الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال رحمه الله : ( وحرم صيد المجوسي والوثني والمرتد ) لأنهم ليسوا من أهل الذكاة حالة الاختيار فكذا حالة الاضطرار وكذا المحرم لأنه ليس من أهل ذكاة الاختيار في حق الصيد فلا يكون من أهل ذكاة الاضطرار فيه ويؤكل صيد الكتابي ; لأنه من أهل الذكاة اختيارا فكذا اضطرارا .

قال رحمه الله : ( وإن رمى صيدا فلم يثخنه فرماه الثاني فقتله فهو للثاني وحل ) لأنه هو الآخذ له وقال عليه الصلاة والسلام { الصيد لمن أخذه } وإنما حل لأنه لما لم يخرج بالأول من حيز الامتناع كان ذكاته ذكاة الاضطرار وهو الجرح في أي موضع كان وقد وجد .

قال رحمه الله : ( وإن أثخنه فللأول وحرم ) لأنه لما أثخنه الأول قد خرج من حيز الامتناع صار قادرا على ذكاته الاختيارية فوجب عليه ذكاته لما روينا ولم يذكه وصار الثاني قاتلا له فيحرم وهو لو ترك ذكاته مع القدرة عليه يحرم فبالقتل أولى أن يحرم بخلاف الوجه الأول وهذا إذا كان بحال يسلم من الأول لأن موته يضاف إلى الثاني أما إذا كان الرمي الأول بحال لا يسلم منه الصيد بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى من المذبوح كما إذا أبان رأسه يحل ; لأن موته لا يضاف إلى الرمي الثاني فلا اعتبار لوجوده لكونه ميتا حكما ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة لا يحرم كوقوعه بعد موته ولو كان الرمي الأول بحال لا يعيش به الصيد لكن حياته فوق حياة المذبوح بأن كان يبقى يوما أو دونه فعند أبي يوسف لا يحرم بالرمية الثانية ; لأن هذا القدر من الحياة لا يعتبر عنده وعند محمد يحرم ; لأن هذا القدر من الحياة يعتبر عنده فصار حكمه كحكم ما إذا كان الأول يسلم منه فلا يحل .

قال رحمه الله : ( وضمن الثاني للأول قيمته غير ما نقصته جراحته ) أي ضمن جميع قيمة الصيد غير ما نقصته جراحته الأولى ; لأنه أتلف صيدا مملوكا للغير ; لأنه ملكه بالإثخان فيلزم قيمة ما أتلفه وقيمته وقت إتلافه كان ناقصا بجراحة الأول فيلزم ذلك ; لأن قيمة المتلف تعتبر وقت الإتلاف فصار كما لو أتلف عبدا مريضا أو شاة مجروحة فإنه يلزمه قيمته متقوما بالمرض أو الجرح وقال صاحب الهداية وغيره : تأويله إذا علم أن القتل حصل بالثاني فإن كان الأول بحال يسلم منه والثاني بحال لا يسلم منه ليكون القتل كله مضافا إلى الثاني وقد قتل حيوانا مملوكا للأول منقوصا بالجراحة فلا يضمنه كاملا وإن علم أن الموت حصل من الجراحتين أو لا يدري قال صاحب الهداية قال في الزيادات : يضمن الثاني ما نقصته جراحته ثم يضمن نصف قيمته مجروحا بجراحتين ثم يضمن نصف قيمته لحما أما الأول وهو ما نقصته جراحته فلأنه جرح حيوانا مملوكا للغير وقد نقصته فيضمنه أولا .

وأما الثاني وهو ضمان نصف قيمته حيا فلأن الموت حصل بالجراحتين فيكون هو متلفا نصفه وهو مملوك لغيره فيضمن نصف قيمته مجروحا بالجراحتين ; لأن الأولى ما كانت بصنعه - يعني : الجراحة الأولى ما كانت بصنع الثاني - فلا يضمنها ، والثانية ضمنها مرة فلا يضمنها ثانية أي الجراحة الثانية ومراده ما نقص بجراحته ضمنها مرة وهو ما ضمنه من النقصان بجراحته أولا ، وأما الثالث وهو ضمان نصف اللحم فلأن بالرمية الأولى صار بحال يحل بذكاة الاختيار لولا رمي الثاني فهذا بالرمي الثاني أفسد عليه نصف اللحم فيضمنه ولا يضمن نصف القيمة لآخر ; لأنه ضمنه من حيث ضمن نصف قيمته حيا فدخل ضمان اللحم وهذا يوهم أن بين المسألتين فرقا أعني بين ما إذا حصل القتل بالثاني وحده أو بهما وليس كذلك بل لا فرق بينهما ; لأنه في الموضعين يضمن الثاني جميع قيمته غير ما نقصته جراحة الأول إلا أنه بين في المسألة الأولى جميع الحاصل وفي الثانية بين طريق الضمان نقل ذلك عن قاضي خان أي عدم الفرق بين المسألتين بيانه أن الرامي الأول إذا رمى صيدا يساوي عشرة فنقصه درهمين ثم رماه الثاني فنقصه درهمين ثم مات فعلى الطريقة الأولى يضمن الثاني ثمانية ويسقط عنه من قيمته درهمان لأن ذلك تلف بجرح الأول وهو المراد بقوله " غير ما نقصته جراحته " .

وعلى الطريقة الثانية يضمن درهمين أولا ; لأن ذلك القدر من النقصان حصل بفعله وهو المراد بقوله في الزيادات يضمن الثاني ما نقصته جراحته بقي من قيمته ستة فيضمن نصفها وهو ثلاثة دراهم وهو المراد بقوله ثم يضمن نصف قيمته مجروحا بجراحتين يعني به نصف قيمته حيا ثم إذا مات يضمن النصف الآخر بعد الموت وإن كان تفويت اللحم فيه موجودا بقتله ; لأنه ضمن ذلك النصف حيا فلو ضمنه بعد الموت كان يتكرر الضمان بأن يضمن قيمته حيا ثم يضمن قيمته لحما بعد الموت وهذا [ ص: 263 ] لا يجوز وهذا إذا كانت حياته خفية بقدر المذبوح فلا يضمن الثاني ويؤكل ; لأن موته لا يضاف إلى الثاني ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة لا يحرم وقد ذكرناه من قبل وعنه وقع الاحتراز بقوله فإن علم أن الموت حصل من الجراحتين أو لا يدري ولو رمياه معا فأصابه أحدهما قبل الآخر فأثخنه ثم أصابه الآخر أو رماه أحدهما أولا ثم رماه الثاني قبل أن يصيبه الأول أو بعدما أصابه قبل أن يثخنه فأصابه الأول فأثخنه أو أثخنه ثم أصابه الثاني فقتله فهو للأول ويؤكل وقال زفر لا يحل أكله لأنه حال إصابة الثاني غير ممتنع فلا يحل بذكاة الاضطرار فصار كما إذا رماه الثاني بعدما أثخنه الأول قلنا : عند رمي الثاني هو صيد ممتنع فوقع رميه ذكاة ولهذا تشترط التسمية عند الرمي فكذا الامتناع يعتبر عنده إلا أن الملك يثبت للأول لأن سهمه أخرجه عن حيز الامتناع فملكه به قبل أن يقتل بسهم الثاني .

فحاصله أن المعتبر في حق الحل والضمان وقت الرمي ; لأن الرمي إلى صيد مباح فلا ينعقد سببا لوجوب الضمان فلا ينقلب موجبا بعد ذلك وهو ذكاة فيحل المصاب لأن الحل يحصل بفعله ، وفعله هو الرمي والإرسال فيعتبر وقته وفي حق الملك يعتبر وقت الإثخان ; لأن به يثبت الملك وزفر يعتبر وقت الإثخان فيهما ولو رمياه معا ، وأصاباه معا فمات منهما فهو بينهما لاستوائهما في السبب والبازي والكلب في هذا كالسهم حتى يملكه بإثخانه ولا يعتبر إمساكه بدون الإثخان حتى لو أرسل بازيه فأمسك الصيد بمخلبه ولم يثخنه ، وأرسل الآخر بازيه فقتل ذلك الصيد فإن الصيد للثاني وحل ; لأن يد البازي الأول ليست يدا حافظة لتقام مقام يد المالك أما القتل فهو إتلاف والبازي من أهل الإتلاف فينقل إلى صاحبه ولو رمى سهما فأصاب الصيد فأثخنه ثم رماه ثانيا فقتله حرم لما بينا .

قال رحمه الله : ( وحل اصطياد ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل ) لقوله تعالى { وإذا حللتم فاصطادوا } مطلقا من غير قيد بالمأكول ، إذ الصيد لا يختص بالمأكول قال الشاعر

صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدك الأبطال

ولأن الاصطياد سبب الانتفاع بجلده أو ريشه أو شعره أو لاستدفاع شره ، وكل ذلك مشروع والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث