الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1363 حديث أول لابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن مسند .

مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن .

التالي السابق


وقع في نسخة موطإ يحيى ، وعن أبي مسعود الأنصاري ، وهذا من الوهم البين ، والغلط الواضح الذي لا يعرج على مثله ، والحديث محفوظ في جميع الموطآت ، وعند رواة ابن شهاب كلهم لأبي بكر ، عن أبي مسعود ، وأما لابن شهاب ، عن أبي مسعود فلا يلتفت إلى مثل هذا ; لأنه من خطإ اليد ، وسوء النقل ، وأبو مسعود هذا اسمه عقبة بن [ ص: 398 ] عمرو ، ويكنى أبا مسعود ( أنصاري ) يعرف بالبدري ; لأنه كان يسكن بدرا .

واختلف في شهوده بدرا ، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة بما فيه كفاية .

وحدثنا خلف بن قاسم : حدثنا محمد بن أحمد بن كامل ، وعمر بن محمد بن القاسم ، ومحمد بن أحمد بن المسور قالوا : حدثنا أبو بكر بن سهل : حدثنا عبد الله بن يوسف : حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أبي مسعود الأنصاري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن .

قال أبو عمر : في هذا الحديث ما اتفق عليه ، وفيه ما اختلف فيه فأما مهر البغي ، والبغي الزانية ، ومهرها ما تأخذ على زناها فمجتمع على تحريمه . تقول العرب : بغت المرأة ، إذا زنت تبغي بغاء فهي بغي ، وهن البغايا ، قال الله عز وجل : وما كانت أمك بغيا يعني زانية ، وقال : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء يعني الزنا ، وهو مصدر .

[ ص: 399 ] وأما حلوان الكاهن فمجتمع أيضا ، قال مالك : وهو ما يعطى الكاهن على كهانته ، والحلوان في كلام العرب الرشوة ، والعطية تقول منه حلوت الرجل حلوانا إذا رشوته بشيء .

قال أوس بن حجر :


كأني حلوت الشعر يوم مدحته صفا صخرة صماء يبس بلالها

.

وقال غيره :


فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي     يبلغ عني الشعر إذ مات قائله

.

وأما ثمن الكلب فمختلف فيه فظاهر هذا الحديث يشهد لصحة قول من نهى عنه وحرمه ، وأما اختلاف العلماء في ذلك ، فقال مالك في موطئه : أكره ثمن الكلب الضاري ، وغير الضاري ؛ لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب .

قال أبو عمر : روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ثمن الكلب من خمسة أوجه من حديث علي بن أبي طالب ، وابن عامر ، وأبي مسعود ، وأبي هريرة ، وأبي جحيفة قال مالك : لا يجوز بيع شيء من الكلاب ، ويجوز أن يقتنى كلب الصيد والماشية .

وقد روي عن مالك إجازة بيع كلب الصيد والزرع والماشية ( فوجه إجازة بيع كلب الصيد ، وما أبيح اتخاذه من الكلاب أنه لما قرن ثمنها في الحديث مع مهر البغي [ ص: 400 ] وحلوان الكاهن وهذا لا إباحة في شيء منه ، فدل على أن الكلب الذي نهي عن ثمنه ما لم يبح اتخاذه ، ولم يدخل في ذلك ما أبيح اتخاذه ، والله أعلم .

ووجه النهي عن ثمن الضاري ، وغير الضاري من الكلاب : عموم ورود النهي عن ثمنها ، وأن ما أمر بقتله معدوم ، وجوده منها ) .

ولا خلاف عن مالك أن من قتل كلب صيد أو ماشية أو زرع فعليه القيمة ، ( وأن من قتل كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا زرع فلا شيء عليه ) .

قال مالك : وإذا لم يسرح كلب الدار مع الماشية فلا شيء على قاتله . وقال أبو حنيفة وأصحابه : بيع الكلاب جائز إذا كانت لصيد أو ماشية ، كما يجوز بيع الهر .

وذكر محمد بن الحسن ، عن أسد بن عمرو ، عن أبي حنيفة فيمن قتل كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية قال : عليه قيمته كلها إذا استؤنست ، وانتفع بها ، وكذلك كل ذي مخلب من الطير .

وقال الشافعي : لا يجوز بيع الكلاب كلها ، ولا شيء منها على حال كان لصيد أو لغير صيد ، ولا شيء على من قتل كلبا من قيمة ، ولا ثمن ، وسواء كان كلب صيد ، أو ماشية ، أو زرع ، أو لم يكن .

[ ص: 401 ] وحجته نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب قال : وما لا ثمن له فلا قيمة فيه إذا قتل .

واحتج بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلها ( وقال : ولو كانت الكلاب مما يجوز تموله ، وملكه ، والانتفاع به ، لم يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلها ) لأن في ذلك إضاعة الأموال وتلفها ، وهذا لا يجوز أن يضاف إليه - صلى الله عليه وسلم - .

وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الكلاب ، وأرسل في أقطار المدينة لتقتل ، ذكره ابن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن عبيد الله بن عمر .

( وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب ) .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ : حدثنا جعفر بن محمد : حدثنا عفان : حدثنا حماد : حدثنا أبو الزبير ، عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الكلاب ، حتى إن المرأة لتدخل بالكلب فما تخرج حتى يقتل .

[ ص: 402 ] وحدثنا عبد الله بن محمد : حدثنا محمد بن بكر : حدثنا أبو داود : حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة ، قال : حدثنا عبيد الله يعني ابن عمر ، عن عبد الرحمن ، عن قيس بن ( حبتر ) ، عن عبد الله بن عباس ، قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب " قال : " إن جاء يطلب ثمن الكلب ، فاملأ كفه ترابا " .

وأخبرنا عبد الله : ( حدثنا ) محمد بن بكر : حدثنا أبو داود : ( حدثنا ) أحمد بن صالح : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنا معروف الجذامي ، أن علي بن رباح اللخمي حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحل ثمن الكلب ، ولا مهر البغي .

وقد روى حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نهى عن ثمن الكلب والسنور " .

وهذا لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة ، وروى الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن [ ص: 403 ] الكلب ، والسنور " .

وحديث أبي سفيان ، عن جابر لا يصح ; لأنها صحيفة .

ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة ، كلما أبيح اتخاذه والانتفاع به ، وفيه منفعة فثمنه جائز في النظر ، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له مما لا معارض ( له ) فيه ، وليس في السنور شيء صحيح ، وهو على أصل الإباحة ، وبالله التوفيق .

وأجاز الشافعي بيع كل ما فيه منفعة في حياته نحو الفهد ، والجوارح المعلمة حاشا الكلب .

وقال ابن القاسم : يجوز بيع الفهود ، والنمور ، والذئاب ، إذا كانت تذكى لجلودها ; لأن مالكا يجيز الصلاة عليها إذا ذكيت .

وقال الحسن بن حي : من قتل كلبا أو بازيا ، فعليه القيمة . ( روي عن جابر بن عبد الله أنه جعل في كلب الصيد القيمة ) ، وعن عطاء مثله .

وعن ابن عمر ، أنه أوجب فيه أربعين درهما ، وأوجب في كلب ماشية فرقا من طعام .

وعن عثمان أنه أجاز الكلب الضاري في المهر ، وجعل على قاتله عشرا من الإبل .

[ ص: 404 ] قال أبو عمر : احتج من أجاز بيع الكلب بحديث عبد الله بن المغفل ، قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب ، ثم قال : ما لي وللكلاب ؟ ثم رخص في كلب الصيد ، وكلب آخر .

فجعلوا نهيه في ذلك منسوخا بإباحته ، وقالوا في هذا الحديث : إن كلب الصيد ، وغيره كان مما أمر بقتله فكان بيعه ( ذلك الوقت ) والانتفاع به حراما ، وكان قاتله مؤديا للفرض عليه ، فلما نسخ ذلك ، وأبيح الاصطياد به ، كان كسائر الجوارح في جواز بيعه .

وزعموا أن من هذا الباب نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الحجام ، وقوله : إنه خبيث ، ثم لما أعطى ( الحجام ) أجره ، كان ناسخا لمنعه ، وقد ذكرنا القول في الحجام في باب حميد الطويل من كتابنا هذا ، وبالله التوفيق .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن عبد السلام ، قال : حدثنا محمد بن بشار : حدثنا عثمان بن عمر : حدثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الكلاب ، ورخص في كلب الزرع ، وكلب الصيد ، وقال : " إذا ولغ ( الكلب ) في الإناء ، فاغسلوه سبع مرات [ ص: 405 ] واعفروه الثانية بالتراب " .

وذكر ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رافعا صوته يأمر بقتل الكلاب ، فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية ، ففي هذه الأحاديث ما يدل على أن الكلاب التي أذن في اتخاذها لم يؤذن في قتلها ، وقد قيل : إن قتل الكلاب ( كلها ) منسوخ ، وسيأتي القول في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث