الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر الموضع الذي فيه رأى المصطفى صلى الله عليه وسلم موسى صلى الله عليه وسلم يصلي في قبره

ذكر الموضع الذي فيه رأى المصطفى صلى الله عليه وسلم موسى صلى الله عليه وسلم يصلي في قبره .

50 - أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا هدبة وشيبان ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر .

[ ص: 243 ] قال أبو حاتم : الله جل وعلا قادر على ما يشاء ، ربما يعد الشيء لوقت معلوم ، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت ، كوعده إحياء الموتى يوم القيامة وجعله محدودا ، ثم قضى كون مثله في بعض الأحوال ، مثل من ذكره الله وجعله الله جل وعلا في كتابه ، حيث يقول : أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام إلى آخر الآية ، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم صلوات الله عليه بعض الأموات .

فلما صح وجود كون هذه الحالة في البشر ، إذا أراده الله جل وعلا قبل يوم القيامة ، لم ينكر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره حتى مر عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ، وذاك أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس ، فرآه صلى الله عليه وسلم يدعو في قبره إذ الصلاة دعاء ، فلما دخل صلى الله عليه وسلم بيت المقدس وأسري به ، أسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة ، وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدم ذكرنا له ، وكذلك رؤيته سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة .

[ ص: 244 ] فأما قوله صلى الله عليه وسلم في خبر مالك بن صعصعة : بينما أنا في الحطيم إذ أتاني آت ، فشق ما بين هذه إلى هذه ، فكان ذلك له فضيلة فضل بها على غيره ، وأنه من معجزات النبوة ، إذ البشر إذا شق عن موضع القلب منهم ، ثم استخرج قلوبهم ماتوا .

وقوله : ثم حشي ، يريد : أن الله جل وعلا حشا قلبه اليقين والمعرفة ، الذي كان استقراره في طست الذهب ، فنقل إلى قلبه .

ثم أتي بدابة يقال لها : البراق ، فحمل عليه من الحطيم أو الحجر ، وهما جميعا في المسجد الحرام ، فانطلق به جبريل حتى أتى به على قبر موسى على حسب ما وصفناه ، ثم دخل مسجد بيت المقدس ، فخرق جبريل الصخرة بإصبعه ، وشد بها البراق ، ثم صعد به إلى السماء .

ذكر شد البراق بالصخرة في خبر بريدة ، ورؤيته موسى صلى الله عليه وسلم يصلي في قبره ليسا جميعا في خبر مالك بن صعصعة .

فلما صعد به إلى السماء الدنيا ، استفتح جبريل ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد صلى الله عليه [ ص: 245 ] وسلم ، قيل : وقد أرسل إليه ؟ يريد به : وقد أرسل إليه ليسرى به إلى السماء ، لا أنهم لم يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت ، لأن الإسراء كان بعد نزول الوحي بسبع سنين ، فلما فتح له فرأى آدم على حسب ما وصفنا قبل .

وكذلك رؤيته في السماء الثانية يحيى بن زكريا ، وعيسى ابن مريم ، وفي السماء الثالثة يوسف بن يعقوب ، وفي السماء الرابعة إدريس ، ثم في السماء الخامسة هارون ، ثم في السماء السادسة موسى ، ثم في السماء السابعة إبراهيم ، إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم لأن يراهم المصطفى صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة ، فيكون ذلك آية معجزة يستدل بها على نبوته على حسب ما أصلنا قبل .

ثم رفع له سدرة المنتهى ، فرآها على الحالة التي وصف .

ثم فرض عليه خمسون صلاة ، وهذا أمر ابتلاء أراد الله جل وعلا ابتلاء صفيه محمد صلى الله عليه وسلم حيث فرض عليه خمسين صلاة ، إذ كان في علم الله السابق أنه لا يفرض على أمته إلا خمس صلوات فقط ، فأمره بخمسين صلاة أمر ابتلاء ، وهذا كما نقول : إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر يريد أن يأتي المأمور به إلى أمره من غير أن يريد وجود كونه ، كما أمر الله جل وعلا خليله إبراهيم بذبح ابنه ، أمره بهذا الأمر أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه ، فلما أسلما ، وتله للجبين ، فداه بالذبح العظيم ، إذ لو أراد الله جل [ ص: 246 ] وعلا كون ما أمر ، لوجد ابنه مذبوحا ، فكذلك فرض الصلاة خمسين أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه ، فلما رجع إلى موسى ، وأخبره أنه أمر بخمسين صلاة كل يوم ، ألهم الله موسى أن يسأل محمدا صلى الله عليهما وسلم بسؤال ربه التخفيف لأمته ، فجعل جل وعلا قول موسى عليه السلام له سببا لبيان الوجود لصحة ما قلنا : إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمسا لا خمسين . فرجع إلى الله جل وعلا فسأله ، فوضع عنه عشرا ، وهذا أيضا أمر ابتلاء أريد به الانتهاء إليه دون وجود كونه ، ثم جعل سؤال موسى عليه السلام إياه سببا لنفاذ قضاء الله جل وعلا في سابق علمه ، أن الصلاة تفرض على هذه الأمة خمسا لا خمسين ، حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات . ثم ألهم الله جل وعلا صفيه صلى الله عليه وسلم حينئذ حتى قال لموسى : قد سألت ربي حتى استحييت ، لكني أرضى وأسلم ، فلما جاوز ناداه مناد : أمضيت فريضتي ، أراد به الخمس صلوات ، وخففت عن عبادي ، يريد : عن عبادي من أمر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاة التي ذكرناها .

وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجسمه عيانا دون أن يكون ذلك رؤيا أو تصويرا صور له ، إذ لو كان ليلة الإسراء وما رأى فيها نوما دون اليقظة ، لاستحال ذلك ، لأن البشر قد يرون في المنام السماوات والملائكة والأنبياء والجنة والنار وما أشبه هذه الأشياء ، فلو كان رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم ما وصف في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة ، لكانت هذه حالة [ ص: 247 ] يستوي فيها معه البشر ، إذ هم يرون في مناماتهم مثلها ، واستحال فضله ، ولم تكن تلك حالة معجزة يفضل بها على غيره ، ضد قول من أبطل هذه الأخبار ، وأنكر قدرة الله جل وعلا وإمضاء حكمه لما يحب كما يحب ، جل ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث