الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

شاور

وزير الديار المصرية ، الملك ، أبو شجاع ، شاور بن مجير السعدي الهوازني .

كان الصالح بن رزيك قد ولاه الصعيد .

وكان شهما شجاعا فارسا سائسا .

ولما قتل الصالح ثار شاور ، وحشد ، وجمع ، أقبل على واحات يخترق البر حتى خرج عند تروجة وقصد القاهرة ، فدخلها ، وقتل العادل رزيك بن الصالح ، واستقل بالأمر ، ثم تزلزل أمره ، فسار إلى نور الدين صاحب الشام ، فأمده بأسد الدين بن شيركوه فثبته في منصبه ، [ ص: 515 ] فتلاءم على شيركوه ولم يف له ، وعمل قبائح ، واستنجد بالفرنج ، وكادوا أن يملكوا مصر ، وجرت أمور عجيبة ، ثم استظهر شيركوه ، وتمرض ، فعاده شاور ، فشد عليه جرديك النوري فقتله في ربيع الآخر سنة أربع وستين وقيل : بل قتله صلاح الدين لا جرديك .

قال إمام مسجد الزبير إبراهيم بن إسماعيل الهاشمي : تملك شاور البلاد ، ولم شعث القصر ، وأدر الأرزاق الكثيرة على أهل القصر ، وكان قد نقصهم الصالح أشياء كثيرة ، وتجبر وظلم -أعني شاور - فخرج عليه الأمير ضرغام وأمراء ، وتهيؤوا لحربه ، ففر إلى الشام ، وقتل ولده طي في رمضان سنة ثمان وخمسين ، واختبط الناس ، وأقبلت الروم إلى الحوف ، فحاصروا بلبيس ، وجرت وقعة كبرى قتل فيها خلق ، ورد العدو إلى الشام ، فأتى شاور ، فاجتمع بنور الدين ، فأكرمه ، ووعده بالصرة ، وقال شاور له : أنا أملكك مصر ، فجهز معه شيركوه بعد عهود وأيمان ، فالتقى شيركوه هو وعسكر ضرغام ، فانكسر المصريون ، وحوصر ضرغام بالقاهرة ، وتفلل جمعه ، فهرب ، فأدرك وقتل عند جامع ابن طولون ، وطيف برأسه ، ودخل شاور ، فعاتبه العاضد على ما فعل من تطريق الترك إلى مصر ، فضمن له أن يصرفهم ، فخلع عليه ، فكتب إلى الروم يستنفرهم ويمنيهم ، فأسقط في يد شيركوه ، وحاصر القاهرة ، فدهمته الروم ، فسبق إلى بلبيس ، فنزلها ، فحاصره العدو بها شهرين ، وجرت له معهم وقعات ، ثم فتروا ، وترحلوا وبقي خلق من الروم يتقوى بهم شاور ، وقرر لهم مالا ، ثم فارقوه .

[ ص: 516 ] وبالغ شاور في العسف والمصادرة ، وتمنوا أن يلي شيركوه عليهم ، فسار إليهم ثانيا من الشام ، فاستصرخ شاور -لا سلمه الله- بملك الفرنج مري ، فبادر في جمع عظيم ، فعبر شيركوه إلى ناحية الصعيد ، ثم نزل بأرض الجيزة ، ونزلت الفرنج بإزائه في الفسطاط ، وقرر شاور للفرنج أربعمائة ألف دينار وإقامات ، ثم ترحل شيركوه إلى نحو الصعيد ، فتبعه شاور والفرنج ، ونهب للفرنج أشياء كثيرة ، ورجعوا مغلولين ، فنزلوا بالجيزة ، فرد شيركوه ، وقدم الإسكندرية ، وتبعته الفرنج ، ففتح أهل الثغر لشيركوه ، وفرحوا به ، فاستخلف بها ابن أخيه صلاح الدين ، وكر إلى الفيوم ، ونهب جنده القرى ، وظلموا ، وذهب هو فصادر أهل الصعيد ، وبالغ ، وحاصر شاور والروم الإسكندرية ، وبها صلاح الدين ، واشتد القتال ، ثم قدم شيركوه مصر ، وترددت الرسل في الصلح ، ورجعت الروم إلى بلادهم ، ثم أقبل الطاغية مري في جيوشه ، وغدر ، وخندق شاور على مصر ، وعظم الخطب ، واستباحت الروم بلبيس قتلا وسبيا ، وهرب المصريون على الصعب والذلول ، وأحرقت دور مصر ، وتهتكت الأستار ، وعم الدمار ، ودام البلاء أشهرا يحاصرهم الطاغية ، فطلبوا المهادنة ، فاشترط الكلب شروطا لا تطاق ، فأجمع رأي العاضد وأهل القصر على الاستصراخ بنور الدين ، فكر شيركوه في جيشه ، فتقهقر العدو إلى الساحل وفي أيديهم اثنا عشر ألف أسير ، وقدم شيركوه ، فما وسع شاور إلا الخروج إليه منتصلا معتذرا ، فصفح عنه ، وقبل عذره ، وبرزت الخلع لشيركوه وشاور وفي النفوس ما فيها ، وتحرز هذا من هذا ، إلى أن وقع لشاور أن يعمل دعوة لشيركوه ، وركب إليه ، فأحس شيركوه بالمكيدة ، فعبى جنده ، وأخذ شاور أسيرا ، وانهزم عسكره ، ثم قتل ، وأسر أولاده وأعوانه ، وعذبوا ، ثم ضربت أعناقهم ، وتمكن شيركوه ثمانية وخمسين يوما ، ثم مات بالخوانيق ، وقيل : [ ص: 517 ] بل سمه العاضد في منديل الحنك الذي للخلعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث