الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب .

دلت الفاء على سرعة الإجابة بحصول المطلوب ، ودلت على أن مناجاة العبد ربه بقلبه ضرب من ضروب الدعاء قابل للإجابة .

و ( استجاب ) بمعنى أجاب عند جمهور أئمة اللغة ، فالسين والتاء للتأكيد ، مثل : استوقد واستخلص . وعن الفراء ، وعلي بن عيسى الربعي : أن استجاب أخص من أجاب لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعي إليه ، وأجاب أعم ، فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد . وقال الراغب : الاستجابة هي التحري للجواب والتهيؤ له ، لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها . ويقال : استجاب له واستجابه ، فعدي في الآية باللام ، كما قالوا : حمد له وشكر له ، ويعدى بنفسه أيضا مثلهما .

قال كعب بن سعد الغنوي ، يرثي قريبا له :


وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وتعبيرهم في دعائهم بوصف ربنا دون اسم الجلالة لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب ، ومحبة الخير له ، ومن الاعتراف بأنهم عبيده ولتتأتى الإضافة المفيدة التشريف والقرب ، ولرد حسن دعائهم بمثله بقولهم ربنا ، ربنا .

[ ص: 203 ] ومعنى نفي إضاعة عملهم نفي إلغاء الجزاء عنه : جعله كالضائع غير الحاصل في يد صاحبه .

فنفي إضاعة العمل وعد بالاعتداد بعملهم وحسبانه لهم ، فقد تضمنت الاستجابة تحقيق عدم إضاعة العمل تطمينا لقلوبهم من وجل عدم القبول ، وفي هذا دليل على أنهم أرادوا من قولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك تحقيق قبول أعمالهم والاستعاذة من الحبط .

وقوله من ذكر أو أنثى بيان لعامل ووجه الحاجة إلى هذا البيان هنا أن الأعمال التي أتوا بها أكبرها الإيمان ، ثم الهجرة ، ثم الجهاد ، ولما كان الجهاد أكثر تكررا خيف أن يتوهم أن النساء لا حظ لهن في تحقيق الوعد الذي وعد الله على ألسنة رسله ، فدفع هذا بأن للنساء حظهن في ذلك فهن في الإيمان والهجرة يساوين الرجال ، وهن لهن حظهن في ثواب الجهاد لأنهن يقمن على المرضى ويداوين الكلمى ، ويسقين الجيش ، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس المسلمين ، فهو لا يقصر عن القتال الذي به إتلاف نفوس عدو المؤمنين .

وقوله بعضكم من بعض ( من ) فيه اتصالية أي بعض المستجاب لهم متصل ببعض ، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أن شأنهم واحد وأمرهم سواء . قال تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر إلخ . وقولهم : هو مني وأنا منه ، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة :


فإني لست منك ولست مني

وقد حملها جمهور المفسرين على معنى أن نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد ، وعلى هذا فموقع هذه الجملة موقع التعليل للتعميم في قوله من ذكر أو أنثى أي لأن شأنكم واحد . وكل قائم بما لو لم يقم به لضاعت مصلحة الآخر ، فلا جرم أن كانوا سواء في تحقيق وعد الله إياهم ، وإن اختلفت أعمالهم وهذا كقوله تعالى للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن .

[ ص: 204 ] والأظهر عندي أن ليس هذا تعليلا لمضمون قوله من ذكر أو أنثى بل هو بيان للتساوي في الأخبار المتعلقة بضمائر المخاطبين أي أنتم في عنايتي بأعمالكم سواء ، وهو قضاء لحق ما لهم من الأعمال الصالحة المتساوين فيها ، ليكون تمهيدا لبساط تمييز المهاجرين بفضل الهجرة الآتي في قوله فالذين هاجروا ، الآيات .

وقوله فالذين هاجروا تفريع عن قوله لا أضيع عمل عامل وهو من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بذلك الخاص ، واشتمل على بيان ما تفاضلوا فيه من العمل ، وهو الهجرة التي فاز بها المهاجرون .

والمهاجرة : هي ترك الموطن بقصد استيطان غيره ، والمفاعلة فيها للتقوية كأنه هجر قومه وهجروه لأنهم لم يحرصوا على بقائه ، وهذا أصل المهاجرة أن تكون لمنافرة ونحوها ، وهي تصدق بهجرة الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وبهجرة الذين هاجروا إلى المدينة .

وعطف قوله وأخرجوا من ديارهم على هاجروا لتحقيق معنى المفاعلة في هاجر أي هاجروا مهاجرة لزهم إليها قومهم ، سواء كان الإخراج بصريح القول أم بالإلجاء ، من جهة سوء المعاملة ، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين ، ثم هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلهم ، لما لاقوه من أذى المشركين . ولا يوجد ما يدل على أن المشركين أخرجوا المسلمين ، وكيف واختفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند خروجه إلى المدينة يدل على حرص المشركين على صده عن الخروج ، ويدل لذلك أيضا قول كعب :


في فتية من قريش قال قائلهم     ببطن مكة لما أسلموا زولوا

أي قال قائل من المسلمين اخرجوا من مكة ، وعليه فكل ما ورد مما فيه أنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج ، ومنه قول ورقة بن نوفل يا ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك ، وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - له أومخرجي هم ؟ فقال : ما جاء نبيء بمثل ما جئت [ ص: 205 ] به إلا عودي . وقوله وأوذوا في سبيلي أي أصابهم الأذى وهو مكروه قليل من قول أو فعل وفهم منه أن من أصابهم الضر أولى بالثواب وأوفى . وهذه حالة تصدق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها .

وقوله وقاتلوا وقتلوا جمع بينهما للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا . وقرأ الجمهور : وقاتلوا وقتلوا وقرأ حمزة . والكسائي ، وخلف : وقتلوا وقاتلوا عكس قراءة الجمهور ومآل القراءتين واحد ، وهذه حالة تصدق على المهاجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا . وقوله لأكفرن عنهم سيئاتهم إلخ مؤكد بلام القسم . وتكفير السيئات تقدم آنفا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث