الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وجعلنا النهار معاشا

وجعلنا النهار معاشا .

لما ذكر خلق نظام الليل قوبل بخلق نظام النهار ، فالنهار : الزمان الذي يكون فيه ضوء الشمس منتشرا على جزء كبير من الكرة الأرضية . وفيه عبرة بدقة الصنع وإحكامه ؛ إذ جعل نظامان مختلفان منشؤهما سطوع نور الشمس واحتجابه فوق الأرض ، وهما نعمتان للبشر مختلفتان في الأسباب والآثار ، فنعمة الليل راجعة إلى الراحة والهدوء ، ونعمة النهار راجعة إلى العمل والسعي ; لأن النهار يعقب الليل فيكون الإنسان قد استجد راحته واستعاد نشاطه ويتمكن من مختلف الأعمال بسبب إبصار الشخوص والطرق .

ولما كان معظم العمل في النهار لأجل المعاش أخبر عن النهار بأنه معاش ، وقد أشعر ذكر النهار بعد ذكر كل من النوم والليل بملاحظة أن النهار ابتداء وقت اليقظة التي هي ضد النوم فصارت مقابلتهما بالنهار في تقدير : وجعلنا النهار واليقظة فيه معاشا ، ففي الكلام اكتفاء دلت عليه المقابلة ، وبذلك حصل بين الجمل الثلاث مطابقتان من المحسنات البديعية لفظا وضمنا .

[ ص: 22 ] والمعاش : يطلق مصدر عاش إذا حيي ، فالمعاش : الحياة ، ويطلق اسما لما به عيش الإنسان من طعام وشراب على غير قياس .

والمعنيان صالحان للآية ؛ إذ يكون المعنى : وجعلنا النهار حياة لكم . شبهت اليقظة فيه الحياة ، أو يكون المعنى : وجعلنا النهار معيشة لكم ، والإخبار عنه بأنه معيشة مجاز أيضا بعلاقة السببية ; لأن النهار سبب للعمل الذي هو سبب لحصول المعيشة ، وذلك يقابل جعل الليل سباتا بمعنى الانقطاع عن العمل ، قال تعالى : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله .

ففي مقابلة السبات بالمعاش على هذين الاعتبارين مطابقتان من المحسنات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث