الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه

ولما عرف من هذا أن المعاتب المنبئة ومن نباته، وكان قد يكون عددا أشار إلى أنه واحد فالمعاتب اثنتان، وكانتا قد اتسعت قلوبهما لما يأتي من قبل الله من الرغائب [ بهذا العتاب على هذا الأمر الخفي جدا والكرم عليهما فيه بعدم الاستقصاء فمالت قلوبهما إلى المعالي وغاصت على جليل المعارف فصاغت من جواهر ذلك دقيق المعاني، لفت إليهما الخطاب بلطيف العباد -] لشريف المتاب، فقال تشريفا آخر له صلى الله عليه وسلم بالإقبال على نسائه رضي الله تعالى عنهن بالعتاب لأجله قياما عنه بما ربما أزعجه لو باشره حفظا لخاطره الشريف مما قد يغره إن تتوبا أي يا عائشة ويا حفصة مما صنعته حفصة بالإفشاء وعائشة بالاحتيال على المنع من شرب العسل والتحليف على مارية إلى الله أي الملك الذي أحاط علمه فجلت قدرته ولطف بهما لأجله صلى الله عليه وسلم غاية اللطف في قوله: فقد صغت أي مالت وغاضت بما صاغت قلوبكما وفي جمع القلوب جمع كثرة تأكيد لما فهمته من ميل القلب بكثرة المعارف بما أفادهما إظهار هذا السر والعتاب عليه من الحياء، فصارتا جديرتين بالمبادرة إلى التوبة متأهلتين لذلك غاية التأهل.

ولما أورد ما صارتا حقيقيتين به بأداة الشك إقامة للسامع بين [ ص: 189 ] الخوف والرجاء من ذلك وهو أعلم مما يكون أكمل ذلك بذكر شق الخوف، فقال معلما بأن الملك وأوليائه أنصار له وإن تظاهرا بالتشديد للإدغام في قراءة الجماعة لأن النظر هنا إن وقع كان على وجه الخفاء في أعمال الحيلة في أمر مارية رضي الله عنها والعسل وما يأتي من مثل ذلك ما يبعث عليه الغيرة عليه أي النبي صلى الله عليه وسلم المنبأ من قبل الله بما يرفع قدره ويعلي ذكره، وقراءة الكوفيين بالتخفيف بإسقاط إحدى التاءين إشارة إلى سهولة أمر هذه المظاهرة وقلة أذاها له صلى الله عليه وسلم.

ولما كان المعنى كأنه لا يبالي بمظاهرة كما عبر عنه بعلته، فقال مؤكدا إعلاما بأن حال المتظاهرين عليه حال المنكر لمضمون الكلام: فإن الله أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له هو أي بنفسه الأقدس وحضرة غيب غيبه التي لا يقوم لما لها من العظمة شيء مولاه أي ناصره والمتولي من أمره ما يتولاه القريب الصديق القادر وكل من له وعي يعلم كفايته سبحانه في ذلك فهو يعمل أبلغ ما يعمله مولى مع من هو متول لأمره وفي معاونته لنبيه صلى الله عليه وسلم إظهار [ ص: 190 ] لشرفه ومراعاة لحفظ خاطره وشرح لصدره.

ولما كانت النفوس لمبنى هذه الدار على حكمة الأسباب مؤكلة بها ناظرة أتم نظر إليها، وكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام وكثرة تردده إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن ويعلمهن قد صار عندهن بذلك من الأسباب الظاهرة المألوفة، وكان هو أعظم أنصار النبي صلى الله عليه وسلم قال: وجبريل لأنه من أعظم الأسباب التي يقيمها الله سبحانه.

ولما كان الحامل على مظاهرته صلى الله عليه وسلم على [ كل -] ما يريده الإيمان فكل ما كان الإنسان فيه أمكن [ كان -] له أشد مظاهرة وأعون قال: وصالح المؤمنين أي الراسخين في رتبة الإيمان والصلاح من الإنس والجن وأبواهما رضي الله عنهما أعظم مراد بهذا، وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أمرتني لأضربن عنقها، والصالح وإن كان لفظه مفردا فمعناه الجمع المستغرق لأنه للجنس، ودل على ذلك مع دلالة السياق إضافته للجمع ولعله عبر بالإفراد مع أن هذا المراد للإشارة إلى قلة المتصف بهذا [ ص: 191 ] جدا لقلة الراسخين في الإيمان وقلة الراسخين في الصلاح من الراسخين في الإيمان فهو قليل من قليل و[ قد -] جوز بعضهم أن يكون جمعا وأنه حذفت واوه في الرسم على خلاف القياس وهي محذوفة في الوصل لالتقاء الساكنين، فظن لذلك مفردا ودخل في ذلك جبريل عليه السلام أيضا.

ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أعطى الملائكة من القوى والتصرف في الظواهر والبواطن ما يجل عن الوصف، قال تعظيما للمقام بعد تعظيمه بما ذكر من رئيس الكروبيين عليهم الصلاة والسلام والملائكة أي كلهم ومنهم جبريل عليهم الصلاة والسلام فهو مذكور خصوصا وعموما ثلاث مرات إظهارا لشدة محبته وموالاته للنبي صلى الله عليه وسلم. ولما كان المراد التعميم في الزمان والمكان بعد التعميم في الصالحين من الملائكة والإنس والجان، قال من غير جار معظما لنصرة الملائكة لما لهم من العظمة في القلوب لما تقرر لمن باشر منهم العذاب تارة بالرجفة وأخرى بالصعقة وتارة بالخسف وأخرى بغير ذلك، فكيف إذا تصور الآدمي المقيد بالمحسوسات اجتماعهم على ما لهم من الأشكال المهولة بعد ذلك أي الأمر العظيم الذي [ تقدم -] ذكره وهو مظاهرة الله ومن ذكر معه ظهير أخبر عن الجمع باسم الجنس [ ص: 192 ] إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة في المظاهرة، فخوف بهذا كله لأجل المتاب لطفا به صلى الله عليه وسلم وإظهارا لعظمته وفي قصة صاحب ياسين قال وما أنـزلنا على قومه الآية، تحقيرا لقومه وإهانة لهم، ويجوز أن يكون "ظهير" خبر جبريل عليه الصلاة والسلام، وخبر ما بعده محذوف لدلالته عليه أي كذلك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث