الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا

يجوز أن يتعلق بفعل اتخذ إلى ربه مآبا فيكون يوم ينظر ظرفا لغوا متعلقا ب ( أنذرناكم ) .

ويجوز أن يكون بدلا من يوم يقوم الروح والملائكة صفا لأن قيام الملائكة صفا حضور لمحاسبة الناس وتنفيذ فصل القضاء عليهم ، وذلك حين ينظر المرء ما قدمت يداه ، أي : ما عمله سالفا ، فهو بدل من الظرف تابع له في موقعه .

وعلى كلا الوجهين فجملة إنا أنذرناكم عذابا قريبا معترضة بين الظرف ومتعلقه ، أو بينه وبين ما أبدل منه .

والمرء : اسم للرجل ؛ إذ هو اسم مؤنثه امرأة .

والاقتصار على المرء جرى على غالب استعمال العرب في كلامهم ، فالكلام خرج مخرج الغالب في التخاطب ; لأن المرأة كانت بمعزل عن المشاركة في شؤون ما كان خارج البيت .

والمراد : ينظر الإنسان من ذكر أو أنثى ، ما قدمت يداه . وهذا يعلم من استقراء الشريعة الدال على عموم التكاليف للرجال والنساء إلا ما خص منها بأحد الصنفين ; لأن الرجل هو المستحضر في أذهان المتخاطبين عند التخاطب .

[ ص: 57 ] وتعريف ( المرء ) للاستغراق مثل : إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .

وفعل ( ينظر ) يجوز أن يكون من نظر العين أي : البصر ، والمعنى : يوم يرى المرء ما قدمت يداه . ومعنى نظر المرء ما قدمت يداه : حصول جزاء عمله له ، فعبر عنه بالنظر ; لأن الجزاء لا يخلو من أن يكون مرئيا لصاحبه من خير أو شر ، فإطلاق النظر هنا على الوجدان على وجه المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق ، ونظيره قوله تعالى : ليروا أعمالهم ، وقد جاءت الحقيقة في قوله تعالى : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا الآية . و ( ما ) موصولة ، صلتها جملة قدمت يداه .

ويجوز أن يكون من نظر الفكر ، وأصله مجاز شاع حتى لحق بالمعاني الحقيقية كما يقال : هو بخير النظرين ، ومنه التنظر : توقع الشيء ، أي : يوم يترقب ويتأمل ما قدمت يداه ، وتكون ( ما ) على هذا الوجه استفهامية ، وفعل ( ينظر ) معلقا عن العمل بسبب الاستفهام ، والمعنى : ينظر المرء جواب من يسأل : ما قدمت يداه ؟ ويجوز أن يكون من الانتظار كقوله تعالى : هل ينظرون إلا تأويله .

وتعريف ( المرء ) تعريف الجنس المفيد للاستغراق .

والتقديم : تسبيق الشيء والابتداء به .

و ما قدمت يداه هو ما أسلفه من الأعمال في الدنيا من خير أو شر فلا يختص بما عمله من السيئات ، فقد قال تعالى : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء الآية .

وقوله : ما قدمت يداه إما مجاز مرسل بإطلاق اليدين على جميع آلات الأعمال ، وإما أن يكون بطريقة التمثيل بتشبيه هيئة العامل لأعماله المختلفة بهيئة الصانع للمصنوعات بيديه ، كما قالوا في المثل : " يداك أوكتا " ولو كان ذلك على قول بلسانه أو مشي برجليه .

[ ص: 58 ] ولا يحسن أن يجعل ذكر اليدين من التغليب ; لأن خصوصية التغليب دون خصوصية التمثيلية .

وشمل ما قدمت يداه الخير والشر .

وخص بالذكر من عموم المرء الإنسان الكافر الذي يقول : يا ليتني كنت ترابا ; لأن السورة أقيمت على إنذار منكري البعث فكان ذلك وجه تخصيصه بالذكر ، أي : يوم يتمنى الكافر أنه لم يخلق من الأحياء فضلا عن أصحاب العقول المكلفين بالشرائع ، أي : يتمنى أن يكون غير مدرك ولا حساس بأن يكون أقل شيء مما لا إدراك له وهو التراب ، وذلك تلهف وتندم على ما قدمت يداه من الكفر .

وقد كانوا يقولون : ( أإذا كنا ترابا ورفاتا إنا لمبعوثون ) فجعل الله عقابهم بالتحسر وتمني أن يكونوا من جنس التراب .

وذكر وصف الكافر يفهم منه أن المؤمن ليس كذلك ; لأن المؤمن وإن عمل بعض السيئات وتوقع العقاب على سيئاته ، فهو يرجو أن تكون عاقبته إلى النعيم ، وقد قال الله تعالى : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وقال : ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، فالمؤمنون يرون ثواب الإيمان وهو أعظم ثواب - وثواب حسناتهم على تفاوتهم فيها - ويرجون المصير إلى ذلك الثواب وما يرونه من سيئاتهم لا يطغى على ثواب حسناتهم ، فهم كلهم يرجون المصير إلى النعيم ، وقد ضرب الله لهم أو لمن يقاربهم مثلا بقوله : وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون على ما في تفسيرها من وجوه .

وهذه الآية جامعة لما جاء في السورة من أحوال الفريقين ، وفي آخرها رد العجز على الصدر من ذكر أحوال الكافرين الذين عرفوا بالطاغين ، وبذلك كان ختام السورة بها براعة مقطع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث