الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة

استئناف بياني ناشئ عما تضمنته جملة يحسب أن ماله أخلده من التهكم والإنكار ، وما أفاده حرف الزجر من معنى التوعد .

والمعنى : ليهلكن فلينبذن في الحطمة .

واللام جواب قسم محذوف . والضمير عائد إلى الهمزة .

[ ص: 540 ] والنبذ : الإلقاء والطرح ، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره . قال صاحب الكشاف في قوله تعالى : فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم شبههم استحقارا لهم بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن اهـ .

والحطمة : صفة بوزن فعلة ، مثل ما تقدم في الهمزة ، أي : لينبذن في شيء يحطمه ، أي : يكسره ويدقه .

والظاهر أن اللام لتعريف العهد ; لأنه اعتبر الوصف علما بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم ، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن ، وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار .

فجملة وما أدراك ما الحطمة في موضع حال من قوله ( الحطمة ) والرابط إعادة لفظ الحطمة ، وذلك إظهار في مقام الإضمار للتهويل ، كقوله : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وما فيها من الاستفهام ، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة ، وقد تقدم ما أدراك غير مرة منها عند قوله : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار .

وجملة نار الله الموقدة جواب على جملة وما أدراك ما الحطمة مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي ، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني ، والتقدير هي ، أي : الحطمة نار الله ، فحذف المبتدأ من الجملة جريا على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له ، وقد تقدم عند قوله تعالى : صم بكم عمي في سورة البقرة .

وإضافة ( نار ) إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة .

ووصف ( نار ) بـ ( موقدة ) وهو اسم مفعول من : أوقد النار ، إذا أشعلها وألهبها . والتوقد : ابتداء التهاب النار ، فإذا صارت جمرا فقد خف لهبها ، أو زال ، فوصف ( نار ) بـ ( موقدة ) يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها . وهذا كما وصفت نار الأخدود بذات الوقود ، ( بفتح الواو ) في سورة البروج ، أي : النار التي يجدد اتقادها بوقود وهو الحطب الذي يلقى في النار لتتقد ، فليس الوصف بالموقدة هنا تأكيدا .

[ ص: 541 ] ووصفت نار الله وصفا ثانيا بـ التي تطلع على الأفئدة .

والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع ، أي : الإتيان السريع بقوة واستيلاء ، فالمعنى : التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد .

وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى : فاطلع فرآه في سواء الجحيم فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر ، فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده ، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مقدره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث