الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا .

جانبان مستضعفان في الجاهلية : اليتيم ، والمرأة . وحقان مغبون فيهما أصحابهما : مال الأيتام ، ومال النساء ، فلذلك حرسهما القرآن أشد الحراسة فابتدأ بالوصاية بحق مال اليتيم وثنى بالوصاية بحق المرأة في مال ينجر إليها لا محالة ، وكان توسط حكم النكاح بين الوصايتين أحسن مناسبة تهيئ لعطف هذا الكلام .

فقوله وآتوا النساء عطف على قوله وآتوا اليتامى أموالهم والقول في معنى الإيتاء فيه سواء . وزاده اتصالا بالكلام السابق أن ما قبله جرى على وجوب القسط في يتامى النساء ، فكان ذلك مناسبة الانتقال . والمخاطب بالأمر في أمثال هذا كل من له نصيب في العمل بذلك ، فهو خطاب لعموم الأمة على معنى تناوله لكل من له فيه يد من الأزواج والأولياء ثم ولاة الأمور الذين إليهم المرجع في الضرب على أيدي ظلمة الحقوق أربابها . والمقصود بالخطاب ابتداء هم الأزواج ، [ ص: 230 ] لكيلا يتذرعوا بحياء النساء وضعفهن وطلبهن مرضاتهم إلى غمص حقوقهن في أكل مهورهن ، أو يجعلوا حاجتهن للتزوج لأجل إيجاد كافل لهن ذريعة لإسقاط المهر في النكاح ، فهذا ما يمكن في أكل مهورهن ، وإلا فلهن أولياء يطالبون الأزواج بتعيين المهور ، ولكن دون الوصول إلى ولاة الأمور متاعب وكلف قد يملها صاحب الحق فيترك طلبه ، وخاصة النساء ذوات الأزواج . وإلى كون الخطاب للأزواج ذهب ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ، وابن جريج ، فالآية على هذا قررت دفع المهور وجعلته شرعا ، فصار المهر ركنا من أركان النكاح في الإسلام ، وقد تقرر في عدة آيات كقوله فآتوهن أجورهن فريضة وغير ذلك .

والمهر علامة معروفة للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة ، لكنهم في الجاهلية كان الزوج يعطي مالا لولي المرأة ويسمونه حلوانا - بضم الحاء - ولا تأخذ المرأة شيئا ، فأبطل الله ذلك في الإسلام بأن جعل المال للمرأة بقوله وآتوا النساء صدقاتهن .

وقال جماعة : الخطاب للأولياء ، ونقل ذلك عن أبي صالح قال : لأن عادة بعض العرب أن يأكل ولي المرأة مهرها فرفع الله ذلك بالإسلام . وعن الحضرمي : خاطبت الآية المتشاغرين الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى ، ولعل هذا أخذ بدلالة الإشارة وليس صريح اللفظ ، وكل ذلك مما يحتمله عموم النساء وعموم الصدقات .

والصدقات جمع صدقة - بضم الدال - والصدقة : مهر المرأة ، مشتقة من الصدق لأنها عطية يسبقها الوعد بها فيصدقه المعطي .

والنحلة - بكسر النون - العطية بلا قصد عوض ، ويقال نحل بضم فسكون .

وانتصب " نحلة " على الحال من صدقاتهن ، وإنما صح مجيء الحال مفردة وصاحبها جمع لأن المراد بهذا المفرد الجنس الصالح للأفراد كلها ، ويجوز أن يكون نحلة منصوبا على المصدرية لـ " آتوا " لبيان النوع من الإيتاء أي إعطاء كرامة .

وسميت الصدقات نحلة إبعادا للصدقات عن أنواع الأعواض ، وتقريبا بها إلى الهدية ، إذ ليس الصداق عوضا عن منافع المرأة عند التحقيق ، فإن النكاح عقد بين [ ص: 231 ] الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة ، وإيجاد آصرة عظيمة ، وتبادل حقوق بين الزوجين ، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي ، ولو جعل لكان عوضها جزيلا ومتجددا بتجدد المنافع ، وامتداد أزمانها ، شأن الأعواض كلها ، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراما لزوجاتهم ، وإنما أوجبه الله لأنه تقرر أنه الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح ، إذ كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره ، فكان هذا الاختصاص ينال بالقوة ، ثم اعتاض الناس عن القوة بذل الأثمان لأولياء النساء ببيعهن بناتهن ومولياتهن ، ثم ارتقى التشريع وكمل عقد النكاح ، وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في شئونه وبقيت الصدقات أمارات على ذلك الاختصاص القديم تميز عقد النكاح عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعا وعادة ، وكانت المعاشرة على غير وجه النكاح خالية عن بذل المال للأولياء إذ كانت تنشأ عن الحب أو الشهوة من الرجل للمرأة على انفراد وخفية من أهلها ، فمن ذلك الزنى الموقت ، ومنه المخادنة ، فهي زنا مستمر ، وأشار إليها القرآن في قوله محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معينة ، وهو الذي ذكر الله النهي عنه بقوله ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا وهنالك معاشرات أخرى ، مثل الضماد وهو أن تتخذ ذات الزوج رجلا خليلا لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها ، فلأجل ذلك سمى الله الصداق نحلة ، فأبعد الذين فسروها بلازم معناها فجعلوها كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات ، والذين فسروها بأنها عطية من الله للنساء فرضها لهن ، والذين فسروها بمعنى الشرع الذي ينتحل أي يتبع .

وقوله فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا الآية أي فإن طابت أنفسهن لكم بشيء منه أي المذكور . وأفرد ضمير " منه " لتأويله بالمذكور حملا على اسم الإشارة كما قال رؤبة :


فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق

فقال له أبو عبيدة : إما أن تقول : كأنها إن أردت الخطوط ، وإما أن تقول : كأنهما إن أردت السواد والبلق فقال : أردت كأن ذلك ، ويلك ! ! أي أجرى الضمير كما [ ص: 232 ] يجرى اسم الإشارة . وقد تقدم عند قوله تعالى عوان بين ذلك في سورة البقرة . وسيأتي الكلام على ضمير مثله عند قوله تعالى ومثله معه ليفتدوا به في سورة العقود .

وجيء بلفظ " نفسا " مفردا مع أنه تمييز نسبة " طبن " إلى ضمير جماعة النساء لأن التمييز اسم جنس نكرة يستوي فيه المفرد والجمع . وأسند الطيب إلى ذوات النساء ابتداء ثم جيء بالتمييز للدلالة على قوة هذا الطيب على ما هو مقرر في علم المعاني : من الفرق بين واشتعل الرأس شيبا وبين اشتعل شيب رأسي ، ليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإلجاء .

وحقيقة فعل طاب اتصاف الشيء بالملاءمة للنفس ، وأصله طيب الرائحة لحسن مشمومها ، ، وطيب الريح موافقتها للسائر في البحر وجرين بهم بريح طيبة . ومنه أيضا ما ترضى به النفس كما تقدم في قوله تعالى يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ثم استعير لما يزكو بين جنسه كقوله ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ومنه فعل طبن لكم عن شيء منه نفسا هنا أي رضين بإعطائه دون حرج ولا عسف ، فهو استعارة .

وقوله فكلوه استعمل الأكل هنا في معنى الانتفاع الذي لا رجوع فيه لصاحب الشيء المنتفع به ، أي في معنى تمام التملك . وأصل الأكل في كلامهم يستعار للاستيلاء على مال الغير استيلاء لا رجوع فيه ، لأن الأكل أشد أنواع الانتفاع حائلا بين الشيء وبين رجوعه إلى مستحقه . ولكنه أطلق هنا على الانتفاع لأجل المشاكلة مع قوله السابق ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم فتلك محسن الاستعارة .

و " هنيئا مريئا " حالان من الضمير المنصوب وهما صفتان مشبهتان من هنا وهنئ بفتح النون وكسرها بمعنى ساغ ولم يعقب نغصا . والمريء من مرو الطعام - مثلث الراء - بمعنى هنئ ، فهو تأكيد يشبه الاتباع . وقيل : الهنيء الذي يلذه الآكل والمريء ما تحمد عاقبته . وهذان الوصفان يجوز كونهما ترشيحا لاستعارة " كلوه " بمعنى خذوه أخذ ملك ، ويجوز كونهما مستعملين في انتفاء التبعة عن الأزواج في أخذ ما طابت لهم به نفوس أزواجهم ، أي حلالا مباحا ، أو حلالا لا غرم فيه .

[ ص: 233 ] وإنما قال " عن شيء منه " فجيء بحرف التبعيض إشارة إلى أن الشأن أن لا يعرى العقد عن الصداق ، فلا تسقطه كله إلا أن الفقهاء لما تأولوا ظاهر الآية من التبعيض ، وجعلوا هبة جميع الصداق كهبته كله أخذا بأصل العطايا ، لأنها لما قبضته فقد تقرر ملكها إياه ، ولم يأخذ علماء المالكية في هذا بالتهمة لأن مبنى النكاح على المكارمة ، وإلا فإنهم قالوا في مسائل البيع : إن الخارج من اليد ثم الراجع إليها يعتبر كأنه لم يخرج ، وهذا عندنا في المالكات أمر أنفسهن دون المحجورات تخصيصا للآية بغيرها من أدلة الحجر فإن الصغيرات غير داخلات هنا بالإجماع . فدخل التخصيص للآية . وقال جمهور الفقهاء : ذلك للثيب والبكر ، تمسكا بالعموم . وهو ضعيف في حمل الأدلة بعضها على بعض .

واختلف الفقهاء في رجوع المرأة في هبتها بعض صداقها : فقال الجمهور : لا رجوع لها ، وقال شريح ، وعبد الملك بن مروان : لها الرجوع ، لأنها لو طابت نفسها لما رجعت . ورووا أن عمر بن الخطاب كتب إلى قضاته إن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطته ، ثم أرادت أن ترجع فذلك لها وهذا يظهر إذا كان بين العطية وبين الرجوع قريبا ، وحدث من معاملة الزوج بعد العطية خلاف ما يؤذن به حسن المعاشرة السابق للعطية .

وحكم هذه الآية مما أشار إليه قوله تعالى وبث منهما رجالا كثيرا ونساء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث