الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم قال تعالى : ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي " إن كنتم " بكسر الألف ، تقديره : إن كنتم مسرفين لا نضرب عنكم الذكر صفحا ، وقيل : "إن " بمعنى " إذ " كقوله تعالى : ( وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) [البقرة : 278] وبالجملة : فالجزاء مقدم على الشرط ، وقرأ الباقون بفتح الألف على التعليل ، أي : لأن كنتم مسرفين .

المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج : يقول ضربت عنه وأضربت عنه أي تركته وأمسكت عنه ، وقوله ( صفحا ) أي إعراضا ، والأصل فيه أنك توليت بصفحة عنقك ، وعلى هذا فقوله ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) - تقديره : أفنضرب عنكم إضرابنا ، أو تقديره : أفنصفح عنكم صفحا ، واختلفوا في معنى الذكر ، فقيل : معناه أفنرد عنكم ذكر عذاب الله ، وقيل : أفنرد عنكم النصائح والمواعظ ، وقيل : أفنرد عنكم القرآن ، وهذا استفهام على سبيل الإنكار ، يعني : إنا لا نترك هذا الإعذار الإنذار بسبب كونكم مسرفين ، قال قتادة : لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة . إذا عرفت هذا فنقول : هذا الكلام يحتمل وجهين :

الأول : الرحمة يعني أن لا نترككم مع سوء اختياركم ، بل نذكركم ونعظكم إلى أن ترجعوا إلى الطريق الحق .

الثاني : المبالغة في التغليظ ، يعني أتظنون أن تتركوا مع ما [ ص: 168 ] تريدون ؟ كلا ، بل نلزمكم العمل وندعوكم إلى الدين ونؤاخذكم متى أخللتم بالواجب وأقدمتم على القبيح .

المسألة الثالثة : قال صاحب "الكشاف" : الفاء في قوله ( أفنضرب ) للعطف على محذوف ، تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر .

ثم قال تعالى : ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون ) والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء ، فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب إقدامهم على التكذيب والاستهزاء ؛ لأن المصيبة إذا عمت خفت .

ثم قال تعالى : ( فأهلكنا أشد منهم بطشا ) يعني أن أولئك المتقدمين الذين أرسل الله إليهم الرسل كانوا أشد بطشا من قريش ، يعني أكثر عددا وجلدا ، ثم قال : ( ومضى مثل الأولين ) والمعنى أن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم ، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم ، فقد ضربنا لهم مثلهم ؛ كما قال : ( وكلا ضربنا له الأمثال ) [الفرقان : 39] وكقوله ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) [إبراهيم : 45] إلى قوله ( وضربنا لكم الأمثال ) والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث