الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله

أفمن اتبع رضوان الله أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه كمن باء أي رجع بسخط أي غضب عظيم جدا وهو بفتحتين مصدر قياسي ويقال : بضم فسكون وهو غير مقيس ، والجار متعلق بالفعل قبله ، وجوز أن يكون حالا فيتعلق بمحذوف أي رجع مصاحبا لسخط .

من الله أي كائن منه تعالى .

وفي المراد من الآية أقوال : أحدها أن المعنى أفمن اتبع رضوان الله تعالى في العمل بالطاعة كمن باء بسخط منه سبحانه في العمل بالمعصية ، وهو المروي عن ابن إسحاق . ثانيها : أن معناه أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كالنبي ومن يسير بسيرته كمن باء بسخط من الله تعالى بفعل الغلول وروي ذلك عن الحسن والضحاك ، واختاره الطبري لأنه أوفق بالمقام . ثالثها : أن المراد أفمن اتبع رضوان الله تعالى بالجهاد في سبيله كمن باء بسخط منه جل جلاله في الفرار عنه ، ونقل ذلك عن الجبائي والزجاج ، وقيل : وهو المطابق لما حكي في سبب النزول أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين واتبعه المؤمنون ، فأنزل الله تعالى هذه الآية - وفيه بعد - وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لما مر غير مرة .

ومأواه جهنم أي مصيره ذلك ، وفي الجملة احتمالان : الأول : أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان حال من باء بسخط ، ويفهم من مقابله أن من اتبع الرضوان كان مأواه الجنة ، ولم يذكر ذلك ليكون أبلغ في الزجر ، وقيل : لم يذكر مع الرضوان الجنة لأن رضوان الله تعالى أكبر وهو مستلزم لكل نعيم ، وكون السخط مستلزما لكل عقاب فيقتضي أن تذكر معه جهنم في حيز المنع لسبق الجمال الجلال فافهم ، والثاني : أنها داخلة في حيز الموصول [ ص: 112 ] فتكون معطوفة على باء بسخط عطف الصلة الاسمية على الصلة الفعلية ، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب وبئس المصير إما تذييل أو اعتراض أو معطوف على الصلة بتقدير ، ويقال : في حقهم ذلك ، وأيا ما كان فالمخصوص بالذم محذوف أي جهنم ، و (المصير) اسم مكان ، ويحتمل المصدرية ، وفرقوا بينه وبين المرجع بأن المصير يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم لما كان عليه في الدنيا ؛ لأن الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفا ، والمرجع انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها كقولك : مرجع ابن آدم إلى التراب ، وأما قولهم مرجع العباد إلى الله تعالى فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئا كما كان قبل ما ملكوا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث