الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

امتناعه من البيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان وضربه على ذلك

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : ثنا شيبان ، قال : ثنا سلام بن مسكين ، قال : ثنا عمران بن عبد الله ، قال : دعي سعيد بن المسيب للبيعة للوليد وسليمان بعد عبد الملك بن مروان ، قال : فقال : لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار ، قال : فقيل : ادخل من الباب واخرج من الباب الآخر ، قال : والله لا يقتدي بي أحد من الناس ، قال : فجلده مائة وألبسه المسوح .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني الحسين بن عبد العزيز ، قال : كتب إلينا ضمرة ، وحدثنا محمد بن علي ، قال : ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ، قال : ثنا أحمد بن زيد ، قال : ثنا ضمرة ، قال : ثنا رجاء بن جميل الأيلي ، قال : قال عبد الرحمن بن عبد القارئ لسعيد بن المسيب حين قدمت البيعة للوليد وسليمان بالمدينة بعد موت أبيهما : إني مشير عليك بخصال ثلاث ، قال : وما هي ؟ قال : تغير مقامك فإنك هو وحيث يراك هشام بن إسماعيل ، قال : ما كنت لأغير مقاما قمته منذ أربعين سنة ، قال : تخرج معتمرا ، قال : ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس لي فيه نية ، قال : فما الثالثة ؟ قال : تبايع ، قال : أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي ؟ قال وكان أعمى ، قال رجاء : فدعاه هشام إلى البيعة فأبى فكتب فيه إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك : ما لك ولسعيد ما كان علينا منه شيء نكرهه ، فأما إذ فعلت [ ص: 171 ] فاضربه ثلاثين سوطا وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس . فدعاه هشام فأبى وقال : لا أبايع لاثنين ، قال : فضربه ثلاثين سوطا وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس ، قال رجاء : حدثني الأيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينة ، قالوا : علمنا أنه لا يلبس التبان طائعا ، قلنا : يا أبا محمد إنه القتل فاستر عورتك ، قال : فلبسه ، فلما ضرب قلنا له : إنا خدعناك ، قال : يا معجلة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته . لفظ الحسن بن عبد العزيز .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني محمد بن الفرح ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، عن هشام بن زيد ، قال : رأيت سعيد بن المسيب حين ضرب في تبان من شعر .

حدثنا أبو حامد بن جبلة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي الثلج ، قال : سمعت يحيى بن غيلان ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، قال : أتيت سعيد بن المسيب وقد ألبس تبان شعر وأقيم في الشمس ، فقلت لقائدي : أدنني منه فأدناني منه فجعلت أسأله خوفا من أن يفوتني وهو يجيبني حسبة والناس يتعجبون .

حدثت عن محمد بن القاسم بن بشار الأنباري ، قال : ثنا أبي ، عن القاسم بن عبيد الله بن أحمد بن الحارث عن عمرو العدوي ، عن يحيى بن سعيد ، قال : كتب والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب ، فكتب أن اعرضه على السيف فإن مضى وإلا فاجلده خمسين جلدة وطف به أسواق المدينة ، فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب ، فقالوا : إنا قد جئناك في أمر ، قد قدم فيك كتاب من عبد الملك بن مروان إن لم تبايع ضربت عنقك ، ونحن نعرض عليك خصالا ثلاثا فأعطنا إحداهن فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب فلا تقل لا ولا نعم ، قال : فيقول الناس بايع سعيد بن المسيب . ما أنا بفاعل ، قال : وكان إذا قال لا لم يطيقوا عليه أن يقول نعم ، قال : مضت واحدة وبقيت اثنتان قالوا : فتجلس [ ص: 172 ] في بيتك فلا تخرج إلى الصلاة أياما فإنه يقبل منك إذا طلبت في مجلسك فلم يجدك ، قال : وأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة حي على الفلاح ما أنا بفاعل ، قالوا مضت اثنتان وبقيت واحدة قالوا : فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك ، قال : فرقا لمخلوق ، ما أنا بمتقدم لذلك شبرا ، ولا متأخر شبرا ، فخرجوا وخرج إلى الصلاة صلاة الظهر فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه فلما صلى الوالي بعث إليه فأتي به فقال : إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين . فلما رآه لا يجيب أخرج إلى السدة فمدت عنقه وسلت عليه السيوف فلما رآه قد مضى أمر به فجرد فإذا عليه تبان شعر ، فقال : لو علمت أني لا أقتل ما اشتهرت بهذا التبان فضربه به خمسين سوطا ثم طاف به أسواق المدينة فلما رده والناس منصرفون من صلاة العصر ، قال : إن هذه لوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة قال محمد بن القاسم : وسمعت شيخنا يزيد في حديث سعيد بإسناد لا أحفظه أن سعيدا لما جرد ليضرب ، قالت له امرأة لما جرد ليضرب : إن هذا لمقام الخزي ، فقال لها سعيد : من مقام الخزي فررنا .

حدثنا محمد بن علي ، قال : ثنا أبو العباس بن الطفيل ، قال : ثنا أحمد بن زيد ، قال : ثنا ضمرة ، عن ابن شذوب ، عن عبد الله بن القاسم ، قال : جلست إلى سعيد بن المسيب فقال : إنه قد نهي عن مجالستي ، قال : قلت : إني رجل غريب ، قال : إنما أحببت أن أعلمك .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : ثنا الوليد بن شجاع ، قال : ثنا العلاء بن عبد الكريم ، قال : جلست إلى سعيد بن المسيب فقال : إنه قد نهي عن مجالستي .

حدثنا أبو حامد بن جبلة ، قال : ثنا أبو العباس السراج ، قال : ثنا حاتم بن الليث الجوهري ، قال : ثنا عفان ، قال : ثنا همام ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أنه كان إذا أراد الرجل أن يجالسه قال : إنهم قد جلدوني ومنعوا الناس أن يجالسوني .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : ثنا قتيبة بن سعيد ، [ ص: 173 ] قال : ثنا عطاف بن خالد ، عن ابن حرملة ، قال : قال سعيد بن المسيب : لا تقولوا مصيحف ولا مسيجد ، ما كان لله فهو عظيم حسن جميل .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، قال : ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، قال : ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يستأذن الأمير .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، قال : ثنا بشر بن موسى ، قال : ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، قال : ثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، حدثني يحيى بن سعيد ، قال : سمعت سعيد بن المسيب ، يقول : لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقه ويكف به وجهه عن الناس .

حدثنا عبد الرحمن بن العباس ، قال : ثنا أحمد بن داود السجستاني ، قال : ثنا الحسن بن سوار ، قال : ثنا الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لا خير فيمن لا يحب هذا المال يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني به عن خلق ربه .

حدثنا أحمد بن بندار ، قال : ثنا أحمد بن محمد ، قال : ثنا أبو مسعود ، قال : ثنا محمد بن عيسى ، عن عباد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار وقال : ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي .

رواه الثوري عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد ، وقال : ترك مائة دينار ، وقال : أصون بها ديني وحسبي .

حدثنا سليمان بن أحمد ، قال : ثنا أحمد بن يحيى ثعلب النحوي ، قال ذؤيب بن عمامة ، عن محمد بن معن الغفاري ، عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري ، عن عمه ، عن سعيد بن المسيب ، قال : من استغنى بالله افتقر الناس إليه .

حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم في كتابه ، قال : ثنا محمد بن أيوب ، قال : ثنا عارم ، قال : ثنا حماد بن زيد ، قال : ثنا علي بن زيد ، قال : رآني سعيد بن المسيب وعلي جبة خز ، فقال : إنك لجيد الجبة ، قلت : وما تغني عني وقد أفسدها علي سالم ، فقال سعيد : أصلح قلبك والبس ما شئت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث