الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله أظهر الأقوال وأقربها للصواب في معنى : يكنزون [ 9 \ 34 ] في هذه الآية الكريمة ، أن المراد بكنزهم الذهب والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله ، أنهم لا يؤدون زكاتهما .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : وأما الكنز ؟ فقال مالك : عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : هو المال الذي لا تؤدى زكاته .

وروى الثوري ، وغيره ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز ، وقد روي هذا عن ابن عباس ، وجابر ، وأبي هريرة ، موقوفا ومرفوعا .

وقال عمر بن الخطاب نحوه : أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض ، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه ، وإن كان على وجه الأرض اهـ .

وممن روي عنه هذا القول عكرمة ، والسدي ، ولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال ; لأن من أدى الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه ; لأن الزكاة تطهره كما قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [ 9 \ 103 ] ، ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها .

ومن أصرح الأدلة في ذلك ، حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي أخي بني سعد ، من هوازن ، وهو ضمام بن ثعلبة لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم : بأن الله فرض عليه الزكاة ، وقال : هل علي غيرها ، فإن النبي قال له : " لا ، إلا أن تطوع " : وقوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو [ 2 \ 219 ] ، وقد قدمنا في " البقرة " تحقيقا أنه ما زاد [ ص: 117 ] على الحاجة التي لا بد منها ، وقوله : " ليس فيما دون خمسة أوسق " الحديث ; لأن صدقة نكرة في سياق النفي فهي تعم نفي كل صدقة .

وفي الآية أقوال أخر :

منها : أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية .

وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضا ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وعراك بن مالك . اهـ .

وعن علي أنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما كان أكثر من ذلك فهو كنز ، ومذهب أبي ذر رضي الله عنه في هذه الآية معروف ، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئا فاضلا عن نفقة عياله . اهـ . ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به ، وهو كالضروري عند عامة المسلمين .

فإن قيل : ما الجواب عما رواه الإمام أحمد ، عن علي رضي الله عنه ، قال : مات رجل من أهل الصفة ، وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيتان ، صلوا على صاحبكم " اهـ . وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة ، صدي بن عجلان ، قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كية " ، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيتان " ، وما روى عبد الرزاق وغيره ، عن علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تبا للذهب ، تبا للفضة " يقولها ثلاثا ، فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر رضي الله عنه : أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : إن أصحابك قد شق عليهم ، وقالوا : فأي المال نتخذ ؟ فقال : " لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين أحدكم على دينه " . ونحو ذلك من الأحاديث .

فالجواب - والله تعالى أعلم - أن هذا التغليظ كان أولا ثم نسخ بفرض الزكاة ، كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما .

وقال ابن حجر في " فتح الباري " : قال ابن عبد البر : وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش ، فهو كنز يذم فاعله ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك .

وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة ، إلى أن [ ص: 118 ] قال : فكان ذلك واجبا في أول الأمر ، ثم نسخ ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال : كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ، ثم يخرج إلى قومه ، ثم يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة ، ويتعلق بالأمر الأول . اهـ .

وقال بعض العلماء : هي في خصوص أهل الكتاب ، بدليل اقترانها مع قوله : إن كثيرا من الأحبار والرهبان الآية [ 9 \ 34 ] .

فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة ، وأنها في من لا يؤدي الزكاة ، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف بالمقصود نتمم البيان من السنة ، من حيث إنها بيان للقرآن المبين به ، وآيات الزكاة كقوله : خذ من أموالهم صدقة الآية ، وقوله : وآتوا الزكاة [ 2 \ 43 ] وقوله : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض [ 2 \ 267 ] ، لا تفي بالبيان فتبينه بالسنة ، وقد قال ابن خويز منداد المالكي ، تضمنت هذه الآية : زكاة العين ، وهي تجب بأربعة شروط ، حرية ، وإسلام ، وحول ، ونصاب سليم من الدين . اهـ وفي بعض هذه الشروط خلاف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث