الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


165 [ ص: 210 ] حديث أول لابن شهاب ، عن سالم - مسند

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ( ، عن أبيه ) ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ، وقال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد وكان لا يفعل ذلك في السجود .

التالي السابق


هكذا رواه يحيى عن مالك لم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع ، وتابعه على ذلك ، جماعة من الرواة للموطأ عن مالك ، منهم : القعنبي وأبو مصعب ، وابن بكير ، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم ، ومعن بن عيسى ، والشافعي ، ويحيى بن يحيى النيسابوري ، وإسحاق بن الطباع ، وروح بن عبادة ، وعبد الله بن نافع الزبيري ، وكامل بن طلحة ، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني ، وأبو حذافة ، أحمد بن إسماعيل ، وابن وهب في رواية ابن أخيه عنه ، ورواه ابن وهب ، وابن القاسم ، ويحيى بن سعيد القطان ، وابن أبي أويس ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وجويرية بن أسماء ، وإبراهيم بن طهمان ، وعبد الله بن المبارك ، وبشر بن عمر ، وعثمان بن عمر ، وعبد الله بن يوسف ، التنيسي ، وخالد بن مخلد ، [ ص: 211 ] ومكي بن إبراهيم ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وخارجة بن مصعب ، وعبد الملك بن زياد النصيبي ، وعبد الله بن نافع الصائغ ، وأبو قرة موسى بن طارق ، ومطرف بن عبد الله ، وقتيبة بن سعيد ، كل هؤلاء رووه عن مالك ، فذكروا فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع ، قالوا فيه : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع .

ذكر الدارقطني الطرق عن أكثرهم ، عن مالك - كما ذكرنا - وهو الصواب . وكذلك رواه سائر من رواه عن ابن شهاب وممن روينا ذلك عنه من أصحاب ابن شهاب : الزبيدي ، ومعمر ، والأوزاعي ، ومحمد بن إسحاق ، وسفيان بن حسين ، وعقيل بن خالد ، وشعيب بن أبي حمزة ، وابن عيينة ، ويونس بن يزيد ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعبد الله بن عمر ، كلهم رووا هذا الحديث ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما رواه ابن وهب ومن ذكرنا معه من أصحاب مالك ، وقد ذكرنا طرق هذا الخبر في غير هذا الكتاب ، وتركنا الأسانيد عن هؤلاء في ذلك ههنا خشية الإطالة ، وقال جماعة من أهل العلم إن إسقاط ذكر الرفع عند الانحطاط في هذا الحديث ، إما أتى من مالك ، [ ص: 212 ] وهو الذي كان ربما وهم فيه ، لأن جماعة حفاظا ، رووا عنه الوجهين جميعا .

قال أبو عمر :

هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - وأوقفها نافع على ابن عمر ، فمنها ما جعله من قول ابن عمر وفعله ، ومنها ما جعله عن ابن عمر عن عمر ، والقول فيها قول سالم ، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع ، فهذا أحدها ، والثاني : من باع عبدا وله مال ، جعله نافع عن ابن عمر عن عمر قوله ، والحديث الثالث : الناس كإبل مائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة ، والرابع : فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلا العشر ، وما سقي بالنضح نصف العشر .

وفي هذا الحديث من الفقه ، رفع اليدين في المواضع المذكورة فيه ، وذلك عند أهل العلم تعظيم لله وابتهال إليه ، واستسلام له ، وخضوع للوقوف بين يديه ، واتباع لسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

واختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة ، فروى ابن القاسم وغيره عن مالك أنه كان يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا ، إلا في تكبيرة الإحرام وحدها ، وتعلق بهذه الرواية عن مالك أكثر المالكيين ، وهو قول [ ص: 213 ] الكوفيين : سفيان الثوري ، وأبي حنيفة وأصحابه ، والحسن بن حي ، وسائر فقهاء الكوفة قديما وحديثا .

قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي - رحمه الله - في كتابه في رفع اليدين من الكتاب الكبير : لا نعلم مصرا من الأمصار ينسب إلى أهله العلم قديما ، تركوا بإجماعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة ، إلا أهل الكوفة .

وروى ابن وهب ، والوليد بن مسلم ، وسعيد بن أبي مريم ، وأشهب ، وأبو المصعب ، عن مالك ، أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر - هذا إلى أن مات - فالله أعلم ، وبهذا قال الأوزاعي ، وسفيان بن عيينة ، والشافعي ، وجماعة أهل الحديث ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وأبي عبيد ، وأبي إسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، وابن المبارك ، وأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ، وقال دواد بن علي : الرفع عند تكبيرة الإحرام واجب ، ركن من أركان الصلاة . واختلف أصحابه ، فقال بعضهم : الرفع عند الإحرام والركوع والرفع من الركوع واجب ، وقال بعضهم : لا يجب الرفع إلا عند الإحرام ، وقال بعضهم : لا يجب لا عند الإحرام ، ولا غيره ، لأنه فعله ولم يأمر به ، وقال بعضهم : هو كله واجب لقول رسول الله : صلوا كما رأيتموني أصلي .

[ ص: 214 ] وذكر ابن خواز منداد قال : اختلفت الرواية عن مالك في رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة ، فقال : يرفع في كل خفض ورفع على حديث ابن عمر ، عن النبي عليه السلام وقد قال : لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام . وهذا قال : لا يرفع أصلا ، قال : والذي عليه أصحابنا الرفع عند الإحرام لا غير . وحجة من ذهب مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ، ومذهب الكوفيين الموافقين له في ذلك ، حديث البراء بن عازب ، وحديث عبد الله بن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يرفع بعد .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا موسى بن محمد الأنصاري ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء بن عازب ، قال : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فرفع يديه حتى حاذى أذنيه في أول مرة لم يزد عليها ، قال أحمد بن زهير : سئل يحيى بن معين ، عن يزيد بن أبي زياد فقال : ليس بذاك .

[ ص: 215 ] وأخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد ، قال : حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس ، قال : حدثنا محمد بن جرير ، قال : حدثنا إسماعيل بن موسى الرازي ، قال : حدثنا شريك ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء بن عازب ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة ، رفع يديه حتى تحاذي أذنيه ، ثم لا يعود .

قال أبو عمر :

قال محمد بن عبد الله بن نمير : لم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا وكيع ، عن عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، قال : قال ابن مسعود : ألا أصلي بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : فصلى ، فلم يرفع يديه إلا مرة . وهذان حديثان معلولان عند أهل العلم بالحديث ، مرفوعان عند أهل الصحة عندهم ، وسنذكر العلة فيهما عنهم فيما بعد من هذا الباب ، إن شاء الله .

وحجتهم أيضا ، ما رواه نعيم المجمر ، وأبو جعفر القاري ، عن أبي هريرة ، أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، ويكبر كلما خفض ورفع ، ويقول : أنا أشبهكم صلاة برسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 216 ] قال أبو عمر :

وحجة من رأى الرفع عند كل خفض ورفع ، حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ، وهو حديث ثابت لا مطعن فيه عند أحد من أهل العلم بالحديث ، ورواه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما رواه ابن عمر ثلاثة عشر رجلا من الصحابة رحمهم الله . ذكر ذلك جماعة من المصنفين وأهل الحديث ، منهم أبو داود ، وأحمد بن شعيب ، والبخاري ومسلم ، وغيرهم ، وأفرد لذلك بابا أبو بكر أحمد بن عمر البزار ، وصنف فيه كتابا أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة . سنذكر منهم ما حضرنا ذكره عندهم ، ولم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند كل خفض ورفع ممن لم يختلف عنه فيه إلا عبد الله بن مسعود وحده ، وروى الكوفيون ، عن علي - رضي الله عنه - مثل ذلك . وروى المدنيون عنه الرفع من حديث عبيد الله بن أبي رافع عنه ، وكذلك اختلف عن أبي هريرة ، فروى عنه نعيم المجمر ، وأبو جعفر القاري ، أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، وروى عنه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، أنه كان يرفع يديه إذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ; ورواية الأعرج مفسرة ، ورواية نعيم مجملة محتملة للتأويل ، لأنه ليس فيها أنه لم يرفع في غير الإحرام . وقوله : أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما حكاه عنه أبو سلمة وغيره في التكبير في كل خفض ورفع ، ولا يقاس نعيم وأبو جعفر ، بأبي سلمة [ ص: 217 ] وقد مضى ذكر حديث أبي سلمة فيما مر من هذا الكتاب ، وروي الرفع عند الخفض والرفع أيضا عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام يطول الكتاب بذكرهم ، فذكر أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي أكثرهم ، وذكر بعضهم ابن المنذر .

وذكر أبو بكر الأثرم ، عن أحمد بن حنبل ، وغيره ، من ذلك ما أخبرناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد بن عيسى الوراق ، قال : حدثنا الخضر بن داود ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا إسماعيل ابن علية ، عن محمد بن إسحاق ، عن الأعرج ، قال : رأيت أبا هريرة يرفع يديه إذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير ، قال : كان جابر بن عبد الله إذا كبر رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، رفع يديه ، وزعم أن النبي - عليه السلام - كان يفعل ذلك .

قال : وحدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا روح بن عبادة ، عن زكريا بن إسحاق ، عن أبي الزبير ، قال : رأيت ابن عمر وابن الزبير يرفعان أيديهما إذا ركعا وإذا رفعا ، قال : وحدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا معاذ بن معاذ ، وابن أبي عدي ، وغندر ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح .

[ ص: 218 ] قال : وحدثنا أحمد ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، عن ابن المبارك ، عن عكرمة بن عمار ، قال : رأيت القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله يرفعان أيديهما إذا ركعا وإذا رفعا رءوسهما .

قال : وحدثنا سليمان بن حارث ، حدثنا حماد بن زيد ، عن هشام بن الحسن ، ومحمد بن سيرين ، أنهما كانا يرفعان أيديهما إذا كبرا أو إذا ركعا وإذا رفعا .

قال محمد بن سيرين : هو من تمام الصلاة .

قال : أبو بكر وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : حدثنا أبو النصر ، عن الربيع بن صبيح ، قال : رأيت عطاء ، وطاوسا ، ومجاهدا ، والحسن ، وابن سيرين ، ونافعا ، وابن أبي نجيح ، والحسن بن مسلم ، وقتادة ، يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه . قال : وسمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول : رأيت معمر بن سليمان ، ويحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وإسماعيل ابن علية ، يرفعون أيديهم عند الركوع وإذا رفعوا رءوسهم .

قال أبو عمر :

هذا يدلك من نقل الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - أن أهل الحجاز والشام والبصرة يرفعون ، ويشهد لما قاله أبو عبد الله المروزي أنه لا يعلم مصرا من أمصار المسلمين لا يرفعون أيديهم في الصلاة غير الافتتاح ، إلا أهل الكوفة .

[ ص: 219 ] وروي عن أبي سعيد الخدري ، وأبي موسى الأشعري ، وأنس ، وأبي الدرداء ، أنهم كانوا يرفعون ، وحسبك بما تقدم أنه لم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع ممن لم يختلف عنه فيه إلا ابن مسعود .

وحدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا أبو الميمون البجلي بدمشق ، قال : حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا أبو مسهر ، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زيد ، عن عمرو بن مهاجر ، عن عمر بن عبد العزيز ، قال : إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة ، يعني إذا لم يرفعوا أيديهم في الصلاة ، وقال عمر بن عبد العزيز في ذلك : سالم قد حفظ عن أبيه .

قال أبو عمر :

أما حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا مرة في أول شيء ، فهو حديث انفرد به عاصم بن كليب ، واختلف عليه في ألفاظه ، وقد ضعف الحديث أحمد بن حنبل وعلله ورمى به . وقال وكيع : يقول فيه عن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، ثم لا يعود . ومرة يقول : لم يرفع يديه إلا مرة ، وإنما يقوله من قبل نفسه ، لأن ابن إدريس ، رواه عن عاصم بن كليب ، فلم يزد على أن قال : كبر ورفع يديه ثم ركع . ولفظه غير لفظ وكيع . وضعف أحمد الحديث .

ذكره عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، حدثناه عبد الوارث ، عن قاسم في مصنفه ، عن عبد الله ، وذكره الأثرم وغيره ، عن أحمد ، وأما حديث البراء بن عازب في ذلك ، فإنه انفرد يزيد بن أبي زياد ، عن [ ص: 220 ] عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ، فرواه عنه الثقات الحفاظ ، منهم : شعبة ، والثوري ، وابن عيينة ، وهشيم ، وخالد بن عبد الله الواسطي لم يذكر واحد منهم عنه فيه قوله : ثم لا يعود وإنما قاله فيه عنه من لا يحتج به على هؤلاء

وحكى ابن عيينة عنه أنه حدثهم به قديما ، وليس فيه ثم لا يعود ، ثم حدثهم به بعد ذلك ، فذكر فيه ثم لا يعود ، قال : فنظرته فإذا ملحق بين سطرين ذكره أحمد بن حنبل والحميدي ، عن ابن عيينة وذكره أبو داود .

قال أبو عمر :

المحفوظ في حديث يزيد بن أبي زياد ، عن ابن أبي ليلى ، عن البراء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول مرة .

وقال بعضهم فيه : مرة واحدة . وأما قول من قال فيه : ثم لا يعود ، فخطأ عند أهل الحديث .

وقال أبو داود : في حديث عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، قال : ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة .

هذا حديث يختصر من حديث طويل ، وليس بصحيح على هذا المعنى .

وقال أبو بكر أحمد بن عمر البزار : وهو حديث لا يثبت ولا يحتج به .

[ ص: 221 ] قال أبو بكر : سمعت البزار يقوله .

وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد ، حدثنا أحمد بن سعيد ، حدثنا سعيد بن عثمان ، قال : سمعت محمد بن وضاح يقول : الأحاديث التي تروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في رفع اليدين ثم لا يعود كمال كلها .

وقد احتج بعض المتأخرين للكوفيين ومن ذهب مذهبهم في رفع اليدين ، بما حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا أحمد بن الفضل ، حدثنا أبو بكر محمد بن بكار بن يزيد الدمشقي ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ابن علية القاضي بدمشق في شوال سنة اثنتين وستين ومائتين ، قال : حدثنا أبو معاوية الضرير ، قال : حدثنا الأعمش ، عن تميم بن طرفة ، عن جابر بن سمرة ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ، اسكنوا في الصلاة .

وهذا لا حجة فيه ، لأن الذي نهاهم عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير الذي كان يفعله ، لأنه محال أن ينهاهم عما سن لهم ، وإنما رأى أقواما يعبثون بأيديهم ويرفعونها في غير مواضع الرفع فنهاهم ، عن ذلك .

وكان في العرب القادمين والأعراب من لا يعرف حدود دينه في الصلاة وغيرها ، وبعث - صلى الله عليه وسلم - معلما فلما ، رآهم يعبثون [ ص: 222 ] بأيديهم في الصلاة ، نهاهم وأمرهم بالسكون فيها ، وليس هذا من هذا الباب في شيء - والله أعلم .

وأما الرواية عن مالك كما ذكرنا عنه مما يخالف رواية ابن القاسم ، فحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أبو عبيدة بن أحمد ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا أشهب بن عبد العزيز ، قال : صحبت مالك بن أنس قبل موته بسنة ، فما مات إلا وهو يرفع يديه ، فقيل ليونس : وصف أشهب رفع اليدين عن مالك ، قال : سئل أشهب عنه غير مرة ، فكان يقول : يرفع يديه إذا أحرم ، وإذا أراد أن يركع ، وإذا ، قال : سمع الله .

قال : يونس وحدثني ابن وهب ، قال : صحبت مالكا في طريق الحج ، فلما كان بموضع ذكره يونس ، دنت ناقتي من ناقته فقلت : يا أبا عبد الله : كيف يرفع المصلي يديه في الصلاة ؟ فقال : وعن هذا تسألني ، ما أحب أن أسمعه منك ، ثم قال : إذا أحرم ، وإذا أراد أن يركع وإذا قال : سمع الله لمن حمده .

قال أبو عبيدة : سمعت هذا من يونس غير مرة .

وفي المستخرجة من سماع أشهب وابن نافع من مالك ، قال : يرفع المصلي يديه إذا رفع رأسه من الركوع ، وقال سمع الله لمن حمده ، قال : وليس الرفع بلازم ، وفي ذلك سعة .

وذكر الطبري ، قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، عن أشهب ، عن مالك مثل ذلك ، ويرفع من وراء الإمام لرفعه إذا ، قال : سمع الله لمن حمده ، قال : وليس رفع اليدين باللازم ، وفي ذلك سعة .

[ ص: 223 ] حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا وهب بن مسرة ، حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : رأيت مالك بن أنس يرفع يديه في كل خفض ورفع ، أو قال : كلما خفض ، ولم تزل تلك صلاته .

وحدثنا أحمد ، حدثنا أحمد بن سعيد ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، وسعيد بن عثمان ، أنهما سمعا يحيى بن عمر يقول : سمعت أبا المصعب الزهري يقول : رأيت مالك بن أنس يرفع يديه إذا قال : سمع الله لمن حمده على حديث ابن عمر ، قال أحمد بن خالد : وكان عندنا جماعة من علمائنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر .

ورواية من روى ذلك عن مالك وجماعة لا يرفعون إلا في الإحرام على رواية ابن القاسم ، فما عاب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء . وسمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم - رحمه الله - يقول : كان أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم شيخنا يرفع يديه كلما خفض ورفع على حديث ابن عمر في الموطأ ، وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علما ودينا ، فقلت له : فلم لا ترفع أنت فنقتدي بك ؟ قال لي : لا أخالف رواية ابن القاسم ، لأن الجماعة لدينا اليوم عليها ، ومخالفة الجماعة فيما قد أبيح لنا ليس من شيم الأئمة .

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم الذي آخذ به في رفع اليدين ، أن أرفع على حديث ابن عمر ، قال : ولم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين .

[ ص: 224 ] أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الحميد ، حدثنا الخضر ، حدثنا الأثرم ، قال : حضرت أحمد بن حنبل ، وقال له رجل غريب : رأيتك ترفع يديك إذا أردت الركوع ، ونحن عندنا لا نفعل ذلك ، أفتراه ينقص من الصلاة إذا لم نفعل ؟ فقال : ما أدري ، أما نحن فنفعله ، وهو الأكثر عندنا وأثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وقال بعض أصحابه : له بكل إشارة عشر حسنات ، بكل أصبع حسنة .

قيل لأبي عبد الله نذهب لرفع اليدين في القيام من اثنتين أيضا ؟ قال : لا ، أنا أذهب إلى حديث سالم ، عن أبيه ، ولا أذهب إلى حديث وائل بن حجر ، لأنه مختلف في ألفاظه ، حديث عاصم بن كليب خلاف حديث عمرو بن مرة ، .

قال الأثرم : وسمعته غير مرة يسأل عن رفع اليدين عند الركوع وإذا رفع رأسه ، قال : ومن شك في ذلك كان ، ابن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه .

قال : وحدثنا أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : سمعت زيد بن واقد قال : سمعت نافعا ، قال : كان ابن عمر إذا رأى رجلا لا يرفع يديه حصبه وأمره أن يرفع .

[ ص: 225 ] قال أبو عبد الله : وقد روى غير واحد عن ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن مشرح بن هاعان ، عن عقبة بن عامر ، قال له : بكل إشارة عشر حسنات ، قال : إلا أن ابن المبارك ، قال : عن ابن لهيعة ، عن مشرح ، عن عقبة ليس بين ابن لهيعة ومشرح أحد ، ثم قال أبو عبد الله : هؤلاء يكرهون ذلك - كالمغتاظ - يعني أصحاب أبي حنيفة .

قال أبو بكر الأثرم : حدثنا علي بن أحمد بن القاسم الباهلي ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عياض بن عبد الله الفهري ، أن عبد الله بن عمر كان يقول : لكل شيء زينة ، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها .

قال : وحدثنا سعيد بن عبيد ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، عن ابن عجلان ، عن النعمان بن أبي عياش ، قال : كان يقال لكل شيء زينة ، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح ، وحين يريد أن يركع ، وحين يريد أن يرفع .

قال أبو عمر :

هذا يدلك على أن رفع اليدين ليس من أركان الصلاة ، ولا من الواجب فيها ، وأنه على ما قدمنا في أول الباب خضوع واستكانة واستسلام ، وزينة الصلاة ، كما وصفنا ، وهو قول الجمهور ، وقد روي ، عن الأوزاعي ، وذهب إلى ذلك الحميدي فيمن لم يرفع يديه على حديث ابن عمر : أن الصلاة فاسدة أو ناقصة .

[ ص: 226 ] ورأى بعضهم عليه الإعادة ، وليس هذا بصحيح عندنا لما ذكرنا ، لأن إيجاب الإعادة إيجاب فرض ، والفرائض لا تثبت إلا بحجة أو سنة لا معارض لها ، أو إجماع من الأمة .

وقد ذكرنا فرائض الصلاة وسننها فيما تقدم من كتابنا هذا ، ودللنا على ذلك من حديث أبي هريرة ، وحديث رفاعة بن رافع بما أغنى عن ذكره ههنا .

وذكر الطبري قال : حدثنا العباس بن الوليد بن يزيد ، عن أبيه ، عن الأوزاعي ، قال : بلغنا أن من السنة فيما أجمع عليه علماء الحجاز والبصرة والشام ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لاستفتاح الصلاة ، وحين يكبر للركوع ويهوي ساجدا ، وحين يرفع رأسه من الركوع ، إلا أهل الكوفة ، فإنهم خالفوا في ذلك أمتهم . قيل للأوزاعي : فإن نقص من ذلك شيئا ؟ قال : ذلك نقص من صلاته . وفيما أجاز لنا قاسم بن أحمد وعباس بن أصبغ ، عن محمد بن عبد الملك بن أيمن ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سمعت أبي يقول : من رفع يديه فهو أفضل ، قال : وكان يحيى بن سعيد ، وابن علية ، ويزيد بن هارون يرفعون ، قال : وكان ابن عيينة ربما فعله ، وربما لم يفعله ، قال : وينبغي لكل مصل أن يفعله ، فإنه من السنة ، ومما يدل على أن رفع اليدين ليس بواجب ، ما أخبر به الحسن ، عن الصحابة ، أن من رفع منهم لم يعب على من تركه .

[ ص: 227 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي ببغداد ، حدثنا أبو منعم ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، حدثنا محمد بن جحادة ، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر ، قال : كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي ، فحدثني وائل بن علقمة ، عن أبي وائل بن حجر ، قال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا دخل في الصلاة ، كبر ورفع يديه ، ثم التحف وأدخل يديه في ثوبه ، فأخذ شماله بيمينه ، وإذا أراد أن يركع ، أخرج يديه من ثوبه ، ثم رفعهما وكبر وسجد ، ووضع وجهه بين كفيه ، وإذا رفع رأسه من السجود ، رفع يديه فلم يزل يفعله كذلك حتى فرغ من صلاته ، قال محمد بن مجادة : فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن ، فقال : هي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله من فعله ، وتركه من تركه ، ففي هذا الحديث دليل على أن منهم من تركه ، ولم يعب عليه من فعله - والله أعلم - .

قال أبو عمر :

زيادة وائل بن حجر في حديثه رفع اليدين بين السجدتين ، قد عارضه في ذلك ابن عمر بقوله : وكان لا يرفع بين السجدتين ، والسنن لا تثبت إذا تعارضت وتدافعت ، ووائل بن حجر إنما رآه أياما قليلة في قدومه عليه ، وابن عمر صحبه إلى أن توفي - صلى الله عليه وسلم - فحديث ابن عمر أصح عندهم ، وأولى أن يعمل به من حديث وائل بن حجر ، وعليه العمل ثم جماعة فقهاء الأمصار ، القائلين بالرفع .

[ ص: 228 ] قال أبو بكر الأثرم : قيل لأحمد بن حنبل : رفع اليدين من السجدتين ، فذكر حديث سالم ، عن ابن عمر ، ولا يرفع بين السجدتين ، ثم قال : نحن نذهب إلى حديث ابن عمر . وقال الربيع عن الشافعي : كل تكبير كان في افتتاح أو في قيام ففيه رفع اليدين .

حدثنا خلف بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرنا إسحاق بن الحسن بن علي البلخي ، قال : حدثنا الحسن بن محمد بن عبد الأعلى بن محمد بن الحسن بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا جدي عبد الأعلى بن محمد قال : حدثني جدي الحسن بن عبد الأعلى قالوا جميعا ، أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا داود بن إبراهيم ، قال : رأيت وهب بن منبه يرفع يديه في الصلاة إذا كبر ، وإذا ركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ، ولا يفعل ذلك في السجود . وكان طاوس مولى ابن عمر وأيوب السختياني يرفعون أيديهم بين السجدتين ، وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع في كل تكبيرة وما فعله مالك أصح عنه ، إن شاء الله .

وقد أكثر أهل العلم بالكلام في هذا الباب ، وأفرط بعضهم في عيب من لم يرفع ، ولا وجه للإكثار فيه .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا محمد بن زيد الرفاعي قال : حدثني داود بن [ ص: 229 ] يحيى بن يمان الثقة المأمون ، عن ابن المبارك ، قال : صليت إلى جنب سفيان ، وأنا أريد أن أرفع يدي إذا ركعت وإذا رفعت ، فهممت بتركه وقلت : ينهاني سفيان ثم قلت : شيء أدين الله به لا أدعه ، ففعلت فلم ينهني . وروي عن ابن المبارك ، قال : صليت إلى جنب أبي حنيفة ، فرفعت يدي عند الركوع وعند الرفع منه ، فلما انقضت صلاتي ، قال لي : أردت أن تطير ، فقلت له : وهل من رفع في الأولى يريد أن يطير ؟ فسكت .

حدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا محمد بن يزيد ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، قال : سمعت سفيان الثوري يقول : إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه .

قال أبو عمر :

اختلفت الآثار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة ومن بعدهم ، في كيفية رفع اليدين في الصلاة ، فروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرفع يديه مدا فوق أذنيه مع رأسه .

وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه . وروي عنه أنه كان يرفعهما إلى صدره ، وكلها آثار محفوظة مشهورة ، وأثبت شيء في ذلك عند أهل العلم بالحديث ، حديث ابن عمر هذا ، وفيه الرفع حذو المنكبين ، وعليه جمهور الفقهاء بالأمصار وأهل الحديث ، وقد روي عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه ، وفي غير الإحرام دون ذلك قليلا ، وكل ذلك واسع حسن ، وابن عمر روى هذا الحديث ، وهو أعلم بتأويله ومخرجه .

[ ص: 230 ] وذكر الأثرم قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار ، قال : رأيت سالما ، والقاسم ، وطاوسا ، وعطاء ، ونافعا ، وعبد الله بن الزبير ، ومكحولا ، يرفعون أيديهم في استفتاح الصلاة وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع حذو المنكبين ، وكان أحمد بن حنبل يختار ذلك .

قال أبو عمر :

وهو اختيار مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، وعليه العمل عند الجمهور ، وأما قوله في هذا الحديث : إذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، فإن أهل العلم اختلفوا في الإمام ، هل يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، أم يقتصر على سمع الله لمن حمده فقط ؟ فذهب مالك . وأبو حنيفة ، ومن قال بقولهما ، إلى أن الإمام لا يقول : ربنا ولك الحمد ، وإنما يقول : سمع الله لمن حمده لا غير ، وحجتهم في ذلك حديث الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله في الإمام : إذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد وقد تقدم هذا الحديث في باب ابن شهاب ، عن أنس من كتابنا هذا .

وروى أبو صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وفيه دليل على أن الإمام يقتصر على قول : سمع الله لمن حمده ، والمأموم يقتصر على : ربنا ولك الحمد .

وقال الشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وجماعة من أهل الحديث : يقول الإمام : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، وقال مالك : يقولها المنفرد .

[ ص: 231 ] وحجتهم في ذلك ، حديث ابن عمر هذا وما كان مثله ، وممن روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد كما رواه ابن عمر وأبو هريرة من حديث ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، وأبي سلمة ، وعبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة ، ومن حديث أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، ورواه أبو سعيد الخدري ، وعبد الله بن أبي أوفى ، كلهم رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد .

وأما المأموم فقال مالك وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والثوري : لا يقول المأموم : سمع الله لمن حمده ، وإنما يقول : ربنا ولك الحمد فقط ، وقال الشافعي : يقول المأموم : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، كما يقولها الإمام والمنفرد تأسيا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعا لفعل إمامه . وفي حديث ابن شهاب : الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة في ذلك على الشافعي ، وقد مضى ذكره في بابه من هذا الكتاب ، فأغنى عن إعادته ههنا والحمد لله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث