الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم

لما ختمت "سأل" بالإنذار للكفار، وكانوا عباد أوثان، بعذاب الدنيا والآخرة، أتبعها أعظم عذاب كان في الدنيا في تكذيب الرسل بقصة نوح عليه السلام، وكان قومه عباد أوثان، وكانوا يستهزئون به وكانوا أشد تمردا من قريش وأجلف وأقوى وأكثر، فلم ينفعهم شيء من ذلك عند نزول البلاء وبروك النقمة عليهم وإتيان العذاب إليهم، وابتدأها بالإنذار تخويفا من عواقب التكذيب به، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم أن يكون الرسول بشرا أو لتنزيلهم منزلة المنكرين من حيث أقروا برسالته وطعنوا في رسالة غيره مع المساواة في البشرية: [ ص: 424 ] إنا أي بما لنا من العظمة الباهرة البالغة أرسلنا نوحا وهو أول رسول أتى بعد اختلاف أولاد آدم عليه السلام في دين أبيهم الأقوم إلى قومه أي الذين كانوا في غاية القوة على القيام بما يحاولونه وهم بصدد أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ويكرموه لما بينهم من القرب بالنسب واللسان، وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين.

ولما بان مضى المرسل والرسول والمرسل إليهم، وكان الإرسال متضمنا معنى القول، أخذ في تفسيره بيانا للمرسل به فقال: أن أنذر أي حذر تحذيرا بليغا عظيما قومك من الاستمرار على الكفر.

ولما كان المقصود "إعلامهم بذلك" في بعض الأوقات لأن الإنسان لا بد له من أوقات شغل بنفسه من نوم وأكل وغيره، أتى بالجار تخفيفا عليه ورفقا به عليه السلام فقال: من قبل أن يأتيهم أي على ما هم عليه من الأعمال الخبيثة عذاب أليم

[ و-] قال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على قومه في قوله: فاصبر صبرا جميلا [ ص: 425 ] وجليل الإغضاء في قوله: فذرهم يخوضوا ويلعبوا أتبع ذلك بقصة نوح عليه السلام وتكرر دعائه قومه إلى الإيمان، وخص من خبره حاله في طول مدة التذكار والدعاء لأنه المقصود في الموضع تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، وليتأسى به في الصبر والرفق والدعاء كما قيل له صلى الله عليه وسلم في غير هذا الموضع فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فقد دام دعاء نوح عليه السلام مع قومه أدوم من مدتك، ومع ذلك فلم يزدهم إلا فرارا [ قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم مضت آي السورة على هذا المنهج من تجديد الإخبار بطول مكابدته عليه السلام وتكرير دعائه، فلم يزدهم ذلك إلا بعدا وتصميما على كفرهم حتى أخذهم الله، وأجاب فيهم دعاء نبيه [ نوح -] عليه السلام

رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وذلك ليأسه من فلاحهم، وانجر في هذا حض نبينا صلى الله عليه وسلم على الصبر [ ص: 426 ] على قومه والتحمل منهم كما صرح به في قوله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وكما قيل له [ قبل -] فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [ انتهى-] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث