الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت

وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين .

[ ص: 264 ] بعد أن بين ميراث ذي الأولاد أو الوالدين وفصله في أحواله حتى حالة ميراث الزوجين ، انتقل هنا إلى ميراث من ليس له ولد ولا والد ، وهو الموروث كلالة ، ولذلك قابل بها ميراث الأبوين .

والكلالة اسم للكلال وهو التعب والإعياء قال الأعشى :


فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من حفي حتى ألاقي محمدا

وهو اسم مصدر لا يثنى ولا يجمع .

ووصفت العرب بالكلالة القرابة غير القربى ، كأنهم جعلوا وصوله لنسب قريبه عن بعد ، فأطلقوا عليه الكلالة على طريق الكناية واستشهدوا له بقول من لم يسموه :


فإن أبا المرء أحمى له     ومولى الكلالة لا يغضب

ثم أطلقوه على إرث البعيد ، وأحسب أن ذلك من مصطلح القرآن إذ لم أره في كلام العرب إلا ما بعد نزول الآية . قال الفرزدق :


ورثتم قناة المجد لا عن كلالة     عن ابني مناف عبد شمس وهاشم

ومنه قولهم : ورث المجد لا عن كلالة . وقد عد الصحابة معنى الكلالة هنا من مشكل القرآن حتى قال عمر بن الخطاب : ثلاث لأن يكون رسول الله بينهن أحب إلي من الدنيا : الكلالة ، والربا ، والخلافة . وقال أبو بكر أقول فيها برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء ، الكلالة ما خلا الولد والوالد . وهذا قول عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وقال به الزهري ، وقتادة والشعبي ، وهو قول الجمهور ، وحكي الإجماع عليه ، وروي عن ابن عباس الكلالة من لا ولد له ، أي ولو كان له والد وينسب ذلك لأبي بكر وعمر أيضا ثم رجعا عنه ، وقد يستدل له بظاهر الآية في آخر السورة يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وسياق الآية يرجح ما ذهب إليه الجمهور لأن ذكرها بعد ميراث الأولاد والأبوين مؤذن بأنها حالة مخالفة للحالين .

[ ص: 265 ] وانتصب قوله كلالة على الحال من الضمير في يورث الذي هو كلالة من وارثه أي قريب غير الأقرب لأن الكلالة يصح أن يوصف بها كلا القريبين .

قوله أو امرأة عطف على رجل الذي هو اسم كان فيشارك المعطوف المعطوف عليه في خبر كان إذ لا يكون لها اسم بدون خبر في حال نقصانها .

قوله وله أخ أو أخت يتعين على قول الجمهور في معنى الكلالة أن يكون المراد بهما الأخ والأخت للأم خاصة لأنه إذا كان الميت لا ولد له ولا والد وقلنا له أخ أو أخت وجعلنا لكل واحد منهما السدس نعلم بحكم ما يشبه دلالة الاقتضاء أنهما الأخ والأخت للأم لأنهما لما كانت نهاية حظهما الثلث فقد بقي الثلثان فلو كان الأخ والأخت هما الشقيقين أو اللذين للأب لاقتضى أنهما أخذا أقل المال وترك الباقي لغيرهما وهل يكون غيرهما أقرب منهما ؟ فتعين أن الأخ والأخت مراد بهما اللذان للأم خاصة ليكون الثلثان للإخوة الأشقاء أو الأعمام أو بني الأعمام . وقد أثبت الله بهذا فرضا للإخوة للأم إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلا ، لأنه جانب نساء ولم يحتج للتنبيه على مصير بقية المال لما قدمنا بيانه آنفا من أن الله تعالى أحال أمر العصابة على ما هو متعارف بين من نزل فيهم القرآن .

على قول ابن عباس في تفسير الكلالة لا يتعين أن يكون المراد بالأخ والأخت اللذين للأم ؛ إذ قد يفرض للإخوة الأشقاء نصيب هو الثلثان لعاصب أقوى وهو الأب في بعض صور الكلالة غير أن ابن عباس وافق الجمهور على أن المراد بالأخ والأخت اللذان للأم وكان سبب ذلك عنده أن الله أطلق الكلالة وقد لا يكون فيها أب فلو كان المراد بالأخ والأخت الشقيقين أو اللذين للأب لأعطيناهما الثلث عند عدم الأب وبقي معظم المال لمن هو دون الإخوة في التعصب . فهذا فيما أرى هو الذي حدا سائر الصحابة والفقهاء إلى حمل الأخ والأخت على اللذين للأم . وقد ذكر الله تعالى الكلالة في آخر السورة بصورة أخرى سنتعرض لها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث