الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل ما يفعله من أراد الدخول في الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ، ثم كبر ووضع ركبتيه ، ثم يديه ، ثم وجهه بين كفيه بعكس النهوض ) كما كان يفعله عليه السلام كما رواه أبو داود ولحديث الترمذي { كان عليه السلام إذا سجد وضع وجهه بين كفيه } وأفاد أنه إذا أراد السجود يضع أولا ما كان أقرب إلى الأرض فيضع ركبتيه أولا ، ثم أنفه ، ثم جبهته وإذا أراد الرفع يرفع أولا جبهته ، ثم أنفه ، ثم يديه ، ثم ركبتيه وهذا كله عند الإمكان أما إذا كان متخففا فإنه يضع اليدين قبل الركبتين ويقدم اليمنى على اليسرى ( قوله وسجد بأنفه وجبهته ) أي سجد عليهما لتحصيل الأكمل والأنف اسم لما صلب

، وأما ما لان منه فلا يجوز الاقتصار عليه بإجماعهم كما نقله غير واحد والجبهة اسم لما يصيب الأرض مما فوق الحاجبين إلى قصاص الشعر حالة السجود ، وعرفها بعضهم بأنها ما اكتنفه الجبينان واعلم أن المأمور به في كتاب الله تعالى إنما هو السجود ، وهو في اللغة يطلق لطأطأة الرأس والانحناء وللخضوع وللتواضع وللميل كسجدت النخلة : مالت ، وللتحية كالسجود لآدم تكرمة له كذا في ضياء الحلوم ، وفي الشريعة : وضع بعض الوجه مما لا سخرية فيه فخرج الخد والذقن والصدغ ومقدم الرأس فلا يجوز السجود عليها

وإن كان من عذر بل معه يجب الإيماء بالرأس ولعله إنما قال تعالى { يخرون للأذقان سجدا } مع أن الذقن ليس محل السجود ; لأن الساجد أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن ، وهو مجتمع اللحيين ووضع بعض الوجه يتحقق بالأنف كما في الجبهة فيجوز بالجبهة وحدها اتفاقا على ما عليه الجم الغفير من أهل المذهب ، وما في المفيد والمزيد : من أنه لا يتأدى الفرض عندهما إلا بوضعهما فخلاف المشهور عنهما ، وإنما محل الاختلاف في الاقتصار على الأنف فعنده يجوز مطلقا وعندهما لا يجوز إلا من عذر بالجبهة كما صرح به صاحب الهداية والوجه ظاهر للإمام رحمه الله ; لأن المأمور به السجود ، وهو ما قلنا

وأما ما في الصحيحين مرفوعا { أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا يكف الثياب والشعر } فلا يفيد الافتراض ; لأنه ظني الثبوت قطعا وظني الدلالة على خلاف فيه ، بناء على أن لفظ " أمرت " مستعمل في الوجوب والندب هو الأعم بمعنى طلب مني ذلك أو في الندب أو في الوجوب فقولهما بالافتراض مشكل ; لأنه يلزمهما الزيادة على الكتاب بخبر الواحد وهما يمنعانه في الأصول كأبي حنيفة فلذا قال المحقق ابن الهمام فجعل بعض المتأخرين الفتوى على الرواية الأخرى الموافقة لقولهما ، لم يوافقه دراية ولا القوي من الرواية هذا ولو حمل قولهما " لا يجوز الاقتصار إلا من عذر " على وجوب [ ص: 336 ] الجمع كان أحسن إذ يرتفع الخلاف بناء على ما حملنا الكراهة منه عليه من كراهة التحريم ولم يخرجا عن الأصول ا هـ .

فالحاصل أنه لا خلاف بينهم فقول الإمام بكراهة الاقتصار على الأنف المراد بها كراهة التحريم وهي في مقابلة ترك الواجب ، وقولهما لعدم الجواز المراد به عدم الحل ، وهو كراهة التحريم فالسجود على الجبهة واجب اتفاقا ; لأنه مقتضى الحديث والمواظبة المروية في سنن الترمذي { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد مكن جبهته وأنفه بالأرض } ، وقال حديث حسن صحيح وهكذا في صحيح البخاري لكن هذا يقتضي وجوب السجود على الأنف كالجبهة ; لأن المواظبة المنقولة تعمهما مع أن المنقول في البدائع والتحفة والاختيار عدم الكراهة بترك السجود على الأنف وظاهر ما في الكتاب يخالفه فإنه قال وكره أي الاقتصار على أحدهما سواء كان الجبهة أو الأنف وهي عند الإطلاق منصرفة إلى كراهة التحريم ، وهكذا في المفيد والمزيد فالقول بعدم الكراهة ضعيف وخرج أيضا بقولنا : " مما لا سخرية فيه " ما إذا رفع قدميه في السجود فإنه لا يصح ; لأن السجود مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال ، ويكفيه وضع أصبع واحدة فلو لم يضع الأصابع أصلا ووضع ظهر القدم فإنه لا يجوز ; لأن وضع القدم بوضع الأصبع وإذا وضع قدما ورفع آخر جاز مع الكراهة من غير عذر كما أفاده قاضي خان وذهب شيخ الإسلام إلى أن وضعهما سنة فتكون الكراهة تنزيهية والأوجه على منوال ما سبق هو الوجوب فتكون الكراهة تحريمية لما سبق من الحديث

وذكر القدوري أن وضعهما فرض ، وهو ضعيف ، وأما اليدان والركبتان فظاهر الرواية عدم افتراض وضعهما قال في التجنيس والخلاصة وعليه فتوى مشايخنا ، وفي منية المصلي ليس بواجب عندنا واختار الفقيه أبو الليث الافتراض وصححه في العيون ولا دليل عليه ; لأن القطعي إنما أفاد وضع بعض الوجه على الأرض دون اليدين والركبتين والظني المتقدم لا يفيده ، لكن مقتضاه ومقتضى المواظبة الوجوب ، وقد اختاره المحقق في فتح القدير ، وهو إن شاء الله تعالى أعدل الأقوال لموافقته الأصول ، وإن صرح كثير من مشايخنا بالسنية ومنهم صاحب الهداية ، وفي المجتبى : سجد على طرف من أطراف جبهته يجوز ا هـ .

وظاهر ما في التجنيس [ ص: 337 ] يخالفه فإنه قال : إذا وضع من الجبهة مقدار الأنف لا يجوز عند أبي حنيفة ; لأن الأنف عضو كامل وهذا المقدار من الجبهة ليس بعضو كامل ولا بأكثر منها ا هـ

إلا أن يحمل الطرف على الأكثر كما لا يخفى ( قوله وكره بأحدهما أو بكور عمامته ) أي كره السجود عليه ، وهو دورها يقال كار العمامة وكورها دارها على رأسه وهذه العمامة عشرة أكوار وعشرون كورا كذا في المغرب ، وهو بفتح الكاف كما ضبطه ابن أمير حاج لحديث الصحيحين { كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه } وذكر البخاري في صحيحه قال الحسن كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة فدل ذلك على الصحة ، وإنما كره لما فيه من ترك نهاية التعظيم ، وما في التجنيس من التعليل بترك التعظيم راجع إليه وإلا فترك التعظيم أصلا مبطل للصلاة ، وقد نبه العلامة ابن أمير حاج هنا تنبيها حسنا ، وهو أن صحة السجود على الكور إذا كان الكور على الجبهة أو بعضها ، أما إذا كان على الرأس فقط وسجد عليه ولم تصب جبهته الأرض على القول بتعيينها ولا أنفه على القول بعدم تعيينها فإن الصلاة لا تصح لعدم السجود على محله

وكثير من العوام يتساهل في ذلك ويظن الجواز وظاهر أن الكراهة تنزيهية لنقل فعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من السجود على العمامة تعليما للجواز فلم تكن تحريمية ، وقد أخرج أبو داود عن صالح بن حيوان أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسجد ، وقد اعتم على جبهته فحسر عن جبهته } إرشادا لما هو الأفضل والأكمل ولا يخفى أن محل الكراهة عند عدم العذر أما معه فلا ، وفي كلام المصنف اشتباه فإنه جعل الكراهة في الاقتصار على أحدهما ، وفي السجود على الكور واحدة ، وقد حققنا أنها تحريمية في الأول تنزيهية في الثاني فيراد بالكراهة طلب الكف عن فعلها طلبا غير جازم سواء كان في الفعل إثم أو لا ، وأشار بالكور إلى أن كل حائل بينه وبين الأرض متصل به فإن حكمه كذلك يعني الصحة كما لو سجد على فاضل ثوبه أو كمه على مكان ظاهر ، وأما الكراهة ففي الذخيرة والمحيط إذا بسط كمه وسجد عليه إن بسط ليقي التراب عن وجهه كره ذلك ; لأن هذا النوع تكبر

وإن بسط ليقي التراب عن عمامته أو ثيابه لا يكره لعدمه ونص قاضي خان على أنه لا بأس به ولم يذكر كراهة ، وفي الزاد : ولو سجد على كمه إن كان ثمة تراب أو حصاة لا يكره ; لأنه يدفع الأذى عن نفسه ، وإن لم يكن جاز ويكره ، والتوفيق بينهما بحمل ما في الذخيرة على ما إذا لم يخف ضررا وقصد الترفع فيكره تحريما ويحمل ما ذكره قاضي خان على ما إذا لم يكن ترفعا ولم يخف فيكره تنزيها وهي ترجع إلى خلاف الأولى وكلمة لا بأس فيما تركه أولى ويحمل ما في الزاد على ما إذا لم يكن ترفعا وخاف الأذى فيكون مباحا ، وقيدنا بكون ما تحته طاهرا ; لأنه لو بسط كمه على نجاسة فالأصح عدم الجواز ودل كلامه على أنه لو سجد على حائل بينه وبين الأرض منفصل عنه فإنه يصح بالأولى كالسجادة والحصير ، وذكر الأكمل في تقريره أن الأولى للإمام ومن يقتدى به كالمفتي ترك السجادة حتى لا يحمل العوام على ما فيه حرج عليهم بخلافه في الخلوة ومن لا يقتدى به ، وحمله البزازي على زمانهم ، أما في زماننا فالأولى الصلاة عليها لما أن الناس تهاونوا في أمر الطهارة والأصل كما أنه يجوز السجود على الأرض يجوز على ما هو بمعنى الأرض مما تجد جبهته حجمه وتستقر عليه وتفسير وجدان الحجم أن الساجد لو بالغ لا يتسفل رأسه أبلغ من ذلك فيصح السجود على الطنفسة والحصيرة والحنطة والشعير والسرير والعجلة إن كانت على الأرض ; لأنه يجد حجم الأرض ، بخلاف ما إذا كانت على ظهر الحيوان ; لأن قرارها حينئذ على الحيوان كالبساط المشدود بين الأشجار

ولو سجد على ظهر رجل إن كان للضرورة بأن لم يجد [ ص: 338 ] موضعا من الأرض يسجد عليه والمسجود على ظهره في الصلاة جاز وإن لم يكن في الصلاة ، أو وجد فرجة لا يجوز لعدمها وقيد في الواقعات أن تكون صلاتهما متحدة حتى لو سجد على ظهر من يصلي صلاة أخرى لا يجوز لعدمها وعليه مشى في الخلاصة وفتح القدير وشرط في المجتبى شرطا آخر : وهو أن يكون المسجود على ظهره ساجدا على الأرض فلو سجد على ظهر مصل ساجد على ظهر مصل لا يجوز فالشروط أربعة ، وفي المحيط ولو سجد على ظهر الميت وعليه لبد إن وجد حجم الميت لم يجز ; لأنه سجد على الميت ، وإن لم يكن يجد حجمه جاز ; لأنه سجد على اللبد ، ولو سجد على الأرز أو الجاورس أو الذرة لا يجوز لعدم استقرار الجبهة عليها حتى لو كان الأرز في الجوالق فإنه يجوز ; لأنه يجد الحجم بواسطة انكباسه كما ذكره في منية المصلي

وإن سجد على الثلج إن لم يلبده وكان يغيب وجهه ولا يجد حجمه لم يجز ، وإن لبد جاز ، وكذا إذا ألقى الحشيش فسجد عليه إن وجد عليه حجمه جاز وإلا فلا ، وكذا في التبن والقطن ومن هنا يعلم جواز أداء الصلاة على الطراحة القطن ، فإن وجد الحجم جاز وإلا فلا وهذا القيد لا بد منه في السجود على كور العمامة وطرف القلنسوة كما صرح به في المجتبى ، وفي منية المصلي ، ولو أن موضع السجود أرفع من موضع القدمين مقدار لبنتين منصوبتين جاز ، وإن كان أكثر لا يجوز أراد لبنة بخارى ، وهو ربع ذراع . ا هـ .

وفي التجنيس ، ولو سجد على حجر صغير إن كان أكثر الجبهة على الأرض يجوز وإلا فلا وهكذا في كثير من الكتب معزيا إلى نصير ، وفيه بحث ; لأن اسم السجود يصدق بوضع شيء من الجبهة على الأرض ولا دليل على اشتراط أكثرها كما قالوا : يكفي في القدمين وضع أصبع واحدة ، ولهذا قال في المجتبى سجد على طرف من أطراف جبهته جاز ، ثم نقل كلام نصير فدل على تضعيفه ، نعم ، وضع أكثرها واجب للمواظبة على تمكين الجبهة من الأرض

وعلى تسليم أن الأكثر شرط فيجب أنه إذا كان ما أصاب الحجر والأرض يبلغ أكثرها يجوز لأنه لا يعتد بما أصاب الحجر أصلا كما هو ظاهر كلامهم والله الموفق للصواب وقيد بكون الحائل تبعا ; لأن الحائل لو كان بعضه فإن كان كفه يجوز على الأصح ، وإن كان فخذه يجوز بعذر لا بغيره على الصحيح ، وإن كان ركبته لا يجوز مطلقا من غير خلاف يعلم لكن إن كان بعذر كفاه باعتبار ما في ضمنه من الإيماء وكان عدم الخلاف فيه لكون السجود يقع على حرف الركبة ، وهو لا يأخذ قدر الواجب من الجبهة على ما قدمناه عن التجنيس ، وفي فتح القدير والذي ينبغي ترجيح الفساد على الكف والفخذ ( قوله وأبدى ضبعيه ) أي أظهر عضديه والضبع بالسكون لا غير : العضد وقيل وسطه باطنه كذا في المغرب ولعل المراد هنا الثاني للدليل الآتي ولأنه المسنون وذكر في المحيط أن فيه لغتين : سكون الباء وضمها وذكر في ضياء الحلوم مختصر شمس العلوم أن الضبع بالسكون العضد والضبع بالضم الأنثى من الضباع ويقال للسنة المجدبة

، وإنما يظهرهما لحديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه } ولحديث مسلم { إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك } ، ثم إن كان في الصف لا يبديهما حذرا من إيذاء جاره بخلاف ما إذا لم يؤد إلى الإيذاء كما إذا لم يكن في الصف زحام ذكره في المجتبى وهذا أولى مما ذكره في الهداية وتابعه في الكافي وتبعهما الشارح من أنه إذا كان في الصف لا يجافي بطنه عن فخذيه ; لأن الإيذاء لا يحصل من مجرد المجافاة ، وإنما يحصل من إظهار العضدين ( قوله وجافى . [ ص: 339 ] بطنه عن فخذيه )

أي باعده لحديث مسلم { كان إذا سجد جافى بين يديه حتى لو أن بهيمة أرادت أن تمر بين يديه مرت } ولحديث أبي داود في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام { وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه } وبهيمة تصغير بهمة ولد الشاة بعد السخلة فإنه أول ما تضعه أمه يكون سخلة ، ثم يكون بهمة وهي بصيغة المكبر

في صحيح مسلم وسنن ابن ماجه وذكر بعض الحفاظ أن الصواب التصغير ، قالوا : والحكمة في الإبداء والمجافاة أن يظهر كل عضو بنفسه فلا تعتمد الأعضاء بعضها على بعض وهذا ضد ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض ; لأن المقصود هناك الاتحاد بين المصلين حتى كأنهم جسد واحد ولأنه في الصلاة أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض وأبعد من هيئات الكسالى فإن المنبسط يشبه الكلب ويشعر بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها ( قوله ووجه أصابع رجليه نحو القبلة ) لحديث أبي حميد في صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام { كان إذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة } ونص صاحب الهداية في التجنيس على أنه إن لم يوجه الأصابع نحوها فإنه مكروه ، ثم الظاهر المراد بقوله صلى الله عليه وسلم { ولا قابضهما } أنه ناشر أصابعه عن باطن كفيه بدليل ما في صحيح ابن حبان عن وائل بن حجر { أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد ضم أصابعه فنشر أصابعه من الطي ضاما بعضها إلى بعض } ومن هنا نص مشايخنا على أنه يضم أصابعه كل الضم في السجود .

قيل والحكمة فيه أن الرحمة تنزل عليه في السجود فبالضم ينال أكثر ( قوله وسبح فيه ثلاثا ) أي في السجود ، وقد قدمناه في تسبيحات الركوع ( قوله والمرأة تنخفض وتلزق بطنها بفخذيها ) لأنه أستر لها فإنها عورة مستورة ويدل عليه ما رواه أبو داود في مراسيله { أنه عليه الصلاة والسلام مر على امرأتين تصليان فقال إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل } وذكر الشارح أن المرأة تخالف الرجل في عشر خصال ترفع يديها إلى منكبيها وتضع يمينها على شمالها تحت ثدييها ولا تجافي بطنها عن فخذيها وتضع يديها على فخذيها تبلغ رءوس أصابعها ركبتيها ولا تفتح إبطيها في السجود وتجلس متوركة ولا تفرج أصابعها في الركوع ولا تؤم الرجال وتكره جماعتهن وتقوم الإمام وسطهن ا هـ .

ويزاد على العشر أنها لا تنصب أصابع القدمين كما ذكره في المجتبى ولا يستحب في حقها الإسفار بالفجر كما قدمناه في محله ولا يستحب في حقها الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية بل قدمناه في شروط الصلاة أنه لو قيل بالفساد إذا جهرت لأمكن على القول بأن صوتها عورة والتتبع يقتضي أكثر من هذا فالأحسن عدم الحصر .

[ ص: 335 ]

التالي السابق


[ ص: 335 ] ( قوله فخرج الخد والذقن إلخ ) تقدم ما فيه عند ذكر الفرائض ( قوله فعنده يجوز مطلقا إلخ ) قال في الشرنبلالية هذا قول أبي حنيفة أولا ، والأصح رجوعه إلى قولهما بعدم جواز الاقتصار في السجود على الأنف بلا عذر في الجبهة كما في البرهان ا هـ .

وفي شرح الشيخ إسماعيل ، ثم في الهداية : أن قولهما رواية عن أبي حنيفة ، وفي المجمع : وروي عنه قولهما وعليه الفتوى ، وفي الحقائق وروي عنه مثل قولهما ، قال في العيون : وعليه الفتوى ، وفي درر البحار : والفتوى رجوعه إلى قولهما لأنه المتعارف والمتبادر إلى الفهم ا هـ .

وفي شرح الملتقى للحصكفي : وعليه الفتوى كما في المجمع وشروحه والوقاية وشروحها والجوهرة وصدر الشريعة والعيون ( قوله وأشار بيده إلى أنفه ) قال في فتح القدير رواية " وأشار بيده إلى أنفه " غير ضائرة فإن العبرة للفظ الصريح والإشارة إلى الجبهة تقع بتقريب اليد إلى جهة الأنف للتقارب ( وقوله لم يوافقه دراية إلخ ) أما الأول فمسلم ، وأما الثاني فلا لما علمت مما مر على أنه قد يمنع الأول بناء على ما قدمناه في الفصل السابق بأن يراد بالسجود في الآية السجود الشرعي فيكون مجملا بينته السنة ومجمل الكتاب إذا بينته السنة يكون المبين ثابتا بالكتاب ويؤيده أن السجود اللغوي أيضا مجمل لتعدد معانيه كما مر فتدبر ( قوله هذا لو حمل قولهما لا يجوز إلخ ) قال الشيخ إسماعيل فيه نظر لأن كتب المذهب مشحونة [ ص: 336 ] بنصب الخلاف في هذه المسألة بينه وبينهما ، وهو يبعد الحمل على الاتفاق بما ذكر بمراحل كما يظهر للمتتبع ، كيف ولفظ المبسوط وإن سجد على الأنف دون الجبهة جاز عند أبي حنيفة رحمه الله ويكره ولم يجز عند أبي يوسف ومحمد رحمه الله ، وهو رواية ابن عمر وعن أبي حنيفة . ا هـ .

( قوله فالقول بعدم الكراهة ضعيف ) أي عدم كراهة ترك السجود على الأنف ، قال في النهر : لو حملت الكراهة في رأي من أثبتها على التنزيه ومن نفاها على التحريمية لارتفع التنافي ، وعبارته في السراج : المستحب أن يضعهما ا هـ .

لكن قال الشيخ إسماعيل : وفي غرر الأذكار أن الاقتصار على الجبهة يجوز بلا كراهة ، وإن لم يكن على الأنف عذر اتفاقا ، وكذلك في مجموع المسائل وأنه به يفتى ، وفي الاختيار وإن اقتصر على جبهته جاز بالإجماع ولا إساءة بعد أن قال فإن اقتصر على الأنف جاز وقد أساء ، وقالا لا يجوز إلا من عذر ا هـ كلامه ، فليتأمل .

ويبعد ما قاله في النهر قول المتن وكره على أحدهما فإنه لا يصح حمله على التنزيهية نظرا إلى ترك السجود على الجبهة لكن سيأتي حمل الكراهة على طلب الكف طلبا غير جازم ( قوله وخرج أيضا بقولنا " مما لا سخرية فيه " ما إذا رفع قدميه إلخ ) مقتضاه أن وضع القدمين من ماهية السجود ، وظاهر كلام المصنف عدمه حيث اقتصر على بيانه بالجبهة أو الأنف وإذا كان من ماهية السجود فهو فرض ، وهو ما ذكره القدوري وسيأتي تضعيفه وعلى أن ما علل به يجري في اليدين والركبتين فما وجه الاقتصار على القدمين ؟ وفي العناية ذكر الإمام التمرتاشي أن اليدين والقدمين سواء في عدم الفرضية ، وهو الذي يدل عليه كلام الشيخ الإسلام في مبسوطه ، وهو الحق ا هـ .

قال الشيخ إسماعيل بعد ذكر صاحب الدرر ذلك لأن السجود لا ينبئ عن ذلك كما في المصفى ولما سبق من أن المأمور به السجود على الوجه ، وهو بكله متعذر فكان المراد بعضه وأن الزيادة على النص بخبر الواحد لا تجوز ، وإن صرح بأن الفتوى على مقابله كما مر بسطه ، ثم أنه يمكن أن يوفق هاهنا بين هذا وما سبق آنفا من عدم الجواز بأن عدم الفرضية لا ينفي الوجوب ، وأن المراد من الجواز الحل ا هـ .

لكن العلامة إبراهيم الحلبي قد رد ما قاله في العناية وحقق فرضية القدمين أو أحدهما تبعا للمنية ، وأن المراد بوضع القدم وضع أصابعه موجهة إلى القبلة فراجعه متأملا ، وانظره مع قوله في مكروهات الصلاة : أن يحرف أصابع يديه أو رجليه عن القبلة في السجود لترك السنة ( قوله ولا دليل عليه إلخ ) قد يمنع بما قدمناه من ثبوت الإجمال في الآية مع بيان السنة لها ( قوله وفي المجتبى إلى قوله كما لا يخفى ) قال الرملي هذا الحمل ليس بجيد لأن الطرف كما في القاموس منتهى كل شيء كذا ذكره مولانا شيخ الإسلام الشيخ محمد الغزي التمرتاشي قال فيحمل على اختلاف القولين ، وأقول : الذي في القاموس والطرف محركا الناحية والطائفة من الشيء [ ص: 337 ] ومثله في مختار الصحاح وغيرهما من كتب اللغة فإذا كان الطرف بالمعنى المذكور فالحمل حجة والتوفيق ممكن لا بعد فيه إذ مثله وقع كثيرا في كلامهم [ ص: 338 ] ( قوله والجاورس ) قال الرملي بجيم مفتوحة بعدها ألف وواو مفتوحة وراء ساكنة قيل هو الدخن وقيل هو ضرب من الشعير صغار الحب ليس له قشر ينبت بالغرب وبلاد الهند كذا في شرح المهذب للشافعية .

( قوله فدل على تضعيفه إلخ ) قال في النهر وفي المعراج وضع جميع أطراف الجبهة ليس بشرط بالإجماع فإذا اقتصر على بعض الجبهة جاز وإن قل ، كذا ذكر أبو جعفر ( قوله وقيد بكون الحائل تبعا ) أي حيث ذكر كور العمامة مما هو ليس بعضا من الساجد ( قوله من غير خلاف يعلم ) يرد عليه ما نقله في إمداد الفتاح حيث قال : قال في الدراية ذكر البزدوي لو سجد على إحدى ركبتيه أو يديه أو كميه جاز خلافا للشافعي رحمه الله ، وقال الحسن الأصح أنه إذا سجد على فخذيه أو ركبتيه بعذر جاز وإلا فلا ( قوله وكأن عدم الخلاف فيه إلخ ) قال في النهر إن عنى بالواجب الفرض نافى ما اختاره من أنه يوجد بوضع وإن قل ، وإن عنى به ما هو المصطلح عليه اقتضى أنه يصح ، وغير خاف أن هذه المسألة مؤيدة بما مر عن نصير ا هـ هذا وما ذكره صاحب البحر هنا مأخوذ من الفتح فلو عزاه إليه لتخلص من ربقة الإشكال .

( قوله : وذكر في المحيط أن فيه لغتين إلخ ) قال الرملي ظاهر ما في القاموس أنه في العضد بالسكون لا غير وفي الحيوان به وبالضم والله تعالى أعلم ( قول المصنف وجافى [ ص: 339 ] بطنه إلخ ) قال الفاضل البرجندي فلعله أي صاحب الكافي أراد بعدم المجافاة عدم إبداء الضبعين ا هـ .

قال نوح أفندي أقول : هذه الإرادة غير ظاهرة فلا تدفع الإيراد ، وقال في النهر إن بينهما تلازما عاديا قال نوح أفندي أقول : دعوى الملازمة بينهما ممنوعة كما لا يخفى ( قوله لحديث مسلم كان { إذا سجد جافى بين يديه } ) الذي في الهداية وفتح القدير بدون زيادة بين يديه ( قول المصنف ووجه أصابع رجليه نحو القبلة ) قال الرملي أي في سجوده ، وهو سنة كما عده في زاد الفقير أيضا ، وهو ظاهر ما سيأتي عن التجنيس ، وفي شرح الشيخ إسماعيل توجيه الأصابع كذلك سنة كما في البرجندي ، ويوافقه ما في التجنيس من أنه إن لم يوجه يكره وعبارة الحاوي في سنن السجود : وتوجيه أصابع اليدين وأنامل الرجلين إلى القبلة ا هـ .

وفي القهستاني انحراف أصابعهما عن القبلة مكروه كما في خزانة المفتين فتوجيهها نحوها سنة كما في الجلابي ا هـ .

أقول : وصرح بالسنية في الضياء أيضا وبه علم أن ما مر من الخلاف في أن وضع القدمين أو أحدهما في السجود فرض أو سنة إنما هو في أصل الوضع لا في توجيه الأصابع نحو القبلة فإنه سنة قولا واحدا عندنا ويؤيده أن المحقق ابن الهمام قال في كتابه زاد الفقير ومنها أي من أركان الصلاة : السجود ويكفي فيه وضع جبهته باتفاق ، وكذا الأنف عنده ، ثم قال في سنن الصلاة ومنها : توجيه أصابع رجليه إلى القبلة ووضع الركبتين ، واختلف في القدمين ا هـ .

فانظر حيث جعل الخلاف في القدمين أي في وضعهما دون توجيه الأصابع ، فهذا صريح فيما قلنا ، وكذا اختار المحقق ابن أمير حاج كون وضع القدمين واجبا ، ثم ذكر هنا من سنن السجود توجيه الأصابع نحو القبلة ، ثم ساق حديث البخاري المذكور هنا فهذا صريح فيما قلناه أيضا فاغتنم هذه الفائدة الجليلة فإني لم أر من نبه عليها والحمد لله رب العالمين .

( قوله وتضع يديها على فخذيها إلخ ) أي قولا واحدا بخلاف الرجل كما سيأتي وحمله في إمداد الفتاح على أن الرجل يضع يديه على ركبتيه قال [ ص: 340 ] والصحيح أنهما سواء يضعان على الفخذ كما سنذكره



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث