الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث التاسع دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب

جزء التالي صفحة
السابق

229 [ ص: 68 ] حديث تاسع لابن شهاب ، عن سالم مرسل ، يتصل من وجوه ثابتة .

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله أنه قال : دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب فقال عمر : أية ساعة هذه ؟ قال : يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت . فقال عمر : الوضوء أيضا ، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل .

التالي السابق


هكذا رواه أكثر رواة الموطأ ، عن مالك مرسلا ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، لم يقولوا : عن أبيه . ووصله عن مالك روح بن عبادة وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن طهمان وعثمان بن الحكم الجذامي وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد وعبد الوهاب بن عطاء ويحيى بن مالك بن أنس وعبد الرحمن بن مهدي والوليد بن مسلم وعبد العزيز بن عمران ومحمد بن عمر الواقدي وإسحاق بن إبراهيم الحنيني والقعنبي في رواية [ ص: 69 ] إسماعيل بن إسحاق عنه ، فرووه عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، فأما ( حديث ) روح بن عبادة فحدثناه عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ومحمد بن محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى بن عبد العزيز ، قالوا : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا قاسم بن محمد قال : حدثنا أبو عاصم خشيش بن أصرم قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا مالك ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : بينا عمر بن الخطاب قائم يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل ، فذكر الحديث .

وأما حديث جويرة ، عن مالك ( فذكر إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال : حدثنا جويرة بن أسماء ، عن مالك ) ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب بينا هو قائم للخطبة إذ دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين ، فناداه عمر : أية ساعة هذه ، وذكر الحديث . وكذلك رواه إسماعيل ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه مسندا [ ص: 70 ] حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبيد قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق . فذكر الحديثين جميعا كما ذكرناه سواء . وقد ( روينا ) حديث جويرة ( هذا ) عن نافع ، عن ابن عمر ، ليس فيه ذكر مالك ، ومعلوم أن سماع جويرية من نافع صحيح وإن كان قد روى أيضا ، عن مالك ، عن نافع أحاديث .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن الهيثم قال : حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل إملاء من كتابه قال : حدثنا جويرة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : بينما عمر . فذكر الحديث . وروى هذا الحديث جماعة من أصحاب ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم يوم الجمعة يخطب . الحديث . سواء منهم معمر وأبو أويس وغيرهما ، ويقولون : إن سماع أبي أويس من ابن شهاب مع مالك واحد ، وأن عرضهما كان على ابن شهاب واحدا .

فأما حديث معمر فذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، وأما حديث أبي أويس فحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا [ ص: 71 ] ابن أصبغ قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم قال : حدثنا إبراهيم بن أبي العباس الشامي قال : حدثنا أبو أويس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم للخطبة يوم الجمعة ، فذكر الحديث .

وعند ابن شهاب أيضا في هذا الباب حديث آخر ، عن سالم ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من جاء منكم الجمعة فليغتسل رواه جماعة ، عن ابن شهاب ، منهم معمر وابن عيينة ورواه الزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من جاء منكم الجمعة فليغسل وليس هذا الحديث عند مالك في الموطأ بهذا الإسناد ، وهو عنده ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وهذا الحديث أيضا عند الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : من جاء منكم الجمعة فليغتسل وليس عنده حديث ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أن عمر بينما هو يخطب . وقد يمكن أن يكون ذلك كله حديثا واحدا ، والله أعلم .

[ ص: 72 ] وعند الأوزاعي في هذه القصة حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، حدثناه محمد بن عبد الله ) قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : حدثنا إسحاق بن أبي حسان قال : حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا عبد الحميد بن حبيب قال : حدثنا الأوزاعي قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير قال : حدثنا أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال : بينا عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة فدخل ( عثمان ) بن عفان المسجد فعرض به عمر ، فقال : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ؟ فقال عثمان : يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت . فقال عمر : والوضوء أيضا ، أولم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أراد أحدكم الجمعة فليغتسل؟ ففي هذا الحديث أن الرجل عثمان بن عفان ، ولا أعلم خلافا بين أهل العلم بالحديث والسير في ذلك أنه عثمان بن عفان ، وكذلك قال مالك في سماع ابن القاسم منه . وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب بينا هو قائم يوم الجمعة يخطب فدخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فناداه عمر : أية ساعة هذه ؟ فقال : ( إني ) شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء ، فلم [ ص: 73 ] أزد أن توضأت . فقال عمر : والوضوء أيضا ، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل . قال معمر : الرجل هو عثمان بن عفان .

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ( قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن محمد البري قال : حدثنا أبو معمر قال : حدثنا عبد الوارث ) ، عن حسين ( ح ) وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا ابن داسة قال : حدثنا سليمان بن الأشعث قال : حدثنا أبو ( توبة ) الربيع بن نافع قال : حدثنا معاوية ، جميعا ، عن يحيى - يعني ابن أبي كثير - قال : أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة أخبره أن عمر بن الخطاب بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر : أتحتبسون عن الصلاة ؟ فقال الرجل : ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت . فقال عمر : والوضوء أيضا ، ألم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل ؟

[ ص: 74 ] وقرأت على سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال : حدثنا محمد بن سابق قال : حدثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان ، فذكر الحديث . وقد روى هذا الخبر ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال : حدثنا محمد بن العباس الحلبي قال : حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري قال : حدثنا محمد بن أبي عمر العدني قال : حدثنا بشر بن السري ، عن عمر بن الوليد الشني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ) قال : جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يلهو أحدكم حتى إذا كادت الجمعة تفوته جاء يتخطى رقاب الناس يؤذيهم ؟ فقال : ما فعلت يا رسول الله ولكن كنت راقدا ثم استيقظت فقمت وتوضأت ثم أقبلت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أويوم الجمعة وضوء ؟ هكذا حدثت به مرفوعا ، وهو عندي وهم لا أدري ( ممن والله أعلم ) وإنما القصة محفوظة لعمر لا للنبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 75 ] وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن دينار أن عكرمة مولى ابن عباس أخبره أن عثمان بن عفان جاء وعمر يخطب يوم الجمعة فذكر الحديثين ، كحديث ابن عمر وأبي هريرة بمعنى واحد .

قال أبو عمر : أما قوله في هذا الحديث : أية ساعة هذه ؟ فلم يرد الاستفهام وإنما هو توبيخ في لفظ الاستفهام ، معروف في لسان العرب ، تقول إذا أنكرت القول أو الفعل : أي شيء هذا ؟ ومنه قول عمر أيضا لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة : أنت قائل : لمكة خير من المدينة ؟ وأما قوله : يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق . فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من دعي بأمير المؤمنين ، وإنما كان يقال لأبي بكر رضي الله عنه : خليفة رسول الله ، وكان يقال لعمر : خليفة أبي بكر حتى تسمي بهذا الاسم .

وكان السبب في ذلك ما حدثناه أبو القاسم خلف بن القاسم حدثنا أبو أحمد الحسين بن جعفر الزيات قال : حدثنا أبو زكرياء يحيى بن أيوب بن بادي العلاف ( ح ) وحدثنا [ ص: 76 ] إبراهيم بن شاكر قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال : حدثنا سعيد بن عثمان قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قالا : حدثنا عمرو بن خالد قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة ، عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن ( أبي ) حثمة : لأي شيء كان أبو بكر يكتب : من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان عمر يكتب : من خليفة أبي بكر ؟ ومن أول من كتب : عبد الله أمير المؤمنين ؟ فقال : حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات الأول أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق : ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله . فبعث إليه عامل العراق بلبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم ، فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد [ ص: 77 ] فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا له : استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين . فقال عمرو : أنتما أصبتما اسمه ، نحن المؤمنون وهو أميرنا . فوثب عمرو ( فدخل ) فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال عمر : وما بدا لك يا ابن العاصي في هذا الاسم ربي يعلم لتخرجن مما قلت . فقال : إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فقالا لي استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين ، فهما والله أصابا اسمك أنت الأمير ونحن المؤمنون . قال فجرى الكتاب من يومئذ . قال يعقوب : وكانت الشفاء جدة أبي بكر بن سليمان .

وفي الحديث في هذا الباب ( أيضا ) شهود الخيار والفضلاء السوق ومعناه التجر فيه ، وهكذا كان المهاجرون يعانون المتاجر ؛ لأنه لم يكن لهم حيطان ولا غلات يعتمرونها إلا بعد حين ، وكانت الأنصار ينظرون في أموالهم ويعتمرونها ، وفي هذا كله دليل على طلب الرزق والتعرض له والتحرف ، وفيه أن السوق يوم الجمعة لم يكن الناس يمنعونه ، ومن تجر فيه إلى وقت النداء فإن ذلك مباح إلى ذلك الوقت ؛ لأن الله تعالى إنما أمر بترك البيع وبطلان المتاجر بعد سماع النداء للسعي إلى ذكر الله لا لغير ذلك .

[ ص: 78 ] قال ابن القاسم : قال مالك : لا أرى أن يمنع أحد الأسواق يوم الجمعة ; لأنها كانت قائمة في زمن عمر بن الخطاب في ذلك الوقت . قال : والذاهب إلى السوق عثمان ، قيل له : أيمنع الناس السوق قبل الأذان يوم الجمعة ؟ قال : لا .

وفيه دليل على أن من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكون الوجوب فرضا ، وهذا معروف في القرآن والسنة في أوامر الله وأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام ، وقد أكثر الناس في كتب الأصول من إيضاح ذلك ، فكرهت ذكره هاهنا .

ومن الدليل على أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل يوم الجمعة ليس بفرض واجب - أن عمر في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل ، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك ، ولو كان الغسل واجبا فرضا للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به ، كما لا تجزئ الصلاة إلا بوضوء للمحدث أو بالغسل للجنب ، ولو كان كذلك ما جهله عمر ولا عثمان .

وفي هذا كله ما يوضح لك أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري ، وحديث أبي هريرة : غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة ، وتفسيره [ ص: 79 ] أنه وجوب سنة واستحباب وفضيلة . وأن قوله : كغسل الجنابة أراد به الهيئة والحال والكيفية ، فمن هذا الوجه وقع التشبيه بغسل الجنابة لا من جهة الوجوب ، فافهم .

حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال هدبة قال : حدثنا همام ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من توضأ للجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل وقد ذكرنا شرح ( لفظ ) هذا الحديث ، عن أهل اللغة في باب صفوان بن سليم ، وقد أجمع المسلمون قديما وحديثا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب ، وفي ذلك ما يكفي ويغني ، عن الإكثار ، ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة ومعنى الكتاب ، وهذا مفهوم عند ذوي الألباب ، إلا أن العلماء مع إجماعهم على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب اختلفوا فيه : هل هو سنة مسنونة للأمة أم هو استحباب وفضل ، أو كان لعلة فارتفعت وليس بسنة ، فذهب مالك والثوري وجماعة من أهل العلم أن غسل الجمعة [ ص: 80 ] سنة مؤكدة ؛ لأنها قد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده والمسلمون ، فاستحبوها وندبوا إليها ، وهذا سبيل السنن المذكورة ، فمن حجة من ذهب هذا المذهب : حديث ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من جاء منكم الجمعة فليغتسل رواه سالم ونافع ، عن ابن عمر ، وهذا الأمر عندهم على الندب كما ذكرنا . ومما يدل على أنه على الندب حديث سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة وفي معنى حديث سمي في هذا الحديث ، حديث أوس بن أوس الثقفي ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي ، وآثار كثيرة تدل على فضله وتندب إليه ، ومثل حديث ابن عمر " من جاء منكم الجمعة فليغتسل " حديث ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع وهو على المنبر : يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا ، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه ، وعليكم بالسواك فقد أمرهم في هذا الحديث [ ص: 81 ] بالغسل وأخذ الطيب والسواك ، وليس واحد منهما واجبا فعله فرضا ، وكل ذلك حسن معروف مرغوب فيه مندوب إليه ، وقد اختلف عن مالك في هذا الحديث ، وسنذكر ذلك في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله .

ومثل ذلك من الآثار في غسل الجمعة ما رواه ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال وبكير بن الأشج ، عن أبي بكر بن المنكدر ، عن عمرو بن سليم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه ؛ ذكره النسائي وأبو داود جميعا ، عن محمد بن سلمة المرادي ، عن ابن وهب . ومثله أيضا حديث بكير بن الأشج وعثمان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : على كل محتلم رواح إلى الجمعة ، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل ؛ ذكره أبو داود .

ومثله أيضا ما رواه مفضل بن فضالة ، عن يحيى بن أيوب ، عن خالد بن يزيد ، عن عبد الله بن مسرور ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على من راح إلى الجمعة الغسل كما يغتسل من الجنابة .

[ ص: 82 ] حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أبو الأحوص قال : حدثنا فضالة بن مفضل بن فضالة قال : حدثني أبي ، فذكره . وحديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحو ذلك أيضا . حدثناه محمد بن إبراهيم قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : حدثنا أحمد بن شعيب قال : حدثنا حميد بن مسعدة قال : حدثنا بشر قال : حدثنا داود وهو ابن أبي هند ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة فهذه الآثار كلها تدل على وجوب سنة ؛ لما قدمنا من دليل حديث عمر وعثمان المذكور في هذا الباب ، ودليل الإجماع وغير ذلك مما ذكرنا . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : سألت عطاء فقلت له : الغسل يوم الجمعة واجب ؟ قال : نعم ومن تركه فليس بآثم . وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب وجوب سنة ، وليس بسنة وأن الطيب يغني عنه ، وأن الأمر به إنما كان لعلة قد زالت ، واحتجوا بأن ابن عمر روى هذا الحديث في الأمر بغسل الجمعة وفسره بهذا التفسير .

[ ص: 83 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن غالب التمتام قال : حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي بالموصل قال : حدثنا يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن أمية ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كان الناس يغدون في أعمالهم فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب رديئة وألوانها متغيرة ، قال : فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل وليتخذ ثوبين سوى ثوبي مهنته .

وذكر مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان لا يروح إلى الجمعة إلا ادهن وتطيب ، إلا أن يكون حراما ، ولم يذكر الغسل . وهذه عائشة رضي الله عنها روت في ذلك ما ذكرنا عنها ، وروي عنها أيضا أنها قالت : يغتسل من أربع : من الجنابة والجمعة والحجامة وغسل الميت . وهو حديث ليس بالقوي ، وكانت تذهب في غسل الجمعة إلى أنه ليس بواجب ، وتذكر في العلة ما ذكر ابن عمر .

أخبرنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : كان [ ص: 84 ] الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم ، قيل لهم : لو اغتسلتم ؟

وذكر الشافعي وعبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : إنما كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يروحون بهيئتهم ، فقيل لهم : لو اغتسلتم ؟

وحدثنا أحمد بن قاسم قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا الفضل بن دكين قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، مثله سواء .

وحدثنا محمد بن إبراهيم قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : حدثنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا محمود بن خالد ، عن الوليد قال : حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر ، أنه سمع القاسم بن محمد بن أبي بكر ، أنهم ذكروا غسل يوم الجمعة عند عائشة فقالت : إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ ، فإذا أصابهم الروح سطعت أرواحهم فتأذى بهم الناس ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أولا يغتسلون ؟

[ ص: 85 ] وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا عبد الله بن روح المدائني ، أخبرنا شبابة بن سوار قال : حدثنا أبو زيد قال : حدثنا القاسم بن محمد ، عن عائشة أنه ذكر عندها غسل يوم الجمعة فقالت : سبحان الله إنما كان الناس يسكنون العالية ، فذكر مثله .

وجاء عن ابن عباس في ذلك كالذي جاء عن ابن عمر وعائشة : أخبرني عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عمرو بن ( أبي ) عمرو ، وعن عكرمة أن ناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا : يا ابن عباس الغسل يوم الجمعة واجب ؟ قال : لا ؛ ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل ، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب ، وسأخبرك كيف كان ( بدء ) الغسل ، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم ، وكان مسجدهم ضيقا متقارب السقف إنما هو عريش ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار [ ص: 86 ] وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضا ، فلما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الريح قال : أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم وذهب ( بعض ) الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق .

وحدثنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعيد قال : حدثنا أحمد بن عمرو قال : حدثنا محمد بن سنجر قال : حدثنا خالد بن مخلد قال : حدثني سليمان بن بلال قال : حدثني عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الغسل يوم الجمعة ليس بواجب ، ومن اغتسل فهو خير وأطهر ، ثم قال : كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يلبسون الصوف وكان المسجد ضيقا متقارب السقف ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في يوم صائف شديد الحر ومنبره صغير إنما هو ثلاث درجات فخطب الناس فعرق الناس في الصوف فصار يؤذي بعضهم بعضا حتى بلغت أرواحهم رسول [ ص: 87 ] الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، فقال : يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أطيب ما يجد من طيبه أو دهنه .

وأبو سعيد الخدري روى وجوب غسل الجمعة . وقد روينا عنه ما يدل على أنه ليس بواجب . ذكر عبد الرزاق ، عن عمر بن راشد ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة قال : سمعت أبي سعيد يقول : ثلاث هن على كل مسلم في يوم الجمعة : الغسل والسواك ويمس طيبا إن وجد . ومعلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين ، فكذلك الغسل .

وروينا عنه - مرفوعا أيضا - ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن قال : حدثنا صالح بن مالك قال : حدثنا الربيع بن بدر ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أتى الجمعة فتوضأ فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل وهذا الحديث ذكره عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن رجل ، عن أبي نضرة ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

[ ص: 88 ] وقد روى يزيد بن أبان الرقاشي ، عن أنس ( ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ) مثله ، ورواه قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحديث الحسن ، عن سمرة وإن كان الحسن لم يسمع من سمرة - فيما يقولون - إلا حديث العقيقة ( أحسنها ) إسنادا ، وقد نقل أنه سمع من سمرة غير حديث العقيقة ) وإلى هذا ذهب البخاري . وقوله صلى الله عليه وسلم : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل بيان واضح على سقوط وجوبه وأنه فضيلة وسنة مستحبة ، وكان الشافعي يقول : إنه سنة ، ويحتج بحديث سمرة ومن تابعه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير وجوبه . وبقول عائشة وما أشبهه . ومن أثبت حديث ( في ) سقوط غسل الجمعة وهو حديث لم يختلفوا في صحة إسناده : ما حدثناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت [ ص: 89 ] غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ، ومن مس الحصا فقد لغا وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : ما كانوا يرون غسلا واجبا إلا غسل الجنابة ، وكانوا يستحبون غسل الجمعة . قال عبد الرزاق : وأخبرنا الثوري ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال : حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما : يوم الجمعة ، وأن يستن وأن يصيب من طيب أهله .

قال عبد الرزاق : وهو أحب القولين إلى سفيان ، يقول : هو واجب ، يعني وجوب سنة .

وذكر عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن مسعر ، عن وبرة ، عن همام بن الحارث ، عن ابن مسعود أن الغسل يوم الجمعة سنة ، وهذا أولى ما قيل ( به ) في هذا الباب . وبالله التوفيق وهو المستعان



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث