوجها وعلى التحيل عليه بالأذى، والمنع من مرافقه وشهواته بالتوبيخ لها بالقول كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه على تظاهرهما عليه وإفشاء سره، وعاقبهن الشارع بالإيلاء والاعتزال والهجران، كما قال تعالى: واهجروهن في المضاجع [النساء: 34].

وفيه: أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما، وإنما يجري فيه على الأهلة التي جعلها الله تعالى مواقيت للناس في آجالهم.

وفيه: أن الرجل إذا قدم من سفر أو طرأ على أزواجه أن يبدأ بمن شاء منهن، وأنه ليس عليه أن يبدأ من حيث بلغ قبل الخروج، وفي نقض رتبة الدوران وابتدائه من حيث بدأ دليل أن القسمة بين النساء فيها توسعة، يدل عليه قوله تعالى: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء [النساء: 129]، ومن أبيح له بعض الميل، فقد رخص له في التقصير عن العدل في القسمة،

وفيه: أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها وذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها ومالها؛ لأن أمر نفسها أخف من أمر مالها، وإن كان الشارع أمر بالمساعدة في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها، فهي في المال أولى بالمشاورة، لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة [ ص: 658 ] كعائشة، وليس على من تبين له رشد رأيه أن يشاور ويسقط عنه الندب فيه.

وقوله: (مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه) قال أبو عبيدة : رملت الحصير رملا وأرملته: إذا نسجته، ومعنى (أثر بجنبه): جعلت فيه خططا.

وقوله: (عن المرأتين اللتين) كذا هو في الأصول وذكره ابن التين بلفظ (التي) ثم قال: وصوابه اللتين، ومعنى صغت قلوبكما : مالت إلى الحق ورجعت.

وقوله: (فحججت معه) فيه: ذكر العمل الصالح، وليأتي بالحديث على هيئته، ومعنى (تبرز): قضى حاجته.

وقوله: (فسكبت على يديه) أي: صببت، وفيه: الاستعانة في الوضوء إذ هو الظاهر من قوله: (فتوضأ) قال ابن التين : ويحتمل الاستنجاء، وذلك أن يصب الماء على يده اليمنى، ثم يرسله حيث شاء.

وقوله: (فقلت: من المرأتان؟) ، وفي رواية أخرى: (لي سنة أتحين أن أسألك عن شيء) وفيه: هيبة عمر.

وقوله: (واعجبا لك) أي: على حرصك لم تعلم هذا إلى الآن؟ !

وقوله: (إني كنت وجار لي) ، فيه: العطف على الضمير المرفوع من غير أن يؤكد، والأحسن توكيده، قال تعالى: اسكن أنت وزوجك الجنة [الأعراف: 19] ومعنى: (نتناوب) نتداول أنا مرة وهو أخرى، ومنه قيل: نابت فلانا نائبة: إذا حدثت به حادثة، والنوب عند العرب: القرب.

وقوله: (كنا معشر قريش) أي: جمع قريش. [ ص: 659 ]

وقوله: (فطفق نساؤنا) أي: ظلوا، وطفق بكسر الفاء وفتحها، قال تعالى: وطفقا يخصفان عليهما [طه: 121]، أي: أخذا في ذلك، وفيه لغة ثالثة: طبق بالباء بدل الفاء.

وقوله: (فصحت على امرأتي) كذا هنا. وقال في النكاح: (فصخبت على امرأتي)، أي: صحت كما هو في بعض النسخ.

وقوله: (وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل). قال الداودي : يوما من الأيام أجمع.

وقوله: (فجمعت علي ثيابي) أي: لبستها.

وقوله: (أفتأمن) إلى قوله: (فتهلكن). فيه: رد الخطاب إلى الجمع، قاله الداودي، ويجوز أن يكون عائدا إلى إحداكن؛ لأنه قال: (خابت وخسرت، أفتأمن) فالكلام راجع إلى أحد و (جارتك) أي: عائشة ضرتها (أوضأ) أي: أحسن وأجمل من الوضاءة وهو الجمال.

و (غسان) رهط من قحطان نزلوا حين تفرقوا من مأرب بماء يقال له: غسان المشلل، فسموا به فسكنوا بطرف الشام، ومعنى (تنعل النعال): تصنع الحديد لأجل حوافر الخيل.

وقوله: (فرجع عشاء) أي: بعد عشاء الآخرة أو بعدها شيئا.

وقوله: (أعظم منه وأطول) يريد: أعظم منه وأطول حزنا، ظنوا أنه طلق نساءه؛ لاعتزالهن. قال الفراء في قوله تعالى: (عرف بعضه) بتخفيف الراء وأعرض عن بعض [التحريم: 3]: جازى على ذلك [ ص: 660 ] وغضب منه، كما تقول لمن أساء إليك: قد عرفت ذلك لك، وقد جازى حفصة بالطلاق. و (يوشك) بكسر الشين: أي: يسرع كونه.

وسلف الاختلاف في الرهط هل يطلق على ما فوق العشرة. وقيل: هو كالبضع من الثلاث إلى العشرة.

وقوله: (فقلت لغلام أسود: استأذن) كان أكثر شأنه - عليه السلام -، أنه لا بواب له، ويحتمل جلوس هذا؛ لئلا يكثر الناس عليه ويخبرهم بإذنه ومنعه، وصمته - عليه السلام - ولم يأذن له لعله لشدة غضبه إذا.

وقوله: (على رمال حصير) يعني: ما شدته من أحبله، يقال: رملت الحصير: نسجته، وحصير مرمول: منسوج، والرمل: هو النسج، والراملة: الناسجة، وفي رواية أخرى: على رمال سرير.

وقوله: (من أدم). قال الداودي : أي: من جلد، وأهل اللغة يقولون: أدم جمع أديم.

وقوله: (فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ") هو شأنه؛ إذ ضحكه التبسم؛ إكراما لمن يضحك إليه. قال جرير: ما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت إلا تبسم.

وقوله: (أهبة) هو بفتحهما جمع إهاب على غير قياس، وضبط أيضا بضمهما وهو الجلد مطلقا.

وقال قوم: إنه الجلد قبل أن يدبغ، وبه جزم ابن بطال، فقال في [ ص: 661 ] النكاح: هو الجلد غير مدبوغ يجمع أهبا وأهبة، وحكى ابن التين الخلاف فقال: هو الجلد، وقيل: قبل أن يدبغ، والهاء في أهبة مزيدة للمبالغة.

وقوله: (فاعتزل من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة ) فوقفت له على الباب، فلما خرج كلمته، فقال: فإنها علي حرام، لا تخبري عائشة، فأخبرتها، فأنزل الله: يا أيها النبي لم تحرم [التحريم: 1] إلى آخر القصة. وقيل: في قوله: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا [التحريم: 3] أن الصديق الخليفة بعده، قاله ميمون بن مهران . وقيل: إنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش وتواصت عليه عائشة وحفصة بأن تقول له كل واحدة: أجد منك ريح مغافير، فقال: "بل شربت عسلا ولن أعود"، ودخوله - عليه السلام - لتسع وعشرين فيه دلالة على أن من حلف على فعل شيء أنه يبر بأقل ما يقع عليه الاسم، وبه قال محمد بن عبد الحكم، وقال مالك: إن دخل بالهلال خرج به، وإن دخل بالأيام لم يبر إلا بثلاثين يوما.

وقولها: (فأنزل التخيير) اختلف العلماء هل خيرهن في الطلاق أو بين الدنيا والآخرة؟ وهل اختيارها صريح أو كناية؟ وهل هو فرقة أم لا: وهل يشترط الفور أم لا؟ وهل هو بالمجلس أو بالعرف؟



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث