الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

في ذكر رسوم وحدود قيلت في المحبة ، بحسب آثارها وشواهدها . والكلام على ما يحتاج إليه منها .

الأول ، قيل : المحبة الميل الدائم ، بالقلب الهائم .

وهذا الحد لا تمييز فيه بين المحبة الخاصة والمشتركة ، والصحيحة والمعلولة .

الثاني : إيثار المحبوب ، على جميع المصحوب .

وهذا حكم من أحكام المحبة وأثر من آثارها .

الثالث : موافقة الحبيب ، في المشهد والمغيب .

وهذا أيضا موجبها ومقتضاها . وهو أكمل من الحدين قبله . فإنه يتناول المحبة الصادقة الصحيحة خاصة ، بخلاف مجرد الميل والإيثار بالإرادة . فإنه إن لم تصحبه موافقة فمحبته معلولة .

الرابع : محو الحب لصفاته . وإثبات المحبوب لذاته .

وهذا أيضا من أحكام الفناء في المحبة : أن تنمحي صفات المحب ، وتفنى في صفات محبوبه وذاته . وهذا يستدعي بيانا أتم من هذا ، لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه ، وأخذه منه .

الخامس : مواطأة القلب لمرادات المحبوب .

وهذا أيضا من موجباتها وأحكامها . والمواطأة الموافقة لمرادات المحبوب وأوامره ومراضيه .

السادس : خوف ترك الحرمة ، مع إقامة الخدمة .

وهذا أيضا من أعلامها وشواهدها وآثارها : أن يقوم بالخدمة كما ينبغي ، مع خوفه من ترك الحرمة والتعظيم .

السابع : استقلال الكثير من نفسك ، واستكثار القليل من حبيبك .

وهذا قول أبي يزيد ، وهو أيضا من أحكامها وموجباتها وشواهدها . والمحب [ ص: 14 ] الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيى منه ، ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه .

الثامن : استكثار القليل من جنايتك ، واستقلال الكثير من طاعتك . وهو قريب من الذي قبله ، لكنه مخصوص بما من المحب .

التاسع : معانقة الطاعة ، ومباينة المخالفة .

وهو لسهل بن عبد الله . وهو أيضا حكم المحبة وموجبها .

العاشر : دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب . وهو للجنيد .

وفيه غموض . ومراده : أن استيلاء ذكر المحبوب وصفاته وأسمائه على قلب المحب حتى لا يكون الغالب عليه إلا ذلك ، ولا يكون شعوره وإحساسه في الغالب إلا بها . فيصير شعوره وإحساسه بدلا من شعوره وإحساسه بصفات نفسه ، وقد يحتمل معنى أشرف من هذا : تبدل صفات المحب الذميمة - التي لا توافق صفات المحبوب - بالصفات الجميلة المحبوبة التي توافق صفاته . والله أعلم .

الحادي عشر : أن تهب كلك لمن أحببت . فلا يبقى لك منك شيء .

وهو لأبي عبد الله القرشي . وهو أيضا من موجبات المحبة وأحكامها . والمراد : أن تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه وتجعلها حبسا في مرضاته ومحابه . فلا تأخذ لنفسك منها إلا ما أعطاك . فتأخذه منه له .

الثاني عشر : أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب . وهو للشبلي ، وكمال المحبة يقتضي ذلك . فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة .

الثالث عشر : إقامة العتاب على الدوام . وهو لابن عطاء . وفيه غموض .

ومراده : أن لا تزال عاتبا على نفسك في مرضاة المحبوب . وأن لا ترضى له فيها عملا ولا حالا .

الرابع عشر : أن تغار على المحبوب : أن يحبه مثلك . وهو للشبلي أيضا .

وفيه كلام سنذكره إن شاء الله في منزلة الغيرة ، ومراده : احتقارك لنفسك واستصغارها : أن يكون مثلك من محبيه .

[ ص: 15 ] الخامس عشر : إرادة غرست أغصانها في القلب . فأثمرت الموافقة والطاعة .

السادس عشر : أن ينسى المحب حظه في محبوبه ، وينسى حوائجه إليه . وهو لأبي يعقوب السوسي . ومراده : أن استيلاء سلطانها على قلبه غيبه عن حظوظه وعن حوائجه . واندرجت كلها في حكم المحبة .

السابع عشر : مجانبة السلو على كل حال . وهو للنصراباذي . وهو أيضا من لوازمها وثمراتها ، كما قيل :


مرت بأرجاء الخيال طيوفه فبكت على رسم السلو الدارس

.

الثامن عشر : توحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب .

التاسع عشر : سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب . وهو لمحمد بن الفضل . ومراده : توحيد المحبوب بالمحبة .

العشرون : غض طرف القلب عما سوى المحبوب غيرة . وعن المحبوب هيبة . وهذا يحتاج إلى تبيين .

أما الأول : فظاهر . وأما الثاني : فإن غض طرف القلب عن المحبوب - مع كمال محبته - كالمستحيل . ولكن عند استيلاء الهيبة يقع مثل هذا . وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم . وقد قيل : إن هذا تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حبك الشيء يعمي ويصم أي يعمي عما سواه غيرة ، وعنه هيبة .

[ ص: 16 ] وليس هذا مراد الحديث ، ولكن المراد به : أن حبك للشيء يعمي ويصم عن تأمل قبائحه ومساويه . فلا تراها ولا تسمعها ، وإن كانت فيه . وليس المراد به : ذكر المحبة المطلوبة المتعلقة بالرب . ولا يقال في حب الرب تبارك وتعالى : حبك الشيء . ولا يوصف صاحبها بالعمى والصم .

ونحن لا ننكر المرتبتين المذكورتين . فإن المحب قد يعمى ويصم عنه بالهيبة والإجلال ، ولكن لا توصف محبة العبد لربه تعالى بذلك . وليس أهلها من أهل العمى والصمم . بل هم أهل الأسماع والأبصار على الحقيقة ومن سواهم هم البكم العمي الصم الذين لا يعقلون .

الحادي والعشرون : ميلك للشيء بكليتك . ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك . ثم موافقتك له سرا وجهرا . ثم علمك بتقصيرك في حبه .

قال الجنيد : سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك .

الثاني والعشرون : المحبة نار في القلب ، تحرق ما سوى مراد المحبوب .

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول : لمت بعض الإباحية ، فقال لي ذلك . ثم قال : والكون كله مراده ، فأي شيء أبغض منه ؟

قال الشيخ : فقلت له : إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالا وأقوالا وأقواما وعاداهم فطردهم ولعنهم فأحببتهم : تكون مواليا للمحبوب أو معاديا له ؟ قال : فكأنما ألقم حجرا . وافتضح بين أصحابه . وكان مقدما فيهم مشارا إليه .

وهذا الحد صحيح : وقائله إنما أراد : أنها تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري ، الذي يحبه ويرضاه ، لا المراد الذي قدره وقضاه . لكن لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم : وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتحاد ، والمعصوم من عصمه الله .

الثالث والعشرون : المحبة بذل المجهود ، وترك الاعتراض على المحبوب . [ ص: 17 ] وهذا أيضا من حقوقها وثمراتها . وموجباتها .

الرابع والعشرون : سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه . ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف ، وأنشد :


فأسكر القوم دور الكأس بينهم     لكن سكري نشا من رؤية الساقي

.

وينبغي صون المحبة والحبيب عن هذه الألفاظ ، التي غاية صاحبها : أن يعذر بصدقه وغلبة الوارد عليه ، وقهره له . فمحبة الله أعلى وأجل من أن تضرب لها هذه الأمثال ، وتجعل عرضة للأفواه المتلوثة ، والألفاظ المبتدعة ، ولكن الصادق في خفارة صدقه .

الخامس والعشرون : أن لا يؤثر على المحبوب غيره ، وأن لا يتولى أمورك غيره .

السادس والعشرون : الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته ، والحرية من استرقاق ما سواه .

السابع والعشرون : المحبة سفر القلب في طلب المحبوب ، ولهج اللسان بذكره على الدوام .

قلت : أما سفر القلب في طلب المحبوب : فهو الشوق إلى لقائه ، وأما لهج اللسان بذكره : فلا ريب أن من أحب شيئا أكثر من ذكره .

الثامن والعشرون : أن المحبة هي ما لا ينقص بالجفاء . ولا تزيد بالبر . وهو ليحيى بن معاذ ، بل الإرادة والطلب والشوق إلى المحبوب لذاته ، فلا ينقص ذلك جفاؤه . ولا يزيده بره .

وفي ذلك ما فيه . فإن المحبة الذاتية تزيد بالبر . ولا تنقصها زيادتها بالبر . وليس ذلك بعلة ، ولكن مراد يحيى : أن القلب قد امتلأ بالمحبة الذاتية . فإذا جاء البر من محبوبه . لم يجد في القلب مكانا خاليا من حبه يشغله محبة البر . بل تلك المحبة قد استحقت عليه بالذات بلا سبب . ومع هذا فلا يزيل الوهم . فإن المحبة لا نهاية لها . وكلما قويت المعرفة والبر قويت المحبة . ولا نهاية لجمال المحبوب ولا بره . فلا نهاية لمحبته ، بل لو اجتمعت محبة الخلق كلهم وكانت على قلب رجل واحد منهم : كان ذلك دون ما يستحقه الرب جل جلاله . ولهذا لا تسمى محبة العبد لربه عشقا - كما سيأتي - لأنه إفراط المحبة ، والعبد لا يصل في محبة الله إلى حد الإفراط ، ألبتة . والله أعلم .

[ ص: 18 ] التاسع والعشرون : المحبة أن يكون كلك بالمحبوب مشغولا ، وذلك له مبذولا .

الثلاثون : وهو من أجمع ما قيل فيها ، قال أبو بكر الكتاني : جرت مسألة في المحبة بمكة - أعزها الله تعالى - أيام الموسم ، فتكلم الشيوخ فيها . وكان الجنيد أصغرهم سنا . فقالوا : هات ما عندك يا عراقي . فأطرق رأسه ، ودمعت عيناه . ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرقت قلبه أنوار هيبته . وصفا شربه من كأس وده . وانكشف له الجبار من أستار غيبه . فإن تكلم فبالله . وإن نطق فعن الله . وإن تحرك فبأمر الله . وإن سكن فمع الله . فهو بالله ولله ومع الله .

فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا مزيد . جزاك الله يا تاج العارفين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث