الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن

المسألة الثانية : اختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام هل رأى الجن أم لا ؟ .

فالقول الأول : وهو مذهب ابن عباس أنه عليه السلام ما رآهم ، قال : إن الجن كانوا يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة , فلما بعث الله محمدا عليه السلام حرست السماء ، وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء , وأرسلت الشهب عليهم فرجعوا إلى إبليس وأخبروه بالقصة فقال : لا بد لهذا من سبب فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها واطلبوا السبب , فوصل جمع من أولئك الطالبين إلى تهامة فرأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر , فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا : هذا والله هو الذي حال بينكم وبين خبر السماء , فهناك رجعوا إلى قومهم وقالوا : يا قومنا ( إنا ) [ ص: 135 ] ( سمعنا قرآنا عجبا ) فأخبر الله تعالى محمدا عليه السلام عن ذلك الغيب وقال : ( قل أوحي إلي ) كذا وكذا ، قال : وفي هذا دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن ؛ إذ لو رآهم لما أسند معرفة هذه الواقعة إلى الوحي, فإن ما عرف وجوده بالمشاهدة لا يسند إثباته إلى الوحي ، فإن قيل : الذين رموا بالشهب هم الشياطين, والذين سمعوا القرآن هم الجن فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : فيه وجهان :

الأول : أن الجن كانوا مع الشياطين فلما رمي الشياطين أخذ الجن الذين كانوا معهم في تجسس الخبر .

الثاني : أن الذين رموا بالشهب كانوا من الجن إلا أنه قيل لهم شياطين كما قيل شياطين الجن والإنس, فإن الشيطان كل متمرد بعيد عن طاعة الله ، واختلفوا في أن أولئك الجن الذين سمعوا القرآن من هم ؟ فروى عاصم عن أبي ذر قال : قدم رهط زوبعة وأصحابه مكة على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم, ثم انصرفوا فذلك قوله : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ) [الأحقاف : 29] وقيل : كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عددا, وعامة جنود إبليس منهم .

القول الثاني : وهو مذهب ابن مسعود أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم, ويدعوهم إلى الإسلام ، قال ابن مسعود : قال عليه الصلاة والسلام : " أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي ؟ فسكتوا ، ثم قال الثانية فسكتوا ، ثم قال الثالثة ، فقال عبد الله قلت : أنا أذهب معك يا رسول الله قال : فانطلق حتى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي دب ، خط علي خطا فقال : لا تجاوزه ، ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل كأنهم رجال الزط يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه ، فغاب عن بصري فقمت ، فأومأ إلي بيده أن اجلس ، ثم تلا القرآن ، فلم يزل صوته يرتفع ، ولصقوا بالأرض حتى صرت أسمع صوتهم ولا أراهم " .

وفي رواية أخرى " فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنت ؟ قال : أنا نبي الله ، قالوا : فمن يشهد لك على ذلك ؟ قال : هذه الشجرة ، تعالي يا شجرة ، فجاءت تجر عروقها لها قعاقع حتى انصبت بين يديه ، فقال على ماذا تشهدين لي ؟ قالت : أشهد أنك رسول الله ، قال : اذهبي ، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت . قال ابن مسعود : فلما عاد إلي ، قال : أردت أن تأتيني ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : ما كان ذلك لك ، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ، ثم ولوا إلى قومهم منذرين ، فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر ، فلا يستطيبن أحد بعظم ولا بعر .

واعلم أنه لا سبيل إلى تكذيب الروايات ، وطريق التوفيق بين مذهب ابن عباس ومذهب ابن مسعود من وجوه :

أحدها : لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولا ، فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورة ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك ، كما روى ابن مسعود .

وثانيها : أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة ، إلا أنه عليه السلام أمر بالذهاب إليهم ، وقراءة القرآن عليهم ، إلا أنه عليه السلام ما عرف أنهم ماذا قالوا ، وأي شيء فعلوا ، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وقالوا كذا .

وثالثها : أن الواقعة كانت مرة واحدة ، وهو عليه السلام رآهم وسمع كلامهم ، وهم آمنوا به ، ثم لما رجعوا إلى قومهم قالوا لقومهم على سبيل الحكاية : ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) وكان كذا وكذا ، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم ، وإذا كانت هذه الوجوه محتملة فلا سبيل إلى التكذيب .

[ ص: 136 ] المسألة الثالثة : اعلم أن قوله تعالى : ( قل ) أمر منه تعالى لرسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى الله في واقعة الجن ، وفيه فوائد :

إحداها : أن يعرفوا بذلك أنه عليه السلام كما بعث إلى الإنس ، فقد بعث إلى الجن .

وثانيها : أن يعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه ، فآمنوا بالرسول .

وثالثها : أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس .

ورابعها : أن يعلم أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا .

وخامسها : أن يظهر أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان ، وفي كل هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس .

المسألة الرابعة : الإيحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء كالإلهام وإنزال الملك, ويكون ذلك في سرعة من قولهم : الوحي الوحي, والقراءة المشهورة : أوحي بالألف ، وفي رواية يونس وهارون ، عن أبي عمرو "وحي" بضم الواو بغير ألف وهما لغتان ، يقال : وحي إليه وأوحي إليه, وقرئ أحي بالهمز من غير واو ، وأصله وحي ، فقلبت الواو همزة كما يقال أعد وأذن ( وإذا الرسل أقتت ) [المرسلات : 11] وقوله تعالى : ( أنه استمع نفر من الجن ) فيه مسائل :

المسألة الأولى : أجمعوا على أن قوله : ( أنه استمع ) بالفتح وذلك لأنه نائب فاعل أوحي فهو كقوله : ( وأوحي إلي هذا القرآن ) [الأنعام : 19] وأجمعوا على كسر إنا في قوله : ( إنا سمعنا ) لأنه مبتدأ محكي بعد القول ، ثم ههنا قراءتان :

إحداهما : أن نحمل البواقي على الموضعين اللذين بينا أنهم أجمعوا عليهما فما كان من الوحي فتح ، وما كان من قول الجن كسر ، وكلها من قول الجن إلا الآخرين وهما قوله : ( وأن المساجد لله ) [الجن : 18] ( وأنه لما قام ) [الجن : 19] .

وثانيهما : فتح الكل, والتقدير : ( فآمنا به ) وآمنا بأنه تعالى ( جد ربنا ) وبأنه كان يقول سفيهنا وكذا البواقي ، فإن قيل : ههنا إشكال من وجهين :

أحدهما : أنه يقبح إضافة الإيمان إلى بعض هذه السورة فإنه يقبح أن يقال : وآمنا بأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا .

والثاني : وهو أنه لا يعطف على الهاء المخفوضة إلا بإظهار الخافض, لا يقال : آمنا به وزيد ، بل يقال : آمنا به وبزيد ( والجواب ) عن الإشكالين أنا إذا حملنا قوله آمنا على معنى صدقنا وشهدنا زال الإشكالان .

المسألة الثانية : نفر من الجن جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة, روي أن ذلك النفر كانوا يهودا ، وذكر الحسن أن فيهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين ، ثم اعلم أن الجن حكوا أشياء :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث