الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المجن ومن يتترس بترس صاحبه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2904 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، عن عمر - رضي الله عنه - قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، وكان ينفق على أهله نفقة سنته ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع ، عدة في سبيل الله .

ذكر فيه ثلاثة أحاديث .

أحدها : حديث أنس : كان أبو طلحة يتترس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بترس واحد ، وكان أبو طلحة حسن الرمي ، فكان إذا رمى تشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - فينظر إلى موضع نبله .

ثانيها : حديث سهل : لما كسرت رباعيته ، وكان علي يختلف بالماء في المجن ، وكانت فاطمة تغسله ، فلما رأت الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير ، فأحرقتها وألصقتها على جرحه ، فرقأ الدم .

[ ص: 623 ] ثالثها : حديث عمر : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، وكان ينفق على أهله نفقة سنته ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله .

الشرح :

حديث أنس من أفراده .

ومعنى : (يتترس مع رسول الله بترس واحد ) قيل : يريد لأن الرامي لا يمسك الترس إنما يرمي بيديه جميعا ، فيستره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لئلا يرمى وكان حسن الرمي وانكسر في يده قوسان أو ثلاثة ، وفي رواية : أنه كان يقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تشرف فيصيبك العدو ، نحري دون نحرك .

وفي حديث سهل ما أصيب سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد مما ذكر من كسر البيضة والرباعية ، وهي السن التي بين الثنية والناب ، وإدماء وجهه ، أدماه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد ، ورماه ابن قمئة ، وقال : خذها وأنا ابن قمئة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أقمأك الله في النار " فدخل بعد ذلك صبرة غنم فنطحه تيس منها ، وواراه فلم يوجد له مكان ، وأراد أبي بن خلف أن يرميه ، فأراد طلحة أن يحول بينه وبينه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم : "كما أنت " ، ورمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبيا فأصابه تحت سابغة الدرع في نحره فمات من يومه .

وقوله : (فرقأ الدم ) وهو مهموز أي : أمسك عن الجري .

[ ص: 624 ] قال صاحب "الأفعال " : يقال : رقأ الدم والدمع رقوءا : سكن بعد جريه .

وقوله : (مما لم يوجف ) يقال : وجف البعير يجف وجفا ووجيفا ، وهو ضرب من سيره ، وأوجفه صاحبه إذا سار به ذلك السير ، قال ابن فارس : أوجف أعنق في السير ، وقال نحوه الهروي ، ووجيفها سرعتها في سيرها ، وأوجفها راكبها ، وكانت غزوة بني النضير في سنة أربع ، وقال ابن شهاب : سنة ثلاث .

و (الكراع ) : اسم لجميع الخيل .

وفيه : -كما قال المهلب - ركوب شيء من (الغرر ) للإمام لحرصه على معاينة مكان العدو ، وإن كان احتراس الإمام خطيرا ، أو ليس كسائر الناس في ذلك بل هو آكد .

وفيه : اختفاء السلطان عند اصطفاف القتال لئلا يعرف مكانه .

وفيه : امتحان الأنبياء وابتلاؤهم (كما سلف ) ليعظم بذلك أجرهم ، ويكون أسوة بمن ناله جرح وألم من أصحابه فلا يجدون في أنفسهم مما نالهم غضاضة ، ولا يجد الشيطان السبيل إليهم بأن يقول لهم : تقتلون أنفسكم ، وتحملون الآلام في صون هذا ، فإذا أصابه ما أصابهم فقدت هذه المكيدة من اللعين ، وتأسى الناس به ، وجدوا في مساواتهم له في جميع أحواله .

[ ص: 625 ] وفيه : خدمة الإمام ، وبذل (السلاح ) فيما يضرها إذا كان في ذلك منفعة لخطير من الناس .

وفيه : دليل أن ترسهم كانت متقعرة ولم تكن منبسطة ، فلذلك كان يمكن حمل الماء فيها .

وفيه : أن النساء ألطف بمعالجة الرجال الجرحى .

[ ص: 626 ] -

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث