الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى حم تنزيل من الرحمن الرحيم

واعلم أنه إذا تأكدت النفرة عن الشيء صارت تلك النفرة في القلب فإذا سمع منه كلاما لم يفهم معناه كما ينبغي ، وإذا رآه لم تصر تلك الرؤية سببا للوقوف على دقائق أحوال ذلك المرئي ، وذلك المدرك والشاعر هو النفس ، وشدة نفرة النفس عن الشيء تمنعها من التدبر والوقوف على دقائق ذلك الشيء ، فإذا كان الأمر كذلك كان قولهم ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) استعارات كاملة في إفادة المعنى المراد ، فإن قيل : إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم ، وذكر أيضا ما يقرب منه في معرض الذم ، فقال : ( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ) [ البقرة : 88 ] .

ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معرض التقرير والإثبات في سورة الأنعام ، فقال : ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) [ الأنعام : 25 ] فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا إنه لم يقل ههنا إنهم كذبوا في ذلك ، إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا : إنا إذا كنا كذلك لم يجز تكليفنا ، وتوجيه الأمر والنهي علينا ، وهذا الثاني باطل ، أما الأول فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه .

واعلم أنهم لما وصفوا أنفسهم بهذه الصفات الثلاثة ، قالوا ( فاعمل إننا عاملون ) والمراد فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا ، ويجوز أن يكون المراد فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ، والحاصل عندنا أن القوم ما كذبوا في قولهم ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) بل إنما أتوا بالكفر والكلام الباطل في قولهم ( فاعمل إننا عاملون ) .

ولما حكى الله عنهم هذه الشبهة أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذه الشبهة بقوله : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) وبيان هذا الجواب كأنه يقول : إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عز وجل أوحى إلي ، وما أوحى إليكم فأنا أبلغ هذا الوحي إليكم ، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق قبلتموه ، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه ، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي ، ثم بين أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين : العلم والعمل ، أما العلم فالرأس [ ص: 86 ] والرئيس فيه معرفة التوحيد ؛ ذلك لأن الحق هو أن الله واحد وهو المراد من قوله ( أنما إلهكم إله واحد ) وإذا كان الحق في نفس الأمر ذلك ، وجب علينا أن نعترف به ، وهو المراد من قوله : ( فاستقيموا إليه ) ونظيره قوله : ( اهدنا الصراط المستقيم ) [ الفاتحة : 6 ] وقوله : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) [ فصلت : 30 ] وقوله تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) [ الأنعام : 153 ] وفي قوله تعالى : ( فاستقيموا إليه ) وجهان :

الأول : فاستقيموا متوجهين إليه .

الثاني : أن يكون قوله : ( فاستقيموا إليه ) معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض .

واعلم أن التكليف له ركنان : أحدهما : الاعتقاد ، والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد ، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار ؛ فلهذا السبب قال : ( واستغفروه ) فإن قيل : المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي ، وذلك مقدم على فعل ما ينبغي ، فلم عكس هذا الترتيب ههنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما ينبغي ؟ قلنا : ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر ، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم : " وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي ، فقال : ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ) وفي هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : وجه النظم في هذه الآية من وجوه :

الأول : أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ؛ وذلك لأن الموجودات ، إما الخالق وإما الخلق ، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفا بصفات الجلال والعظمة ، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله ، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم ، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله ، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله ، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحدا وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها ، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال ؛ لأنه ضد الشفقة على خلق الله ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفا بصفات ثلاثة :

أولها : أن يكون مشركا وهو ضد التوحيد ، وإليه الإشارة بقوله : ( وويل للمشركين ) وثانيها : كونه ممتنعا من الزكاة ، وهو ضد الشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله : ( الذين لا يؤتون الزكاة ) وثالثها : كونه منكرا للقيامة مستغرقا في طلب الدنيا ولذاتها ، وإليه الإشارة بقوله ( وهم بالآخرة هم كافرون ) وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : الأمس واليوم والغد ، أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم .

وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة ، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة ، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال ، فلهذا حكم الله عليه بالويل ، فقال : ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ) وهذا ترتيب في غاية الحسن ، والله أعلم .

الوجه الثاني : في تقرير كيفية النظم أن يقال : المراد بقوله : ( لا يؤتون الزكاة ) أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم : لا إله إلا الله ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : ( ونفس وما سواها ) [ الشمس : 7 ]

[ ص: 87 ] الثالث : قال الفراء : إن قريشا كانت تطعم الحاج ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية ، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين : أحدهما : كونه مشركا ، والثاني : أنه لا يؤتي الزكاة ، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد ، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد ، وذلك هو المطلوب .

المسألة الثالثة : احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر ، فقال : إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر ، وهو قوله : ( وويل للمشركين ) وذكر أيضا بعدها ما يوجب الكفر ، وهو قوله : ( وهم بالآخرة هم كافرون ) فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفرا لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحا ؛ لأن الكلام إنما يكون فصيحا إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه ، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم بكفر مانعي الزكاة ، والجواب : لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان ، وهما حاصلان عند عدم إيتاء الزكاة ، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة ، والله أعلم .

ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين ، فقال : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) أي غير مقطوع ، من قولك : مننت الحبل ، أي قطعته ، ومنه قولهم : قد منه السفر ، أي قطعه ، وقيل : لا يمن عليهم ، لأنه تعالى لما سماه أجرا ، فإذا الأجر لا يوجب المنة ، وقيل : نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث