الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا تجزئ صلاة أحد من الرجال يسمع الأذان إلا في المسجد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

: حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج أنا حرملة بن يحيى أنا ابن وهب أنا يونس هو ابن يزيد - عن ابن شهاب أنا سالم بن عبد الله بن عمر أن أباه عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها } .

فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن ، فأقبل عليه عبد الله بن عمر فسبه سبا سيئا ، ما سمعته سبه مثله قط قال : أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن

وبه إلى مسلم : حدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب كلاهما عن سفيان بن عيينة عن الزهري سمع سالم بن عبد الله بن عمر يحدث عن أبيه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا [ ص: 113 ] استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها } .

وبه إلى مسلم : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبي ، وعبد الله بن إدريس قالا : ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله } .

وبه إلى مسلم : حدثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل } .

وبه إلى مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان ثنا بكير بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن زينب امرأة ابن مسعود قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا } .

حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن وضاح ثنا حامد هو ابن يحيى البلخي - ثنا سفيان هو ابن عيينة - عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولا يخرجن إلا وهن تفلات } .

قال علي : وهذا نفس قولنا ، فإذا خرجن متزينات أو متطيبات فهن عاصيات لله تعالى ، خارجات بخلاف ما أمرن ، فلا يحل إرسالهن حينئذ أصلا .

والآثار في حضور النساء صلاة الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة في غاية [ ص: 114 ] الصحة ، لا ينكر ذلك إلا جاهل - : كحديث عائشة أم المؤمنين { إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس } .

وحديث أبي حازم عن سهل بن سعد : { لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائل : يا معشر النساء ، لا ترفعن رءوسكن حتى يرفع الرجال } .

وقوله عليه السلام : { إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي خشية أن تفتن أمه } .

والخبر الذي رويناه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة ثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { خير صفوف الرجال المقدم ، وشرها المؤخر وشر صفوف النساء المقدم ، وخيرها المؤخر ، ثم قال : يا معشر النساء ، إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن ، لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر } وحديث أيوب عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لو تركنا هذا الباب للنساء } فما دخل من ذلك الباب ابن عمر حتى مات .

وأن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء

وحديث أسماء في صلاة الكسوف ، وأنها صلت في المسجد مع النساء خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فما كان عليه السلام ليدعهن يتكلفن الخروج في الليل والغلس يحملن صغارهن ويفرد لهن بابا ويأمر بخروج الأبكار وغير الأبكار ومن لا جلباب لها فتستعير جلبابا إلى المصلى ، فيتركهن يتكلفن من ذلك ما يحط أجورهن ، ويكون الفضل لهن في تركه ، هذا لا يظنه بناصح للمسلمين إلا عديم عقل ، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ الذي أخبر تعالى أنه { عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم }

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن [ ص: 115 ] محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا جرير هو ابن عبد الحميد - عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة : أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص قال : - اجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم } ؟ قال علي : واحتج من خالف الحق في هذا بخبر موضوع عن عبد الحميد بن المنذر الأنصاري عن عمته أو جدته أم حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك معي } ؟ قال علي : عبد الحميد بن المنذر مجهول لا يدريه أحد .

وذكروا أيضا - ما رويناه عن عائشة رضي الله عنها من قولها : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من الخروج كما منعه نساء بني إسرائيل ؟ وهذا لا حجة فيه لوجوه ثمانية - : أولها : أن الله تعالى باعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق موجب دينه إلى يوم القيامة الموحي إليه بأن لا يمنع النساء - حرائرهن وإماءهن ، ذوات الأزواج وغيرهن - من المساجد ليلا ونهارا - قد علم ما يحدث النساء ، فلم يحدث تعالى لذلك منعا لهن ، ولا قال له : إذا أحدثن فامنعوهن ؟ والثاني : أنه عليه السلام ، لو صح أنه لو أدرك أحداثهن لمنعهن - لما كان ذلك مبيحا منعهن ، لأنه عليه السلام لم يدرك فلم يمنع ، فلا يحل المنع ، إذ لم يأمر به عليه السلام والثالث : أن من الكبائر نسخ شريعة مات عليه السلام ولم ينسخها ، بل هو كفر مجرد والرابع : أنه لا حجة في قول أحد بعده عليه السلام ؟ والخامس : أن عائشة رضي الله عنها لم تقل : إن منعهن لكم مباح ، بل منعت منه وإنما أخبرت ظنا منها بأمر لم يكن ولا تم ، فهم مخالفون لها في ذلك ؟ والسادس : أنه لا حدث منهن أعظم من الزنى ، وقد كان فيهن على عهد رسول [ ص: 116 ] الله صلى الله عليه وسلم ، وقد نهاهن الله تعالى : عن التبرج ، وأن يضربن بأرجلهن { ليعلم ما يخفين من زينتهن } ، وأنذر عليه السلام بنساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت لا يرحن رائحة الجنة ، وعلم أنهن سيكن بعده ، فما منعهن من أجل ذلك ؟ والسابع : أنه لا يحل عقاب من لم يحدث من أجل من أحدث ، فمن الباطل أن يمنع من لم يحدث من أجل من أحدث ، والله تعالى يقول : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } . والثامن :

أنهم لا يختلفون في أنه لا يحل منعهن من التزاور ، ومن الصفق في الأسواق ، والخروج في حاجاتهن ، وليس في الضلال والباطل أكثر من إطلاقهن على كل ذلك وقد أحدث منهن من أحدث ، وتخص صلاتهن في المسجد الذي هو أفضل الأعمال بعد التوحيد بالمنع ، حاشا لله من هذا ، وما ندري كيف ينطلق لسان من يعقل بالاحتجاج بمثل هذا في خلاف السنن الثابتة المتواترة . قال علي : والصحيح من هذا - هو ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن المثنى أن عمرو بن عاصم الكلابي حدثهم قال : ثنا همام هو ابن يحيى - عن قتادة عن مورق العجلي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مسجدها أفضل من صلاتها في بيتها } .

وروينا هذا الخبر بلفظ آخر كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن قاسم ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا همام عن قتادة عن مورق العجلي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إنما المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان ، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها } قال علي : هكذا بذكر المخدع ليس فيه للمسجد ذكر أصلا ، ثم لو صح فيه أن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجدها - وهذا لا يوجد أبدا من طريق فيها [ ص: 117 ] خير - لما كانت فيه حجة ، لأنه كان يكون منسوخا بلا شك ، بما ذكرنا من تركه عليه السلام لهن يتكلفن التكلف في الغبش ، راغبات في الصلاة في الجماعة معه إلى أن مات عليه السلام ، فهذا آخر الأمر بلا شك ؟ قال علي : مسجدها ههنا هو مسجد محلتها ومسجد قومها ، ولا يجوز أن يظن أنه مسجد بيتها ، إذ لو كان ذلك لكان عليه السلام قائلا : صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في بيتك ، وهذه لكنة وعي ، حرام أن ينسبا إليه عليه السلام وبقولنا : قال الأئمة - : روينا عن معمر عن الزهري : أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت تحت عمر بن الخطاب ، وكانت تشهد الصلاة في المسجد ، فكان عمر يقول لها : والله إنك لتعلمين ما أحب هذا ، فقالت : والله لا أنتهي حتى تنهاني ، فقال عمر : فإني لا أنهاك - قال : فلقد طعن عمر يومئذ وإنها لفي المسجد .

قال علي : ولو رأى عمر صلاتها في بيتها أفضل لكان أقل أحواله أن يجبرها بذلك ويقول لها : إنك تدعين الأفضل وتختارين الأدنى ، لا سيما مع أني لا أحب لك ذلك ، فما فعل ، بل اقتصر على إخبارها بهواه الذي لا يقدر على صرفه ، ومن الباطل أن تختار - وهي صاحبة ، ويدعها هو - أن تتكلف إسخاط زوجها فيما غيره أفضل منه ؟ فصح أنهما رأيا الفضل العظيم الذي يسقط فيه موافقة رضا الزوج ، وأمير المؤمنين ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجها إلى المسجد في الغلس وغيره ، وهذا في غاية الوضوح لمن عقل ؟ وروينا من طريق هشام بن عروة : أن عمر بن الخطاب أمر سليمان بن أبي حثمة أن يؤم النساء في مؤخر المسجد في شهر رمضان .

ومن طريق عرفجة : أن علي بن أبي طالب كان يأمر الناس بالقيام في رمضان ، فيجعل للرجال إماما ، وللنساء إماما ، قال عرفجة : فأمرني فأممت النساء مع ما ذكرنا من شدة غضب ابن عمر على ابنه إذ قال : إنه يمنع النساء من الخروج إلى الصلاة ؟ [ ص: 118 ] فهؤلاء أئمة المسلمين بحضرة الصحابة ، ثم على هذا عمل المسلمين في أقطار الأرض جيلا بعد جيل - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث