الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 321 ] سئل شيخ الإسلام : - أحمد بن تيمية قدس الله روحه ما يقول سيدنا وشيخنا - شيخ الإسلام وقدوة الأنام أيده الله ورضي عنه - في رجلين تنازعا في " حديث النزول " : أحدهما مثبت والآخر ناف . فقال المثبت : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فقال النافي : كيف ينزل ؟ فقال المثبت : ينزل بلا كيف فقال النافي : يخلو منه العرش أم لا يخلو ؟ فقال المثبت : هذا قول مبتدع ورأي مخترع فقال النافي : ليس هذا جوابي بل هو حيدة عن الجواب فقال له المثبت : هذا جوابك . فقال النافي : إنما ينزل أمره ورحمته فقال المثبت : أمره ورحمته ينزلان كل ساعة والنزول قد وقت له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث الليل الآخر فقال النافي : الليل لا يستوي وقته في البلاد فقد يكون الليل في بعض البلاد [ ص: 322 ] خمس عشرة ساعة ونهارها تسع ساعات ويكون في بعض البلاد ست عشرة ساعة والنهار ثمان ساعات وبالعكس ; فوقع الاختلاف في طول الليل وقصره بحسب الأقاليم والبلاد وقد يستوي الليل والنهار في بعض البلاد وقد يطول الليل في بعض البلاد حتى يستوعب أكثر الأربع وعشرين ساعة ويبقى النهار عندهم وقت يسير ; فيلزم على هذا أن يكون ثلث الليل دائما ويكون الرب دائما نازلا إلى السماء . والمسئول إزالة الشبه والإشكال وقمع أهل الضلال .

[ ص: 518 ]

التالي السابق


فأجاب رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين . أما القائل الأول الذي ذكر نص النبي صلى الله عليه وسلم فقد أصاب فيما قال فإن هذا القول الذي قاله ; قد استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول .

ومن قال ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فقوله حق وصدق وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني ; كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني ; فإن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وأمثاله علانية وبلغه الأمة تبليغا عاما لم يخص به أحدا دون أحد ولا كتمه عن أحد وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتأثره وتبلغه [ ص: 323 ] وترويه في المجالس الخاصة والعامة واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة : " كصحيحي البخاري ومسلم " " وموطأ مالك " " ومسند الإمام أحمد " " وسنن أبي داود " والترمذي " " والنسائي " وأمثال ذلك من كتب المسلمين .

لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات المخلوقين ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه ; فقد أخطأ في ذلك وإن أظهر ذلك منع منه وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضا في ذلك .

فإن وصفه سبحانه وتعالى في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات ; كوصفه بالاستواء إلى السماء وهي دخان ووصفه بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ووصفه بالإتيان والمجيء في مثل قوله تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } وقوله : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } وقوله : { وجاء ربك والملك صفا صفا } وكذلك قوله تعالى { خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش } وقوله : { والسماء بنيناها بأيد } وقوله : { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء } وقوله : { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه } وأمثال ذلك من الأفعال التي [ ص: 324 ] وصف الله تعالى بها نفسه التي تسميها النحاة أفعالا متعدية وهي غالب ما ذكر في القرآن أو يسمونها لازمة لكونها لا تنصب المفعول به بل لا تتعدى إليه إلا بحرف الجر : كالاستواء إلى السماء وعلى العرش والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك .

فإن الله وصف نفسه بهذه الأفعال . ووصف نفسه بالأقوال اللازمة والمتعدية في مثل قوله : { وإذ قال ربك للملائكة } وقوله : { وكلم الله موسى تكليما } وقوله تعالى { وناداهما ربهما } وقوله : { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } وقوله : { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } وقوله : { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا } وقوله : { الله نزل أحسن الحديث } وقوله : { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } وقوله : { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } وقوله : { ولقد صدقكم الله وعده } . وكذلك وصف نفسه بالعلم والقوة والرحمة ; ونحو ذلك كما في قوله : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } وقوله : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } وقوله : { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } وقوله : { ورحمتي وسعت كل شيء } ونحو ذلك مما وصف به نفسه في كتابه وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم فإن القول في جميع ذلك من جنس واحد .

[ ص: 325 ] ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفونه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في النفي والإثبات . والله سبحانه وتعالى قد نفى عن نفسه مماثلة المخلوقين فقال الله تعالى : { قل هو الله أحد } { الله الصمد } { لم يلد ولم يولد } { ولم يكن له كفوا أحد } فبين أنه لم يكن أحد كفوا له وقال تعالى : { هل تعلم له سميا } فأنكر أن يكون له سمي وقال تعالى : { فلا تجعلوا لله أندادا } وقال تعالى : { فلا تضربوا لله الأمثال } وقال تعالى : { ليس كمثله شيء } . ففيما أخبر به عن نفسه : من تنزيهه عن الكفؤ والسمي والمثل والند وضرب الأمثال له ; بيان أن لا مثل له في صفاته ; ولا أفعاله ; فإن التماثل في الصفات والأفعال يتضمن التماثل في الذات فإن الذاتين المختلفتين يمتنع تماثل صفاتهما وأفعالهما إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات فإن الصفة تابعة للموصوف بها والفعل أيضا تابع للفاعل ; بل هو مما يوصف به الفاعل فإذا كانت الصفتان متماثلتين كان الموصوفان متماثلين حتى إنه يكون بين الصفات من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الموصوفين : كالإنسانين كما كانا من نوع واحد فتختلف مقاديرهما وصفاتهما بحسب اختلاف ذاتيهما ويتشابه ذلك بحسب تشابه ذلك . كذلك إذا قيل : بين الإنسان والفرس تشابه من جهة أن هذا حيوان وهذا [ ص: 326 ] حيوان واختلاف من جهة أن هذا ناطق وهذا صاهل وغير ذلك من الأمور ; كان بين الصفتين من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الذاتين : وذلك أن الذات المجردة عن الصفة لا توجد إلا في الذهن فالذهن يقدر ذاتا مجردة عن الصفة ويقدر وجودا مطلقا لا يتعين وأما الموجودات في أنفسها فلا يمكن فيها وجود ذات مجردة عن كل صفة ولا وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص .



وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات : " أنا أثبت صفات الله زائدة على ذاته " : فحقيقة ذلك أنا نثبتها زائدة على ما أثبتها النفاة من الذات . فإن النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات فقال أهل الإثبات : نحن نقول بإثبات صفات زائدة على ما أثبته هؤلاء . وأما الذات نفسها الموجودة فتلك لا يتصور أن تتحقق بلا صفة أصلا بل هذا بمنزلة من قال : أثبت إنسانا ; لا حيوانا ولا ناطقا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ولا له قدرة ولا حياة ولا حركة ولا سكون أو نحو ذلك أو قال : أثبت نخلة ليس لها ساق ولا جذع ولا ليف ولا غير ذلك ; فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل . ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات " معطلة " لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى ; وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولهم مستلزم للتعطيل ; بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون : هو موجود قديم واجب ; ثم ينفون [ ص: 327 ] لوازم وجوده ; فيكون حقيقة قولهم : موجود ليس بموجود حق ليس بحق خالق ليس بخالق فينفون عنه النقيضين : إما تصريحا بنفيهما وإما إمساكا عن الإخبار بواحد منهما .

ولهذا كان محققوهم " وهم القرامطة " ينفون عنه النقيضين فلا يقولون : موجود ولا لا موجود ولا حي ولا لا حي ولا عالم ولا لا عالم . قالوا : لأن وصفه بالإثبات تشبيه له بالموجودات ووصفه بالنفي فيه تشبيه له بالمعدومات . فآل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل . ثم إنهم لم يخلصوا مما فروا منه بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس من الموجود والمعدوم الممكن . ففروا في زعمهم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات ووصفوه بصفات الممتنعات التي لا تقبل الوجود بخلاف المعدومات الممكنات . وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات الممكنات . وما فر منه هؤلاء الملاحدة ليس بمحذور . فإنه إذا سمي حقا موجودا قائما بنفسه حيا عليما رءوفا رحيما وسمي المخلوق بذلك ; لم يلزم من ذلك أن يكون مماثلا للمخلوق أصلا . ولو كان هذا حقا لكان كل موجود مماثلا لكل موجود ; ولكان كل معدوم مماثلا لكل معدوم . ولكان كل ما ينفى عنه شيء من الصفات مماثلا لكل ما ينفى عنه ذلك الوصف .

[ ص: 328 ] فإذا قيل : السواد موجود كان على قول هؤلاء قد جعلنا كل موجود مماثلا للسواد . وإذا قلنا : البياض معدوم كنا قد جعلنا كل معدوم مماثلا للبياض . ومعلوم أن هذا في غاية الفساد ويكفي هذا خزيا لحزب الإلحاد . وإذا لم يلزم مثل ذلك في السواد الذي له أمثال بلا ريب ; فإذا قيل في خالق العالم إنه موجود لا معدوم حي لا يموت قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم فمن أين يلزم أن يكون مماثلا لكل موجود ومعدوم وحي وقائم ; ولكل ما ينفى عنه العدم وما ينفى عنه صفة العدم وما ينفى عنه الموت والنوم كأهل الجنة الذين لا ينامون ولا يموتون وذلك أن هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس سواء اتفقت معانيها في محالها أو تفاضلت كالسواد ونحوه ; وسواء سميت مشككة وقيل : إن المشككة نوع من المتواطئة - إما أن تستعمل " مطلقة وعامة " كما إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وخالق ومخلوق والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث . وإما أن تستعمل " خاصة معينة " كما إذا قيل : وجود زيد وعمرو وعلم زيد وعمرو وذات زيد وعمرو . فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج ; فإن ما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره .

[ ص: 329 ] فإذا قيل : علم زيد ونزول زيد واستواء زيد ونحو ذلك ; لم يدل هذا إلا على ما يختص به زيد من علم ونزول واستواء ونحو ذلك لم يدل على ما يشركه فيه غيره . لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو وعلمنا أن علمه نظير علمه ونزوله نظير نزوله واستواءه نظير استوائه فهذا علمناه من جهة القياس والمعقول والاعتبار لا من جهة دلالة اللفظ فإذا كان هذا في صفات المخلوق ; فذلك في الخالق أولى . فإذا قيل : علم الله وكلام الله ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته ونحو ذلك ; لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى ; ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو لأنا هناك علمنا التماثل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو ; وهنا نعلم أن الله لا مثل له ولا كفو ولا ند ; فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره ولا كلامه مثل كلام غيره ولا استواءه مثل استواء غيره ولا نزوله مثل نزول غيره ولا حياته مثل حياة غيره . ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات . فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه منزه عن صفات النقص مطلقا ومنزه عن أن يماثله غيره في صفات كماله .

فهذان المعنيان جمعا التنزيه وقد دل عليهما قوله تعالى : { قل هو الله أحد } { الله الصمد } . فالاسم " الصمد " يتضمن صفات الكمال والاسم " الأحد " يتضمن نفي المثل كما قد بسط الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة . [ ص: 330 ] فالقول في صفاته كالقول في ذاته والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ; لكن يفهم من ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى موصوفها كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها . فعلم الله وكلامه ونزوله واستواؤه هو كما يناسب ذاته ويليق بها كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق بها ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته ; ولهذا قال بعضهم : إذا قال لك السائل : كيف ينزل أو كيف استوى أو كيف يعلم أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق ؟ فقل له : كيف هو في نفسه ؟ فإذا قال : أنا لا أعلم كيفية ذاته ; فقل له : وأنا لا أعلم كيفية صفاته فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف . فهذا إذا استعملت هذه الأسماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين - وهذا هو الوارد في الكتاب والسنة - وأما إذا قيلت مطلقة وعامة - كما يوجد في كلام النظار : الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث ونحو ذلك - فهذا مسمى اللفظ المطلق والعام والعلم معنى مطلق وعام والمعاني لا تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان لا في الأعيان ; فلا يكون موجود وجودا مطلقا أو عاما إلا في الذهن ولا يكون مطلق أو عام إلا في الذهن ولا يكون إنسان أو حيوان مطلق وعام إلا في الذهن ; وإلا فلا تكون الموجودات في أنفسها إلا معينة مخصوصة متميزة عن غيرها .

فليتدبر العاقل هذا المقام الفارق فإنه زل فيه خلق من أولي النظر الخائضين [ ص: 331 ] في الحقائق حتى ظنوا أن هذه المعاني العامة المطلقة الكلية تكون موجودة في الخارج كذلك ; وظنوا أنا إذا قلنا : إن الله عز وجل موجود حي عليم والعبد موجود حي عليم ; أنه يلزم وجود موجود في الخارج يشترك فيه الرب والعبد وأن يكون ذلك الموجود بعينه في العبد والرب بل وفي كل موجود ولا بد أن يكون للرب ما يميزه عن المخلوق فيكون فيه جزءان : ( أحدهما : لكل مخلوق وهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات . و ( الثاني : يختص به وهو المميز له عن سائر الموجودات ثم لا يذكرون فيما يختص به إلا ما يلزم فيه مثل ذلك . فإذا قالوا : يمتاز بذاته أو بحقيقته أو ماهيته أو نحو ذلك ; كان ذلك بمنزلة قولهم يمتاز بوجوده ; فإن الذات والحقيقة والماهية تستعمل مطلقا ومعينا كلفظ الوجود سواء .

وهذا المقام حار فيه طوائف من أئمة النظار حتى قال طائفة : إن لفظ الوجود وغيره مقول بالاشتراك اللفظي فقط وحكوا ذلك عن كل من قال بنفي الأحوال - وهم عامة أهل الإثبات - فصار مضمون نقلهم أن مذهب عامة أهل الإسلام ومتكلمة الإثبات - كابن كلاب والأشعري وابن كرام وغيرهم بل ومحققي المعتزلة : كأبي الحسين البصري وغيره - أن لفظ الموجود وغيره - مما يسمى الله به ويسمى به المخلوق - إنما يقال بالاشتراك اللفظي فقط من غير أن يكون بين المسميين معنى عام : كلفظ المشتري إذا سمي به المبتاع والكوكب ولفظ سهيل المقول على الكوكب والرجل [ ص: 332 ] وهذا النقل غلط عظيم عمن نقلوه عنه فإن هؤلاء متفقون على أن هذه الأسماء عامة متواطئة - كالتواطؤ العام الذي يدخل فيه المشكك - تقبل التقسيم والتنويع وذلك لا يكون إلا في الأسماء المتواطئة كما نقول : الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن . بل هؤلاء الناقلون بأعيانهم : كأبي عبد الله الرازي وأمثاله من المتأخرين يجمعون في كلامهم بين دعوى الاشتراك اللفظي فقط وبين هذا التقسيم في هذه الأسماء ; مع قولهم إن التقسيم لا يكون إلا في الألفاظ المتواطئة المشتركة لفظا ومعنى لا يكون في المشترك اشتراكا لفظيا . ومن جملتها التي يسمونها المشككة لا يكون التقسيم في الأسماء التي ليس بينها معنى مشترك عام . فهذا تناقض هؤلاء الذين هم من أشهر المتأخرين - بالنظر والتحقيق للفلسفة والكلام قد ضلوا في هذا النقل - وهذا البحث في مثل هذا الأصل ضلال لا يقع فيه أضعف العوام - وذلك لما تلقوه عن بعض أهل المنطق من القواعد الفاسدة التي هي عن الهدى والرشد حائدة ; حيث ظنوا أن الكليات المطلقة ثابتة في الخارج جزءا من المعينات ; وأن ذلك يقتضي تركيب المعين من ذلك الكلي المشترك ومما يختص به ; فلزمهم على هذا القول أن يكون الرب تعالى الواجب الوجود مركبا من الوجود المشترك ومما يختص به من الوجوب أو الوجود أو الماهية . مع أنه من المشهور عند أهل المنطق أن الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان .

[ ص: 333 ] ومن هداه الله تعالى يعلم أن الموجودات لا تشترك في شيء موجود فيها أصلا ; بل كل موجود متميز بنفسه وبما له من الصفات والأفعال وأنا إذا قلنا : إن هذا الإنسان حي متكلم أو حيوان ناطق ونحو ذلك ; لم يكن ما له من الحيوانية أو الناطقية أو النطق والحياة مشتركا بينه وبين غيره بل له ما يخصه ولغيره ما يخصه ولكن تشابها وتماثلا بحسب تشابه حيوانيتهما ونطقيتهما وغير ذلك من صفاتهما . ومن قال : إن الإنسان مركب مما به الاشتراك : وهو الحيوانية وما به من الامتياز : وهو النطق ; فإن أراد بذلك أن هذا تركيب ذهني - فإنا إذا تصورنا في أذهاننا حيوانا ناطقا ; كان الحيوان جزء هذا المعنى الذهني والنطق جزأه الآخر وكان الحيوان جزءا له أشباه أكثر من أشباه الناطق . وإذا تصورنا مسمى حيوان ومسمى ناطق ; كان مسمى الحيوان يعم الإنسان وغيره وكان مسمى الناطق يخصه - فدعوى التركيب في هذه المعاني الذهنية صحيح لكن ليس هذا ضابطا . بل هو بحسب ما يتصوره الإنسان سواء كان تصوره حقا أو باطلا . ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها ما يدخل في هذا التصور وبجزئها الخارج عنها اللازم لوجودها ما يدل عليه هذا اللفظ بالتضمن والالتزام وأراد بتمام الماهية ما يدل عليه هذا بالمطابقة ; فهذا صحيح لكن هذا لا يقتضي أن [ ص: 334 ] تكون الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من الصفات الخاصة والعامة ولا أن يكون بعض صفاتها اللازمة داخلة في الحقيقة ذاتيا لها وبعضها خارجا عن الحقيقة عارضا لها ; كما يزعمه أهل المنطق اليوناني . وهذا الموضع مما ضلوا فيه وضل بسبب ضلالهم فيه الطوائف الذين اتبعوهم في ذلك من النظار وقلدهم في ذلك من لم يفهم حقيقة قولهم ولوازمه ولم يتصوره تصورا تاما . وإن أرادوا بالتركيب أنه موصوف بالحياة والنطق - وإحدى الصفتين يوجد نظيرها في سائر الحيوان والأخرى مختصة بالإنسان - فهذا معنى صحيح . وإن أرادوا به أن حيوانيته مشتركة بينه وبين غيره فقد غلطوا فإن حيوانية كل حيوان كناطقية كل ناطق وذلك مختص بمحله . وكذلك إن أرادوا بالتركيب أن هنا موجودا موصوفا بأنه حيوان غير الموجود الموصوف بأنه ناطق وصاهل وأن الإنسان مركب من هذا الموجود وهذا الموجود والفرس مركب من هذا الموجود وهذا الموجود ; فقد غلطوا بل لا موجود إلا هذا الإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق وهذا الفرس الموصوف بأنه حيوان صاهل وكذلك سائر الحيوانات والموجودات . فقول القائل : الإنسان مركب من هذا وهذا إذا أريد به أن هنا شيئا [ ص: 335 ] مركبا وأن له جزأين متباينين هو مركب منهما ; كان جاهلا بل هو شيء واحد موصوف بصفتين لا يوجد إلا بصفتيه ولا توجد صفتاه إلا به .

وهذا المعنى صحيح : وهو أن الإنسان موصوف بأنه حيوان وأنه ناطق حقيقة وأنه ذات مستلزمة لصفاتها لا يوجد الموصوف بدون صفته اللازمة له . لكن هذا ليس في الخارج تركيبا ، وليس في الخارج صفة لازمة ذاتية وأخرى عرضية لازمة للماهية وأخرى لازمة لوجوده بل ليس في الخارج إلا الموجود المعين وصفاته تنقسم إلى : لازمة له وعارضة وهو لا يوجد بدون شيء من صفاته اللازمة ; فليس فيها ما هو لازم للذات الموجودة في الخارج ولكن ليس بلازم لها بل لازم للموجود في الخارج ; كما يظن ذلك من يظنه من المنطقيين . وأصل خطئهم أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الأذهان بما يوجد في الأعيان فإن الذهن يتصور المثلث قبل وجوده في الخارج وظنوا أن الماهية مغايرة للوجود وهو صحيح إذا فسرت الماهية بما يتصوره الذهن .

وأما أن يكون في الخارج مثلث : له ماهية ثابتة في الخارج غير الشيء الموجود في الخارج ; فهذا غلط بين . فإذا فهم هذا في صفة المخلوق ; فالخالق أبعد عما سماه هؤلاء تركيبا . [ ص: 336 ] فإذا قيل : إن الله سبحانه وتعالى حي عليم قدير ; فهو موصوف بأنه الحي العليم القدير . وإذا قيل : هو موجود واجب بنفسه ; فهو سبحانه موصوف بالوجود والوجوب فلا مشاركة بينه وبين غيره في شيء موجود ولا هو مركب من جزأين ; ولا صفات مقومة تكون أجزاء لوجوده ولا نحو ذلك مما يدعى من التركيب الذي هو ممتنع في المخلوق ; فهو في الخالق أشد امتناعا . ولكن لفظ التركيب مجمل يدخل عند هؤلاء فيه اتصاف الموصوف بصفاته اللازمة له وليس هذا هو المعقول من لفظ التركيب وهؤلاء أحدثوا اصطلاحا لهم في لفظ التركيب لم يسبقهم إليه أحد من أهل اللغة ; ولا من طوائف أهل العلم فجعلوا لفظ التركيب يتناول " خمسة أنواع "

: ( أحدها ) : التركيب من الوجود والماهية ; لظنهم أن وجود كل ممكن في الخارج غير ماهيته ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها يدخل في هذا المتصور ويلازمها الخارج عنها ما يلزم هذا التصور . وهذان المعنيان هما ما يدل عليه اللفظ .

( والثاني ) : التركيب من الجنس والفصل كقولهم : إن الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية وقد يضمون إلى ذلك التركيب من المعنى العام والخاص ; يسمى تركيبا من جنس وفصل أو من خاصة وعرض عام .

( الثالث ) : التركيب من الذات والصفات كمسمى الحي العالم القادر [ ص: 337 ] وتركيب الجسم من أجزائه الحسية عند من يقول إنه مركب من الجواهر المفردة أو تركيبه من الجزأين العقليين عند من يقول إنه مركب من المادة والصورة .

وأما التركيب " الأول " و " الثاني " فنازعهم جمهور العقلاء في ثبوتهما في الخارج ويقولون : ليس في الخارج تركيب بهذا الاعتبار .

والتركيب " الرابع " و " الخامس " : فيه نزاع مشهور بين العقلاء منهم من يثبت في الجسم أحد التركيبين ومنهم من يقول ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا .

وأما " الرابع " فيوافقهم على ثبوته جماهير العقلاء ما أعلم من ينازعهم فيه نزاعا معنويا ; لكن حكي عن طائفة من أهل النظر ; كعبد الرحمن بن كيسان الأصم وغيره ; أنهم نفوا الأعراض ولم يثبتوا الأعراض زائدة على الجسم ونفوا كون الحركة زائدة على الجسم . وخالفهم الأكثرون في ذلك .

وهذا - والله أعلم - نزاع لفظي وهو أن مسمى الجسم هل يتناول الجسم بأعراضه أم تكون الأعراض زائدة على مسمى الجسم ؟ وإلا فعاقل لا ينكر وجود الطعم واللون والرائحة والحركة وغير ذلك من الصفات القائمة بالموصوفات . [ ص: 338 ] وهذا يشبه نزاع الناس في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا ؟ فمن أراد بالذات " الذات المجردة " فالصفات زائدة عليها ومن أراد بالذات " الذات الموصوفة " فليست الصفات مباينة للذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها . ثم إن هؤلاء زعموا أنهم ينفون هذه الأنواع ; فأما " الأنواع الأربعة " فمن قال : إنها منتفية عن المخلوق فهي عن الخالق أشد انتفاء ; وأما " النوع الرابع " : فمن نازع في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا ؟ فهذا نزاع لفظي ومن نازع في ثبوت هذه الصفات في نفس الأمر ونفى أن يكون لله علم وقدرة ومشيئة وجعل هذه الصفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف : فهذا قوله معلوم الفساد بعد التصور التام . وإذا علم أنه سبحانه حي عليم قدير ومعنى كونه حيا ليس معنى كونه عليما ومعنى كونه عليما ليس معنى كونه قديرا ; فهذا هو إثبات الصفات . فإن قال القائل ; إن معنى كونه عليما هو معنى كونه مريدا قديرا حيا ; فهذا مكابرة .

وكذلك إذا ادعى أن هذه المعاني هي معنى الذات الموصوفة بها . وإن اعترف بثبوت هذه المعاني لله وقال : أنا أنفي أن يكون الله مفتقرا إلى ذوات أو معان بها يصير حيا عالما قادرا : فهذا مناظرة منه لمثبتة الأحوال [ ص: 339 ] كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وغيرهما ممن يقول : إن له علما وعالمية ; وعالميته معنى زائد على علمه . وهذا القول : قول بعض الصفاتية ; وجمهورهم ينكرون هذا . ويقولون : بل معنى العلم هو معنى العالم . وفي مسائل الصفات " ثلاثة أمور " : ( أحدها : الخبر عنه بأنه حي عليم قدير ; فهذا متفق على إثباته وهذا يسمى الحكم . ( والثاني : أن هذه معان قائمة بذاته وهذا أيضا أثبته مثبتة الصفات السلف والأئمة والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف .

( والثالث : الأحوال . وهو العالمية والقادرية وهذه قد تنازع فيها مثبتو الصفات ونفاتها ; فأبو هاشم وأتباعه يثبتون الأحوال دون الصفات والقاضي أبو بكر وأتباعه يثبتون الأحوال والصفات وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الأحوال والصفات . وأما جماهير " أهل السنة " فيثبتون الصفات دون الأحوال وهذا لبسطه موضع آخر . [ ص: 340 ] والمقصود هنا : الكلام على التركيب لفظا ومعنى وبيان أن هؤلاء لهم فيه اصطلاح مخالف لجمهور العقلاء وأنهم مضطرون إلى الإقرار بثبوت ما نفوه ولكن هؤلاء يقولون : هذا اشتراك والاشتراك تشبيه ويقولون : هذه أجزاء وهذا تركيب من هذه الأجزاء ثم إنهم لا يقدرون على نفي هذا الذي سموه اشتراكا وتشبيها ولا على نفي هذه الأمور التي سموها أجزاء وتركيبا وتقسيما فإنهم يقولون : هو عاقل ومعقول وعقل ولذيذ ولذة وملتذ وعاشق ومعشوق وعشق . وقد يقولون : هو عالم قادر مريد ثم يقولون : العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة ; فيجعلون كل صفة هي الأخرى . ويقولون : العلم هو العالم - وقد يقولون : هو المعلوم - فيجعلون الصفة هي الموصوف أو هي المخلوقات . وهذه أقوال رؤسائهم وهي في غاية الفساد في صريح المعقول ; فهم مضطرون إلى الإقرار بما يسمونه تشبيها وتركيبا ويزعمون أنهم ينفون التشبيه والتركيب والتقسيم ; فليتأمل اللبيب كذبهم وتناقضهم وحيرتهم وضلالهم ; ولهذا يئول بهم الأمر إلى الجمع بين النقيضين أو الخلو عن النقيضين . ثم إنهم ينفون عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لزعمهم أن ذلك تشبيه وتركيب . ويصفون أهل الإثبات بهذه الأسماء وهم الذين ألزموها بمقتضى أصولهم ولا حيلة لهم في دفعها . فهم : كما قال القائل :

رمتني بدائها وانسلت

[ ص: 341 ] وهم لم يقصدوا هذا التناقض ; ولكن أوقعتهم فيه قواعدهم الفاسدة المنطقية التي زعموا فيها تركيب الموصوفات من صفاتها ووجود الكليات المشتركة في أعيانها . فتلك القواعد المنطقية الفاسدة التي جعلوها قوانين تمنع مراعاتها الذهن أن يضل في فكره أوقعتهم في هذا الضلال والتناقض . ثم إن هذه القوانين فيها ما هو صحيح لا ريب فيه ; وذلك يدل على تناقضهم وجهلهم فإنهم قد قرروا في القوانين المنطقية : أن الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ; بخلاف الجزئي . وقرروا أيضا أن الكليات لا تكون كلية إلا في الأذهان : دون الأعيان . وأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الذهن وهذه قوانين صحيحة . ثم يدعون ما ادعاه أفضل متأخريهم أن الواجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي . أو كما يقوله طائفة منهم : إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي وسلبي ; كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية المنتسبين إلى التشيع والمنتسبين إلى التصوف . أو يقوله طائفة ثالثة : إنه الوجود المطلق لا بشرط كما تقوله طائفة منهم . وهم متفقون على أن المطلق بشرط الإطلاق عن الأمور الوجودية والعدمية [ ص: 342 ] لا يكون في الخارج موجودا .

فالمطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي ; أولى أن لا يكون موجودا . فإن المقيد بسلب الوجود والعدم نسبته إليهما سواء والمقيد بسلب الوجود يختص بالعدم دون الوجود والمطلق لا بشرط إنما يوجد مطلقا في الأذهان . وإذا قيل : هو موجود في الخارج ; فذلك بمعنى أنه يوجد في الخارج مقيدا لا أنه يوجد في الخارج مطلقا فإن هذا باطل ; وإن كانت طائفة تدعيه . فمن تصور هذا تصورا تاما ; علم بطلان قولهم وهذا حق معلوم بالضرورة . فهذا القانون الصحيح لم ينتفعوا به في إثبات وجود الرب ; بل جعلوه مطلقا بشرط الإطلاق عن النقيضين أو عن الأمور الوجودية . أو لا بشرط وذلك لا يتصور إلا في الأذهان . والقوانين الفاسدة أوقعتهم في ذلك التناقض والهذيان وهم يفرون من التشبيه بوجه من الوجوه ; ثم يقولون : الوجود ينقسم إلى : واجب وممكن فهما مشتركان في مسمى الوجود وكذلك لفظ الماهية والحقيقة والذات . ومهما قيل : هو ينقسم إلى واجب وممكن . ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فقد اشتركت الأقسام في المعنى العام الكلي الشامل لما تشابهت فيه فهذا تشبيه يقولون به وهم يزعمون أنهم ينفون كل ما يسمى تشبيها حتى نفوا الأسماء فكان الغلاة من الجهمية والباطنية لا يسمونه شيئا فرارا من ذلك . [ ص: 343 ] وأي شيء أثبتوه ; لزمهم فيه مثل ذلك وإلا لزم أن لا يكون وجود واجب الوجود ممكنا وقديما ومحدثا وأن المحدث والممكن لا بد له من قديم ومن المعلوم بالاضطرار أن الوجود فيه محدث ممكن وأن المحدث الممكن لا بد له من قديم واجب بنفسه ; فثبوت النوعين ضروري لا بد منه . وحقيقة الأمر أن لفظ المطلق قد يعنى به ما هو كلي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه . ويمتنع أن يكون شيء موجود في الخارج قائما بنفسه أو صفة لغيره بهذا الاعتبار ; فضلا عن أن يكون رب العالمين الأحد الصمد كذلك . وقد يراد بالمطلق : المجرد عن الصفات الثبوتية أو عن الثبوتية والسلبية جميعا ; والمطلق لا بشرط الإطلاق .

وهذا إذا قدر جعل معينا خاصا لا كليا فإنه يمتنع وجوده في الخارج أعظم من امتناع الكليات المطلقة بشرط لكونها كلية . فإن تلك الكليات لها جزئيات موجودة في الخارج والكليات مطابقة لها . وأما وجود شيء مجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية وسلبية ; فهذا يمتنع تحققه في الخارج كليا وجزئيا . وكذلك المجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية بل هذا أولى بالامتناع منه . وإذا كان هذا قد شارك سائر الموجودات في مسمى الوجود ولم يميز عنها إلا بالقيود السلبية وهي قد امتازت عنه بالقيود الوجودية ; [ ص: 344 ] كان كل ممكن في الوجود أكمل من هذا الذي زعموا أنه واجب الوجود فإن الوجود الكلي مشترك بينه وبينها ولم يميز عنها إلا بعدم وامتازت عنه بوجود فكان ما امتازت به عنه أكمل مما امتاز به هو عنها إذ الوجود أكمل من العدم . وأما إذا قيل : هو الوجود لا بشرط . فهذا هو الوجود الكلي والطبيعي المطابق لكل موجود وهذا لا يكون كليا إلا في الذهن . وأما في الخارج ; فلا يوجد إلا معينا . ومن الناس من قال : إن هذا الكلي جزء من المعينات . فإن كان الأول هو الصواب ; لزم أن يكون الموجود الواجب معدوما في الخارج أو أن يكون عين الواجب عين الممكن كما يقوله من يقوله من القائلين بوحدة الوجود وإن كان الثاني هو الصواب ; لزم أن يكون وجوده جزءا من كل موجود ; فيكون الواجب الوجود جزءا من وجود الممكنات .

ومن المعلوم بصريح العقل أن جزء الشيء لا يكون هو الخالق له كله بل يمتنع أن يكون خالقا لنفسه فضلا عن أن يكون خالقا لما هو بعضه إذ الكل أعظم من الجزء فإذا امتنع أن يكون خالقا للجزء ; فامتناع كونه خالقا للكل أظهر وأظهر . فصحيح المنطق لم ينتفعوا به في معرفة الله وباطل المنطق أوقعهم في غاية الكذب والجهل بالله { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } و { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } . وهو القائل : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز } وهو القائل : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من الليل ما رواه مسلم في صحيحه : { اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ; اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم } "

. [ ص: 346 ] فصل وتمام الكلام في هذا الباب أنك تعلم أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه فنحن نعرف أشياء بحسنا الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا . فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعا وعطشا وشبعا وريا وحبا وبغضا ولذة وألما ورضى وسخطا لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك وأخبرنا به عن غيرنا . وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد : حياة وقدرة وعلما وكلاما لم نفهم ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك . وكذلك لو لم نشهد موجودا لم نعرف وجود الغائب عنا فلا بد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ . فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته وهذا خاصة العقل . ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه ولم نعلم أمورا عامة ولا أمورا غائبة عن إحساسنا الظاهرة والباطنة ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته . [ ص: 347 ] ثم إن الله تعالى أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك . فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا ; لم نفهم ما وعدنا به ; ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه ; حتى قال ابن عباس رضي الله عنه ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء وهذا تفسير قوله { وأتوا به متشابها } على أحد الأقوال .

فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه وبه فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه أو أبغضناه ونفرنا عنه وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا . وهذا من التأويل الذي لا نعلمه نحن بل يعلمه الله تعالى ; ولهذا كان قول من قال : " إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله " حقا وقول من قال : " إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله " حقا . وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان . فالذين قالوا إنهم يعلمون تأويله مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ومعناه وإلا فهل يحل لمسلم أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف معنى ما يقوله ويبلغه من الآيات والأحاديث بل كان يتكلم بألفاظ لها معان لا يعرف معانيها ومن قال : إنهم لا يعرفون تأويله ; أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص [ ص: 348 ] الله بعلمها : ولهذا كان السلف : كربيعة ومالك بن أنس وغيرهما يقولون : الاستواء معلوم والكيف مجهول . وهذا قول سائر السلف كابن الماجشون والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم . وفي غير ذلك من الصفات . فمعنى الاستواء معلوم وهو التأويل والتفسير الذي يعلمه الراسخون والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى . وكذلك ما وعد به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به وأما كيفيته فقد قال تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " { يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر } " .

فما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين : نعلم تفسيره ومعناه ونفهم الكلام الذي خوطبنا به ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة ونفرق بين مسميات هذه الأسماء وأما حقائقها على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها نحن ولا نعلم متى تكون الساعة . وتفصيل ما أعد الله عز وجل لعباده لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل . بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى . فإذا كان هذا في هذين المخلوقين فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم ; [ ص: 349 ] فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبرياءه وفضله : أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق .

فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق : بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا - ولا يمكن أن نعلمه ; بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى - فصفات الخالق عز وجل أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه كل أحد بل منه ما يعلمه الراسخون ومنه ما يعلمه الأنبياء والملائكة ومنه ما لا يعلمه إلا الله . كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : إن التفسير على أربعة أوجه : تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب .

ولفظ " التأويل " في كلام السلف لا يراد به إلا التفسير أو الحقيقة الموجودة في الخارج التي يؤول إليها : كما في قوله تعالى { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله } الآية . وأما استعمال التأويل : بمعنى أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر أو لمطلق الدليل ; فهذا اصطلاح [ ص: 350 ] بعض المتأخرين ; ولم يكن في لفظ أحد من السلف ما يراد منه بالتأويل هذا المعنى . ثم لما شاع هذا بين المتأخرين : صاروا يظنون أن هذا هو التأويل في قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله } . ثم طائفة تقول : لا يعلمه إلا الله وقالت طائفة : بل يعلمه الراسخون .

وكلتا الطائفتين غالطة ; فإن هذا لا حقيقة له بل هو باطل والله يعلم انتفاءه وأنه لم يرده .

وهذا مثل تأويلات القرامطة الباطنية والجهمية وغيرهم من أهل الإلحاد والبدع . وتلك التأويلات باطلة والله لم يردها بكلامه وما لم يرده لا نقول إنه يعلم أنه مراده فإن هذا كذب على الله عز وجل . والراسخون في العلم لا يقولون على الله تبارك وتعالى الكذب ; وإن كنا مع ذلك قد علمنا بطريق خبر الله عز وجل عن نفسه - بل وبطريق الاعتبار أن الله المثل الأعلى - أن الله يوصف بصفات الكمال : موصوف بالحياة والعلم والقدرة وهذه صفات كمال .

والخالق أحق بها من المخلوق . فيمتنع أن يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق . ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي : يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به تفهم وتثبت هذه المعاني لله ; لم نكن قد عرفنا عن الله شيئا ولا صار في قلوبنا إيمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة [ ص: 351 ] ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه .

فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم ولا يمكن العلم إلا بإثبات " تلك المعاني " التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا . ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة ; حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة مما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ومن سادة أهل العلم والإيمان وتبين له أن القول في بعض " صفات الله " كالقول في سائرها وأن القول في صفاته كالقول في " ذاته " وأن من أثبت صفة دون صفة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع مشاركة أحدهما الأخرى فيما به نفاها ; كان متناقضا .

فمن نفى النزول والاستواء أو الرضى والغضب أو العلم والقدرة أو اسم العليم أو القدير أو اسم الموجود فرارا بزعمه من تشبيه تركيب وتجسيم ; فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبت المثبت . فكل ما يستدل به على نفي النزول والاستواء والرضى والغضب : يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي الإرادة ; والسمع والبصر والقدرة والعلم . وكل ما يستدل به على نفي القدرة والعلم والسمع والبصر : يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي العليم والقدير والسميع والبصير . وكل ما يستدل به على نفي هذه الأسماء : يمكن منازعه أن يستدل به على نفي الموجود والواجب .

[ ص: 352 ] ومن المعلوم بالضرورة أنه لا بد من موجود قديم واجب بنفسه يمتنع عليه العدم ; فإن الموجود : إما ممكن ومحدث ; وإما واجب وقديم . والممكن المحدث لا يوجد إلا بواجب قديم فإذا كان ما يستدل به على نفي الصفات الثابتة يستلزم نفي الموجود الواجب القديم ونفي ذلك يستلزم نفي الموجود مطلقا ; علم أن من عطل شيئا من الصفات الثابتة بمثل هذا الدليل كان قوله مستلزما تعطيل الموجود المشهود .

ومثال ذلك : أنه إذا قال : النزول والاستواء ونحو ذلك من صفات الأجسام فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب والله سبحانه منزه عن هذه اللوازم ; فيلزم تنزيهه عن الملزوم . أو قال ; هذه حادثة والحوادث لا تقوم إلا بجسم مركب وكذلك إذا قال : الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك هو من صفات الأجسام . فإنه يقال له : وكذلك الإرادة والسمع والبصر والعلم والقدرة : من صفات الأجسام فإنا كما لا نعقل ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى إلا جسما ; لم نعقل ما يسمع ويبصر ويريد ويعلم ويقدر إلا جسما .

فإذا قيل : سمعه ليس كسمعنا وبصره ليس كبصرنا وإرادته ليست كإرادتنا وكذلك علمه وقدرته : قيل له : وكذلك رضاه ليس كرضانا وغضبه ليس كغضبنا وفرحه ليس كفرحنا ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا . [ ص: 353 ] فإذا قال : لا يعقل في الشاهد غضب إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام ولا يعقل نزول إلا الانتقال والانتقال يقتضي تفريغ حيز وشغل آخر فلو كان ينزل ; لم يبق فوق العرش رب . قيل : ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره والله سبحانه وتعالى كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي : { يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني } فهو منزه عن الإرادة التي لا يعقل في الشاهد . إلا هي . وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا بدخول صوت في الصماخ وذلك لا يكون إلا في أجوف ; والله سبحانه أحد صمد منزه عن مثل ذلك بل وكذلك البصر والكلام لا يعقل في الشاهد إلا في محل أجوف ; والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك . قال ابن مسعود وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وخلق من السلف : " الصمد " الذي لا جوف له . وقال آخرون : هو السيد الذي كمل في سؤدده وكلا القولين حق ; فإن لفظ " الصمد " في اللغة يتناول هذا وهذا والصمد في اللغة السيد ; " والصمد " أيضا المصمد والمصمد المصمت وكلاهما معروف في اللغة .

[ ص: 354 ] ولهذا قال يحيى بن أبي كثير : الملائكة صمد والآدميون جوف . وهذا أيضا دليل آخر ; فإنه إذا كانت الملائكة - وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " { خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من نار ; وخلق آدم مما وصف لكم } " فإذا كانوا مخلوقين من نور ; وهم لا يأكلون ولا يشربون ; بل هم صمد ليسوا جوفا كالإنسان وهم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ويصعدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة وهم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وفعله ; فالخالق تعالى أعظم مباينة لمخلوقاته من مباينة الملائكة للآدميين ; فإن كليهما مخلوق .

والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق سبحانه وتعالى . وكذلك " روح ابن آدم " تسمع وتبصر وتتكلم وتنزل وتصعد كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة والمعقولات الصريحة ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله . فإذا لم يجز أن يقال : إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو الجسد وهي مقرونة به وهما جميعا الإنسان فإذا لم يكن روح الإنسان مماثلا للجسم الذي هو بدنه ; فكيف يجوز أن يجعل الرب تبارك وتعالى وصفاته وأفعاله مثل الجسم وصفاته وأفعاله فإن أراد النافي التزام أصله ; وقال : أنا أقول ليس له كلام يقوم به ; بل [ ص: 355 ] كلامه مخلوق ; قيل له : فيلزمك في السمع والبصر فإن البصريين من المعتزلة يثبتون الإدراك .

فإن قال : أنا أقول بقول البغداديين منهم - فلا أثبت له سمعا ولا بصرا ولا كلاما يقوم به ; بل أقول كلامه مخلوق من مخلوقاته لأن إثبات ذلك تجسيم وتشبيه بل ولا أثبت له إرادة كما لا يثبتها البغداديون ; بل أجعلها سلبا أو إضافة فأقول : معنى كونه مريدا أنه غير مغلوب ولا مكره أو بمعنى كونه خالقا وآمرا - قيل له : فيلزمك ذلك في كونه حيا عالما قادرا فإن المعتزلة مطبقة على إثبات أنه حي عالم قادر وقيل له : أنت لا تعرف حيا عالما قادرا إلا جسما ; فإذا جعلته حيا عالما قادرا ; لزمك التجسيم والتشبيه . فإن زاد في التعطيل وقال : أنا لا أقول بقول المعتزلة ; بل بقول الجهمية المحضة والباطنية من الفلاسفة والقرامطة فأنفي الأسماء مع الصفات ولا أسميه حيا ولا عالما ولا قادرا ولا متكلما إلا مجازا بمعنى السلب والإضافة : أي هو ليس بجاهل ولا عاجز وجعل غيره عالما قادرا - قيل له : فيلزمك ذلك في كونه موجودا واجبا بنفسه قديما فاعلا ; فإن جهما قد قيل : إنه كان يثبت كونه فاعلا قادرا ; لأن الإنسان عنده ليس بقادر ولا فاعل فلا تشبيه عنده في ذلك .

وإذا وصل إلى هذا المقام ; فلا بد له أن يقول بقول طائفة منهم فيقول : [ ص: 356 ] أنا لا أصفه بصفة وجود ولا عدم فلا أقول موجود ولا معدوم أو لا موجود ولا غير موجود بل أمسك عن النقيضين فلا أتكلم لا بنفي ولا إثبات . وإما أن يقول : أنا لا أصفه قط بأمر ثبوتي بل بالسلبي ; فلا أقول موجود بل أقول ليس بمعدوم .

وإما أن يقال : بل هو معدوم ; فالقسمة حاصرة . فإنه ; إما أن يصفه بأمر ثبوتي فيلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم وإما أن يقول لا أصفه بالثبوت بل بسلب العدم فلا أقول موجود بل ليس بمعدوم . وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول : ما ثم وجود واجب ; فإن قال بالأول وقال لا أثبت واحدا من النقيضين : لا الوجود ولا العدم . قيل : هب أنك تتكلم بذلك بلسانك ; ولا تعتقد بقلبك واحدا من الأمرين بل تلتزم الإعراض عن معرفة الله وعبادته وذكره فلا تذكره قط ولا تعبده ولا تدعوه ولا ترجوه ولا تخافه ; فيكون جحدك له أعظم من جحد إبليس الذي اعترف به فامتناعك من إثبات أحد النقيضين لا يستلزم رفع النقيضين في نفس الأمر ; فإن النقيضين لا يمكن رفعهما ; بل في نفس الأمر لا بد أن يكون الشيء - أي شيء كان - إما موجودا وإما معدوما إما أن يكون وإما ألا يكون وليس بين النفي والإثبات واسطة أصلا . ونحن نذكر ما في نفس الأمر سواء جحدته أنت أو اعترفت به وسواء [ ص: 357 ] ذكرته أو أعرضت عنه ; فإعراض الإنسان عن رؤية الشمس والقمر والكواكب والسماء لا يدفع وجودها ولا يدفع ثبوت أحد النقيضين ; بل بالضرورة " الشمس " إما موجودة وإما معدومة فإعراض قلبك ولسانك عن ذكر الله كيف يدفع وجوده ويوجب رفع النقيضين فلا بد أن يكون إما موجودا وإما معدوما في نفس الأمر . وكذلك من قال : أنا لا أقول موجود ; بل أقول ليس بمعدوم ; فإنه يقال : سلب أحد النقيضين إثبات للآخر فأنت غيرت العبارة ; إذ قول القائل : ليس بمعدوم يستلزم أن يكون موجودا فأما إذا لم يكن معدوما ; إما أن يكون موجودا ; وإما ألا يكون لا موجودا ولا معدوما .

وهذا " القسم الثالث " يوجب رفع النقيضين وهو مما يعلم فساده بالضرورة فوجب أنه إذا لم يكن معدوما أن يكون موجودا . وإن قال : بل ألتزم أنه معدوم ; قيل له : فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود موجودات ومن المعلوم أيضا أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن - كما نعلم نحن أنا حادثون بعد عدمنا وأن السحاب حادث والمطر والنبات حادث والدواب حادثة وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله تعالى عليها بقوله : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } وهذه الحوادث المشهورة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها ; فإن ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه وهذه كانت معدومة ثم وجدت ; فدل وجودها بعد عدمها على أنها يمكن وجودها ويمكن عدمها فإن كليهما قد تحقق فيها ; فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن . فنقول حينئذ : الموجود والمحدث الممكن لا بد له من موجد قديم واجب بنفسه ; فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه وهذا من أظهر المعارف الضرورية ; فإن الإنسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد في ذاته عضوا ولا قدرا فلا يقصر الطويل ولا يطول القصير ولا يجعل رأسه أكبر مما هو ولا أصغر وكذلك أبواه لا يقدران على شيء من ذلك . ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لا بد له من محدث وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان ; فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال : من ضربني ؟ فلو قيل له : لم يضربك أحد ; لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث ; بل يعلم أنه لا بد للحادث من محدث ; فإذا قيل : فلان ضربك ; بكى حتى يضرب ضاربه ; فكان في فطرته الإقرار [ ص: 359 ] بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون }

. " وفي الصحيحين { عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء أسارى بدر قال : وجدت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور قال : فلما سمعت هذه الآية { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } ؟ أحسست بفؤادي قد انصدع } . وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها يقول : { أم خلقوا من غير شيء } أي : من غير خالق خلقهم ; أم هم خلقوا أنفسهم وهم يعلمون أن كلا النقيضين باطل ; فتعين أن لهم خالقا خلقهم سبحانه وتعالى . وهنا طرق كثيرة مثل أن يقال : الوجود إما قديم وإما محدث والمحدث لا بد له من قديم والموجود إما واجب وإما ممكن والممكن لا بد له من واجب ونحو ذلك . وعلى كل تقدير فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه وموجود ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن . وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود وهو لا يعقل موجودا في الشاهد إلا جسما ; فلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم الذي ادعاه .

فعلم أن من نفى شيئا من صفات الله بمثل هذه الطريقة فإن نفيه باطل [ ص: 360 ] ولو لم يرد الشرع بإثبات ذلك ولا دل أيضا عليه العقل . فكيف ينفى بمثل ذلك ما دل الشرع والعقل على ثبوته فيتبين أن كل من نفى شيئا من الصفات - لأن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم - لزمه ما ألزم به غيره وحينئذ فيكون الجواب مشاركا . وأيضا فإذا كان هذا لازما على كل تقدير ; علم أن الاستدلال به على نفي الملزوم باطل فإن الملزوم موجود لا يمكن نفيه بحال ; ولهذا لا يوجد الاستدلال بمثل هذا في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها وإنما هو مما أحدثته الجهمية والمعتزلة وتلقاه عنهم كثير من الناس : ينفي عن الرب ما يجب نفيه عن الرب ; مثل أن ينفي عنه النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها : كالجهل والعجز والحاجة وغير ذلك . وهذا تنزيه صحيح ; ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه فيعارض بما أثبته ; فيلزمه التناقض . ومن هنا دخلت " الملاحدة الباطنية " على المسلمين حتى ردوا عن الإسلام خلقا عظيما صاروا يقولون لمن نفى شيئا عن الرب - مثل من ينفي بعض الصفات أو جميعها أو الأسماء الحسنى - ألم تنف هذا ؟ لئلا يلزم التشبيه والتجسيم فيقول : بلى فيقول : وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته ; فيحتاج أن يوافقهم على النفي شيئا بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى أن لا يعرف الله بقلبه ; ولا يذكره بلسانه ولا يعبده ولا يدعوه وإن كان لا يجزم بعدمه بل يعطل نفسه عن الإيمان به وقد عرف تناقض هؤلاء .

[ ص: 361 ] وإن التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون ; كان تناقضه أعظم ; فإنه يقال له : فهذا العالم الموجود إذا لم يكن له صانع كان قديما أزليا واجبا بنفسه - ومن المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم - وحينئذ ففي الوجود قديم ومحدث وواجب وممكن وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان : أحدهما قديم واجب . والآخر محدث ممكن ; فيلزمك ما فررت منه من التشبيه والتجسيم بل هذا يلزمك بصريح قولك فإن العالم المشهود جسم تقوم به الحركات فإن الفلك جسم وكذلك الشمس والقمر والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات ; فجحدت رب العالمين لئلا تجعل القديم الواجب جسما تقوم به الصفات والحركات ثم في آخر أمرك جعلت القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه أجساما متعددة تشبه غيرها من وجوه كثيرة تقوم بها الصفات والحركات مع ما فيها من الافتقار والحاجة . فإن الشمس والقمر والكواكب محتاجة إلى محالها التي هي فيها ومواضعها التي تحملها وتدور بها والأفلاك كل منها محتاج إلى ما سواه إلى غير ذلك من دلائل نقصها وحاجتها .

[ ص: 362 ] والمقصود هنا : أن هذا الذي فر من أن يجعل القديم الواجب موجودا - وموصوفا بصفات الكمال لئلا يلزم ما ذكره من التشبيه والتجسيم وجعل نفي هذا اللازم دليلا على نفي ما جعله ملزوما له - لزمه في آخر الأمر ما فر منه من جعله الموجود الواجب جسما يشبه غيره مع أنه وصفه بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها ومع أنه جحد الخالق جل جلاله ; فلزمه مع الكفر الذي هو أعظم من كفر عامة المشركين فإنهم كانوا يقرون بالصانع مع عبادتهم لما سواه ولزمه مع هذا أنه من أجهل بني آدم وأفسدهم عقلا ونظرا وأشدهم تناقضا . وهكذا يفعل الله بالذين يلحدون في أسمائه وآياته - مع دعوى النظر والمعقول والبرهان والقياس كفرعون وأتباعه - قال الله تعالى : { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } { إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب } { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال } { وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد } { وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } { وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد } { ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد } { يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد } { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } { وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب } { أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب }

. وقال تعالى : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار } { ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب } { هدى وذكرى لأولي الألباب } { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير } . [ ص: 364 ] وسبب ذلك أن لفظ " الجسم " و " التشبيه " فيه إجمال واشتباه كما سنبينه إن شاء الله تعالى ; فإن هؤلاء النفاة لا يريدون بالجسم الذي نفوه ما هو المراد بالجسم في اللغة فإن الموصوف بالصفات لا يجب أن يكون هو الجسم الذي في اللغة كما نقله أهل اللغة باتفاق العقلاء وسنأتي بذلك ; وإنما يريدون بالجسم ما اعتقدوه أنه مركب من أجزاء واعتقدوا أن كل ما تقوم به الصفات فهو مركب من أجزاء وهذا الاعتقاد باطل . بل الرب موصوف بالصفات وليس جسما مركبا لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة كما يدعون كما سنبينه إن شاء الله تعالى ; فلا يلزم من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المحال بل غلطوا في هذا التلازم .

وأما ما هو لازم لا ريب فيه ; فذاك يجب إثباته لا يجوز نفيه عن الله تعالى . فكان غلطهم باستعمال لفظ مجمل وإحدى المقدمتين باطلة : إما الأولى وإما الثانية كما سيأتي إن شاء الله تعالى . وهذه قواعد مختصرة جامعة وهي مبسوطة في مواضع أخرى .



[ ص: 365 ] فصل . إذا تبين هذا فقول السائل : كيف ينزل ؟ بمنزلة قوله : كيف استوى ؟ وقوله : كيف يسمع ؟ وكيف يبصر ؟ وكيف : يعلم ويقدر ؟ وكيف يخلق ويرزق ؟ وقد تقدم الجواب عن مثل هذا السؤال من أئمة الإسلام مثل : مالك بن أنس وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ; فإنه قد روي من غير وجه أن سائلا سأل مالكا عن قوله : { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى ؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا رجل سوء ثم أمر به فأخرج . ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا ومرفوعا ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه وهكذا سائر الأئمة قولهم يوافق قول مالك : في أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب فنعلم معنى الاستواء ولا نعلم كيفيته وكذلك نعلم معنى النزول ولا نعلم كيفيته ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة ولا نعلم كيفية ذلك ونعلم معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك ولا نعلم كيفية ذلك .



[ ص: 366 ] وأما سؤال السائل : هل يخلو منه العرش أم لا يخلو منه ؟ - وإمساك المجيب عن هذا لعدم علمه بما يجيب به فإنه إمساك عن الجواب بما لم يعلم حقيقته - وسؤال السائل له عن هذا إن كان نفيا لما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم فخطأ منه وإن كان استرشادا فحسن وإن كان تجهيلا للمسئول ; فهذا فيه تفصيل . فإن المثبت الذي لم يثبت إلا ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم ونفى علمه بالكيفية ; فقوله سديد لا يرد عليه سؤاله والمعترض الذي يعترض عليه بهذا السؤال ; اعتراضه باطل فإن ذلك لا يقدح في جواب المجيب .

وقول المسئول : هذا قول مبتدع ورأي مخترع - حيدة منه عن الجواب - يدل على جهله بالجواب السديد ; ولكن لا يدل هذا على أن نفي المعترض لما أخبر به الرسول حق ولا على أن تأويله بنزول أمره ورحمته تأويل صحيح . ومما يبين ذلك : أن هذا المعترض إما أن يقر بأن الله فوق العرش وإما أن لا يكون مقرا بذلك . فإن لم يكن مقرا بذلك ; كان قوله : هل يخلو العرش منه أم لا يخلو ؟ كلاما باطلا ; لأن هذا التقسيم فرع ثبوت كونه على العرش . وإن قال المعترض : أنا ذكرت هذا التقسيم لأنفي نزوله وأنفي العلو - لأنه إن قال : يخلو منه العرش لزم أن يخلو من استوائه على العرش وعلوه عليه وأن لا يكون وقت النزول هو العلي الأعلى بل يكون في جوف العالم والعالم محيط به . وإن قال : إن العرش لا يخلو منه قيل له : فإذا لم يخل العرش منه لم يكن قد نزل فإن نزوله بدون خلو العرش منه لا يعقل - فيقال لهذا المعترض : [ ص: 367 ] هذا الاعتراض باطل لا ينفعك لأن الخالق سبحانه وتعالى موجود بالضرورة والشرع والعقل والاتفاق . فهو إما أن يكون مباينا للعالم فوقه وإما أن يكون مداخلا للعالم محايثا وإما أن يكون لا هذا ولا هذا .

فإن قلت : إنه محايث للعالم بطل قولك فإنك إذا جوزت نزوله وهو بذاته في كل مكان ; لم يمتنع عندك خلو ما فوق العرش منه بل هو دائما خال منه لأنه هناك ليس عندك شيء ثم يقال لك : وهل يعقل مع هذا أن يكون في كل مكان وأنه مع هذا ينزل إلى السماء الدنيا ؟ فإن قلت : نعم ; قيل لك : فإذا نزل هل يخلو منه بعض الأمكنة أو لا يخلو ؟ فإن قلت : يخلو منه بعض الأمكنة ; كان هذا نظير خلو العرش منه . فإن قلت : لا يخلو منه مكان ; كان هذا نظير كون العرش لا يخلو منه . فإن جوزت هذا ; كان لخصمك أن يجوز هذا . فقد لزمك على قولك ما يلزم منازعك بل قولك أبعد عن المعقول لأن نزول من هو فوق العالم أقرب إلى المعقول من نزول من هو حال في جميع العالم فإن نزول هذا لا يعقل بحال وما فررت منه من الحلول وقعت في نظيره بل منازعك الذي يجوز أن يكون فوق العالم وهو أعظم عنده من العالم وينزل إلى العالم أشد تعظيما لله منك ويقال له : هل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما أحدهما محايث للآخر ؟ فإن قال : لا ; بطل قوله .

وإن قال : نعم ; قيل له : فليعقل أنه فوق العرش وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش فإن هذا أقرب إلى العقل مما إذا قلت : إنه حال في العالم . [ ص: 368 ] وإن قلت ; إنه لا مباين للعالم ولا مداخل له ; قيل لك : فهل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما ليس أحدهما مباينا للآخر ولا محايثا له ؟ فإن جمهور العقلاء يقولون : إن فساد هذا معلوم بالضرورة فإذا قال : نعم يعقل ذلك فيقال له : فإن جاز وجود موجود قائم بنفسه ليس هو مباينا للعالم ولا محايثا له فوجود مباين للعالم ينزل إلى العالم ولا يخلو منه ما فوق العالم أقرب إلى المعقول ; فإنك إن كنت لا تثبت من الوجود إلا ما تعقل له حقيقة في الخارج فأنت لا تعقل في الخارج موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما داخلا في الآخر ولا محايثا له وإن كنت تثبت ما لا تعقل حقيقته في الخارج فوجود موجودين أحدهما مباين للآخر أقرب إلى المعقول ; ونزول هذا من غير خلو ما فوق العرش منه أقرب إلى المعقول من كونه لا فوق العالم ولا داخل العالم فإن حكمت بالقياس ; فالقياس عليك لا لك ; وإن لم تحكم به ; لم يصح استدلالك على منازعك به . وأما قول السائل : ليس هذا جوابي بل هو حيدة عن الجواب : فيقال له : الجواب على " وجهين " جواب معترض ناف لنزوله وعلوه وجواب مثبت لنزوله وعلوه وأنت لم تسأل سؤال مستفت بل سألت سؤال معترض ناف . وقد تبين لك أن هذا الاعتراض ساقط لا ينفعك فإنه سواء قيل : إنه يخلو منه العرش أو قيل لا يخلو منه العرش ليس في ذلك ما يصحح قولك إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا قولك إنه بذاته في كل مكان .

وإذا [ ص: 369 ] بطل هذان القولان تعين " الثالث " وهو : أنه سبحانه وتعالى فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وإذا كان كذلك ; بطل قول المعترض . هذا إن كان المعترض غير مقر بأنه فوق العرش وقد سئل بعض أئمة نفاة العلو عن النزول فقال : ينزل أمره . فقال له السائل : فمن ينزل ؟ ما عندك فوق العالم شيء فممن ينزل الأمر ؟ . من العدم المحض فبهت . وإن كان المعترض من المثبتة للعلو ويقول : إن الله فوق العرش ; لكن لا يقر بنزوله ; بل يقول بنزول ملك أو يقول بنزول أمره الذي هو مأمور به وهو مخلوق من مخلوقاته ; فيجعل النزول مفعولا محدثا يحدثه الله في السماء كما يقال مثل ذلك في استوائه على العرش ; فيقال له : هذا التقسيم يلزمك فإنك إن قلت : إذا نزل يخلو منه العرش ; لزم المحذور الأول وإن قلت : لا يخلو منه العرش ; أثبت نزولا مع عدم خلو العرش منه وهذا لا يعقل على أصلك . وإن قال : إنما أثبت ذلك في بعض مخلوقاته ; قيل له : أي شيء أثبته مع عدم فعل اختياري يقوم بنفسه كان غير معقول من هذا الخطاب ; لا يمكن أن يراد به أصلا مع تحريف الكلم عن مواضعه ; فجمعت بين شيئين : بين أن مما أثبته لا يمكن أن يعقل من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أنك حرفت كلام الرسول صلى الله عليه وسلم .

فإن قلت : الذي ينزل ملك . قيل : هذا باطل من وجوه : [ ص: 370 ] ( منها : أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض كما قال تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده } وقال تعالى : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون } . وكذلك ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن لله ملائكة سياحين فضلا يتتبعون مجالس الذكر . فإذا مروا على قوم يذكرون الله تعالى ينادون : هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا . قال فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - : ما يقول عبادي ؟ قال فيقولون : يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك }

. وفي رواية لمسلم : { إن لله ملائكة سيارة فضلا عن كتاب الناس يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر ; قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا حتى يملئوا ما بينهم وبين سماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا أو صعدوا إلى السماء . قال : فيسألهم الله عز وجل - وهو أعلم بهم - : من أين جئتم ؟ فيقولون : جئنا [ ص: 371 ] من عند عبادك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك } . الحديث بطوله . ( الوجه الثاني أنه قال فيه : { من يسألني فأعطيه ؟ من يدعوني فأستجيب له ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ } . وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك عن الله بل الذي يقول الملك : ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا أحب الله العبد نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه ; فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض } وذكر في البغض مثل ذلك . فالملك إذا نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطب ; بل يقول : إن الله أمر بكذا أو قال كذا .

وهكذا إذا أمر السلطان مناديا ينادي فإنه يقول : يا معشر الناس أمر السلطان بكذا ونهى عن كذا ورسم بهذا لا يقول أمرت بكذا ونهيت عن كذا بل لو قال ذلك بودر إلى عقوبته . وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى عليه السلام بأنه أمر ملكا فكلمه فقال لهم أهل السنة : لو كلمه ملك لم يقل { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } بل كان يقول كما قال المسيح عليه السلام { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } . فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء تقول كما كان جبريل عليه السلام يقول [ ص: 372 ] لمحمد صلى الله عليه وسلم { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك } ويقول : إن الله يأمرك بكذا ويقول كذا لا يمكن أن يقول ملك من الملائكة { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ولا يقول { من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ } ولا يقول { لا يسأل عن عبادي غيري } كما رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما وسندهما صحيح أنه يقول : [ { لا أسأل عن عبادي غيري } ] . وهذا أيضا مما يبطل حجة بعض الناس فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث أنه يأمر مناديا فينادي فإن هذا إن كان ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الرب يقول ذلك ويأمر مناديا بذلك ; لا أن المنادي يقول { من يدعوني فأستجيب له ؟ } ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المنادي يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفا عن سلف - فاسد في المعقول فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين كما روى بعضهم ينزل بالضم وكما قرأ بعضهم ( { وكلم الله موسى تكليما } ) ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى . وإن تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك قيل : الرحمة التي تثبتها إما أن تكون عينا قائمة بنفسها وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها .

[ ص: 373 ] فإن كانت عينا وقد نزلت إلى السماء الدنيا لم يمكن أن تقول من يدعوني فأستجيب له ؟ كما لا يمكن الملك أن يقول ذلك . وإن كانت صفة من الصفات فهي لا تقوم بنفسها ; بل لا بد لها من محل . ثم لا يمكن الصفة أن تقول هذا الكلام ولا محلها . ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلينا فأي منفعة لنا في ذلك ؟ وإن قال : بل الرحمة ما ينزله على قلوب قوام الليل في تلك الساعة من حلاوة المناجاة والعبادة وطيب الدعاء والمعرفة وما يحصل في القلوب من مزيد المعرفة بالله والإيمان به وذكره وتجليه لقلوب أوليائه فإن هذا أمر معروف يعرفه قوام الليل قيل له : حصول هذا في القلوب حق لكن هذا ينزل إلى الأرض إلى قلوب عباده لا ينزل إلى السماء الدنيا ولا يصعد بعد نزوله وهذا الذي يوجد في القلوب يبقى بعد طلوع الفجر ; لكن هذا النور والبركة والرحمة التي في القلوب هي من آثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته سبحانه وتعالى . كما وصف نفسه " بالنزول عشية عرفة " في عدة أحاديث صحيحة وبعضها في " صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وأنه عز وجل ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ما أراد هؤلاء ؟ } وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة فيقول : انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا [ ص: 374 ] ضاحين من كل فج عميق } وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة ويقول : انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا } فوصف أنه يدنو عشية عرفة إلى السماء الدنيا ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ما أراد هؤلاء ؟ فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه لكن ليس هذا الذي في قلوبهم هو الذي يدنو إلى السماء الدنيا ويباهي الملائكة بالحجيج . والجهمية ونحوهم من المعطلة : إنما يثبتون مخلوقا بلا خالق وأثرا بلا مؤثر ومفعولا بلا فاعل وهذا معروف من أصولهم وهذا من فروع أقوال الجهمية .

وأيضا فيقال له : وصف نفسه بالنزول كوصفه في القرآن بأنه { خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } وبأنه استوى إلى السماء وهي دخان وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة وبالمجيء والإتيان في قوله : { وجاء ربك والملك صفا صفا } وقال : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } . والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إتيان الرب يوم القيامة كثيرة وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة وهذا مما احتج به السلف على من ينكر الحديث فبينوا له أن القرآن يصدق معنى هذا الحديث كما احتج به [ ص: 375 ] إسحاق بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر : أمير خراسان . قال أبو عبد الله الرباطي : حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول أصحيح هو ؟ فقال : نعم فقال له بعض قواد عبد الله : يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة ؟ قال : نعم قال : كيف ينزل ؟ قال أثبته فوق حتى أصف لك النزول فقال له الرجل : أثبته فوق فقال له إسحاق : قال الله تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } فقال الأمير عبد الله بن طاهر : يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق : أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم .



ثم بعد هذا إذا نزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو ؟ " هذه مسألة أخرى " تكلم فيها أهل الإثبات . فمنهم من قال : لا يخلو منه العرش ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد وعن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم . ومنهم من أنكر ذلك وطعن في هذه الرسالة وقال : راويها عن أحمد بن حنبل مجهول لا يعرف . والقول الأول معروف عند الأئمة كحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه [ ص: 376 ] وغيرهما قال الخلال في " كتاب السنة " : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا أحمد بن محمد المقدمي ثنا سليمان بن حرب قال : سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال : يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء : { ينزل ربنا إلى سماء الدنيا } يتحول من مكان إلى مكان ؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال : هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء .

ورواه ابن بطة في كتاب " الإبانة " فقال : حدثني أبو القاسم حفص بن عمر الأردبيلي حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا سليمان بن حرب قال سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال : يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء { ينزل الله إلى سماء الدنيا } أيتحول من مكان إلى مكان ؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال : هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء . وقال ابن بطة : وحدثنا أبو بكر النجاد ثنا أحمد بن علي الأبار ثنا علي بن خشرم قال : قال إسحاق بن راهويه : دخلت على عبد الله بن طاهر فقال : ما هذه الأحاديث التي تروونها قلت : أي شيء أصلح الله الأمير ؟ قال : تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا قلت : نعم رواها الثقات الذين يروون الأحكام .

قال : أينزل ويدع عرشه ؟ قال : فقلت : يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه . قال : نعم . قلت : ولم تتكلم في هذا وقد رواها اللكائي أيضا بإسناد منقطع واللفظ مخالف لهذا . وهذا الإسناد أصح وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما أئمة ثقات . فحماد بن زيد يقول : هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء فأثبت قربه إلى خلقه مع [ ص: 377 ] كونه فوق عرشه وعبد الله بن طاهر - وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش وأشكل عليه أنه ينزل لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش وقال له : يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش ؟ فقال له الأمير : نعم فقال له إسحاق : لم تتكلم في هذا ؟ يقول : فإذا كان قادرا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش وكان هذا أهون من اعتراض من يقول : ليس فوق العرش شيء فينكر هذا وهذا . ونظيره ما رواه أبو بكر الأثرم في " السنة " قال : حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني العبادي قال : حدثني الليث بن يحيى قال : سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول : سمعت الفضيل بن عياض يقول : إذا قال الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل : أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء . أراد الفضيل بن عياض رحمه الله مخالفة الجهمي الذي يقول إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية فلا يتصور منه إتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من الأفعال الاختيارية القائمة به .

فقال الفضيل : إذا قال لك الجهمي : أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل : أنا أؤمن برب يفعل ما شاء . فأمره أن يؤمن بالرب الذي يفعل ما يشاء من الأفعال القائمة بذاته التي يشاؤها لم يرد من المفعولات المنفصلة عنه . ومثل ذلك يروى عن الأوزاعي وغيره من السلف أنهم قالوا في حديث النزول يفعل الله ما يشاء . قال اللكائي : حدثنا المسير بن عثمان حدثنا [ ص: 378 ] أحمد بن الحسين : ثنا أحمد بن علي الأبار قال : سمعت يحيى بن معين يقول : إذا سمعت الجهمي يقول : أنا أكفر برب ينزل ; فقل : أنا أؤمن برب يفعل ما يريد : فإن بعض من يعظمهم وينفي قيام الأفعال الاختيارية به - كالقاضي أبي بكر ومن اتبعه وابن عقيل والقاضي عياض وغيرهم - يحمل كلامهم على أن مرادهم بقولهم : " يفعل ما يشاء " أن يحدث شيئا منفصلا عنه من دون أن يقوم به هو فعل أصلا . وهذا أوجبه أصلان لهم : ( أحدهما أن الفعل عندهم هو المفعول والخلق هو المخلوق ، فهم يفسرون أفعاله المتعدية مثل قوله تعالى { خلق السموات والأرض } وأمثاله : إن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة وهي أمر عدمي ; لا وجودي كما يقولون مثل ذلك في كونه يسمع أصوات العباد ويرى أعمالهم وفي كونه كلم موسى وغيره وكونه أنزل القرآن أو نسخ منه ما نسخ ; وغير ذلك فإنه لم يتجدد عندهم إلا مجرد " نسبة " و " إضافة " الخالق والمخلوق وهي أمر عدمي لا وجودي . وهكذا يقولون : في استوائه على العرش إذا قالوا : إنه فوق العرش وهذا قول ابن عقيل وغيره وهو أول قولي القاضي أبي يعلى . ويسمي ابن عقيل هذه " النسبة " الأحوال ; ولعله يشبهها " بالأحوال " التي يثبتها من يثبتها من النظار [ ص: 379 ] ويقولون هي لا موجودة ولا معدومة كما يقول ذلك أبو هاشم والقاضيان : أبو بكر وأبو يعلى وأبو المعالي الجويني في أول قوليه .

وأكثر الناس خالفوهم في هذا الأصل وأثبتوا له تعالى فعلا قائما بذاته وخلقا غير المخلوق - ويسمى التكوين - وهو الذي يقول به قدماء الكلابية كما ذكره الثقفي والضبعي وغيرهما من أصحاب أبي بكر محمد بن خزيمة في العقيدة التي كتبوها وقرءوها على أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة لما وقع بينهم النزاع في " مسألة القرآن " . وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وجمهور الحنفية والحنبلية وأئمة المالكية والشافعية وهو الذي ذكره البغوي في " شرح السنة " عن أهل السنة وذكره البخاري إجماع العلماء كما بسط ذلك في مواضع أخر . و " الأصل الثاني " : نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيئته ويسمون ذلك " حلول الحوادث " . فلما كانوا نفاة لهذا امتنع عندهم أن يقوم به فعل اختياري يحصل بقدرته ومشيئته ; لا لازم ولا متعد ; لا نزول ولا مجيء ولا استواء ولا إتيان ولا خلق ولا إحياء ولا إماتة ولا غير ذلك .

فلهذا فسروا قول السلف بالنزول بأنه يفعل ما يشاء على أن مرادهم حصول مخلوق منفصل ; لكن كلام السلف صريح في أنهم لم يريدوا ذلك وإنما أرادوا الفعل الاختياري الذي يقوم به . [ ص: 380 ] والفضيل بن عياض رحمه الله لم يرد أنه يخلو منه العرش ; بل أراد مخالفة الجهمية ; فإن قوله : " يفعل ما يشاء " لا يتضمن أنه لا بد أن يكون تحت العرش بل كلامه من جنس كلام أمثاله من السلف : كالأوزاعي وحماد بن زيد وغيرهما . ومنهم من أنكر ما روي عن أحمد في رسالته إلى مسدد وقال : راويها عن أحمد مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعي . وأهل الحديث في هذا على " ثلاثة أقوال " : منهم من ينكر أن يقال : يخلو أو لا يخلو كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره .

ومنهم من يقول : بل يخلو منه العرش وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده مصنفا في الإنكار على من قال : لا يخلو منه العرش وسماه : " الرد على من زعم أن الله في كل مكان وعلى من زعم أن الله ليس له مكان وعلى من تأول النزول على غير النزول " . وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في " أقوال أهل السنة " عن أبي الحسن محمد بن علي المروزي عن محمد بن إبراهيم الدينوري عن علي بن أحمد بن محمد بن موسى عن أحمد بن محمد البردعي التميمي قال : لما أشكل على مسدد بن مسرهد أمر السنة وما وقع فيه الناس من " القدر " [ ص: 381 ] و " الرفض " و " الاعتزال " و " الإرجاء " و " القرآن " كتب إلى " أحمد بن حنبل " : أن اكتب إلي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد ثم ذكر فيها ; وينزل الله إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش وعن حديث روي عن إسحاق بن راهويه في هذا المعنى . وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما وعن غيرهما وحكمه عند أهل الأثر حكم حديث منكر وقال : أحمد بن محمد البردعي مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه " أحمد بن محمد " : فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ وأبي بكر الأثرم وأحمد بن محمد بن الحجاج وأبي بكر المروذي وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي وأحمد بن محمد الصائغ وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق . وزاد ابن الجوزي : أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي وأحمد بن خالد أبا العباس البراني وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح الأسدي وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي وأحمد بن محمد بن يحيى الكحال وأحمد بن محمد بن البخاري وأحمد بن محمد بن بطة [ ص: 382 ] وذكر أحمد بن الحسن أبا الحسن الترمذي ; وأحمد بن سعيد وقيل : أبو الأشعبة الترمذي . وذكر في المحمدين : محمد بن إسماعيل الترمذي قال : ولم يعد هذا فيمن روى عن مسدد أيضا .

قال : وهذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة على لفظ واحد منهم : أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص ومعاذ بن جبل وأبو أمامة وعقبة بن عامر وأبو ثعلبة المروذي ورفاعة بن عرابة الجهني وعبادة بن الصامت وعمر بن عبسة وأبو هريرة وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبد الله وجبير بن مطعم وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ ; ولا من رواه من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم . ثم ساق الأحاديث بألفاظها ; وذكر أن أحدا منهم لم يقل هذا اللفظ . قال : وهو لفظ موافق لرأي من زعم أنه لا يخلو منه مكان ورأى من زعم أنه ليس له مكان .

قال : وتأويل من تأول النزول على غير النزول مخالف لقول من قال : ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة ولقوله : فلا يزال كذلك إلى الفجر . قلت : القائلون بذلك لم يقولوا : إن هذا اللفظ في الحديث ; وليس في [ ص: 383 ] الحديث أيضا أنه لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش ; كما يدعيه المدعون لذلك فليس في الحديث لا لفظ المثبتين لذلك ولا لفظ النفاة له . وهؤلاء يقولون : إنهم يتأولون النزول على غير النزول ; بل قد يكون من هؤلاء من ينفي نزولا يقوم به ويجعل النزول مخلوقا منفصلا عنه ; وعامة رد ابن منده المستقيم إنما يتناول هؤلاء ; لكنه زاد زيادات نسب لأجلها إلى البدعة ; ولهذا كانوا يفضلون أباه أبا عبد الله عليه وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي وغيره يتكلمون فيه في ذلك كما هو معروف عنهم . قال عبد الرحمن : قال أبي في الرد على من تأول النزول على غير النزول واحتج في إبطال الأخبار الصحاح بأحاديث موضوعة وادعى المدبر أنه يقول بحديث النزول فحرفه على من حضر مجلسه وأنكر في خطبته ما أنزل الله في كتابه من حجته وما بين الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه ينزل بذاته وتأول النزول على معنى الأمر والنهي ; لا حقيقة النزول . وزعم أن أئمتهم العارفين بالأصول ينزهون الله عن التنقلات فأبطل جميع ما أخرج في هذا الباب إذ كان مذهبه غير ظاهر الحديث واعتماده على التأويل الباطل والمعقول الفاسد . وقوله تعالى { ليس كمثله شيء } نفى التشبيه من جميع الجهات وكل المعاني ولكن البائس المسكين لم يجد الطريق إلى ثلب الأئمة إلا بهذا الطريق الذي هو [ ص: 384 ] به أولى ثم قصد تعليل حديث النزول بما لا يعد علة ولا خلافا من قول الراوي " ينزل " و " يقول إذا مضى نصف الليل " وقال بعضهم " ثلث الليل ونصف الليل " قال ابن منده وليس هذا اختلافا ولكنه جهل واحتج معها بحديث محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه عن زيد بن أبي أنيسة عن طارق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنه يأمر مناديا ينادي كل ليلة " .

وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه . زعم أن يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي والبخاري ومسلما ; أخرجوا في كتبهم مثل هؤلاء الضعفاء المتروكين ترددا منه وجهلا وأعاد حديث أبي هشام الرفاعي عن حفص . رواه محاضر وغير واحد قال { إن الله ينزل كل ليلة } . وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد الله بن عمر . عن زيد بن أبي أنيسة عن طارق . عن سعيد بن جبير . عن ابن عباس قوله { إن الله ينزل كل ليلة } . وأما حديث الحسن ; عن عثمان بن أبي العاص فقد تقدم الكلام عليه فيما ذكرنا ; وليس في هذه الأحاديث ولا رواتها ما يصح ; قال ولو سكت عن معرفة الحديث كان أجمل به وأحسن ; إذ قد سلب الله معرفته وأرسخ في قلبه تبطيل الأخبار الصحاح واعتماد معقوله الفاسد . [ ص: 385 ] قلت فهذا نقل عبد الرحمن لكلام أبيه وأبوه أعلم منه وأفقه وأسد قولا . ثم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده هذا . قال : حدثنا محمد بن محمد بن الحسن ثنا عبد الله بن محمد الوراق ثنا زكريا بن يحيى الساجي ثم قال عبد الرحمن : حدثني أحمد بن نصر قال : كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلامي من أصحاب الكلام فقال له : تقولون إن الله على عرشه لا يزول ; ثم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا ؟ فقال : عن حماد بن زيد : إن الله على عرشه ولكن يقرب من خلقه كيف شاء .

قال عبد الرحمن : ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان بن حرب أرادا بقولهما يقرب من خلقه كيف شاء ; أرادا أن لا يزول عن مكانه ; فقد نسبهما إلى خلاف ما ورد في الكتاب والسنة . قال : وحدثنا عبد الصمد بن محمد المعاصمي ببلخ أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي قال أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حراش قال حدثنا أحمد بن الحسن بن زياد حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : إذا قال لك الجهمي : أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه فقال له أنا أومن برب يفعل ما يشاء . قال : رواه جماعة عن فضيل بن عياض . قال : ولم يرد به أحد أن الله يفعل ما ذهب إليه الزنادقة فلا يبقى خلاف بين من يقول : أنا أكفر برب ينزل ويصعد وبين من يقول : أنا أومن برب لا يخلو منه العرش في إبطال ما نطق به [ ص: 386 ] الكتاب والسنة . ثم روي بإسناده عن الفضيل بن عياض إذا قال الجهمي أنا أكفر برب ينزل ويصعد فقل آمنت برب يفعل ما يشاء . قلت : زكريا بن يحيى الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث وكثير مما نقل في كتاب " مقالات الإسلاميين " من مذهب أهل السنة والحديث وذكر عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق العرش وأنه يقرب من خلقه كيف شاء . ومعنى ذلك عنده وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته : أنه يخلق أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا كما قال : إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواء . وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق والإحسان وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه .



والأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون : إن الله فوق العرش بذاته ولكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم في نفي قيام الحوادث به والسلف الذين قالوا يفعل ما يشاء وينزل كيف شاء وكما شاء والفضيل بن عياض الذي قال : إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنا أومن برب يفعل ما يشاء مرادهم نقيض هذا القول . ورد أبي عبد الله بن منده متناول لهؤلاء وعلى هذا فلا يبقى [ ص: 387 ] خلاف بين من يقول ينزل ويصعد وبين من ينفي ذلك وذلك لأن الأفعال المنفصلة لم ينازع فيها أحد من المسلمين فعلم أن مراد هؤلاء إثبات الفعل الاختياري القائم به ; ولكنهم مع هذا ليس في كلامهم أنهم كانوا يعتقدون خلو العرش منه وأنه لا يبقى فوق العرش ; كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث . وروى بإسناده من " كتاب السنة " لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن ; حدثني أبي ثنا أحمد بن محمد بن عمر اللبناني ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا موسى بن داود أبو معمر ثنا عباد بن العوام قال : قدم علينا شريك فسألته عن الحديث { إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان } . قلنا : إن قوما ينكرون هذه الأحاديث قال فما يقولون ؟ قلنا : يطعنون فيها فقال : إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن وبالصلاة وبالحج وبالصوم فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث .

قال : وأما حديث إسحاق بن راهويه فرواه إسماعيل الترمذي وذكر عن ابن أبي حاتم أنهم تكلموا فيه . قال : والحديث حدث به أحمد بن موسى بن بريدة عن أحمد بن عبد الله بن محمد بن بشير عن الترمذي : سمعت [ ص: 388 ] إسحاق بن راهويه يقول : اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يوما فقالوا له : أيها الأمير ; إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه وهو كافر يزعم أن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش . قال : فغضب عبد الله وبعث إلي فدخلت عليه وسلمت ; فلم يرد علي السلام غضبا ولم يستجلسني ثم رفع رأسه وقال لي : ويلك يا إسحاق ما يقول هؤلاء ؟ قال : قلت لا أدري قال : تزعم أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو منه العرش ؟ فقلت أيها الأمير لست أنا قلته قاله النبي صلى الله عليه وسلم ثنا أبو بكر بن عياش عن إسحاق عن الأغر بن مسلم أنه قال : أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ينزل الله إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ . من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له } ولكن مرهم يناظروني . قال فلما ذكرت له النبي صلى الله عليه وسلم سكن غضبه وقال لي اجلس فجلست .

فقلت : مرهم أيها الأمير يناظروني . قال ناظروه قال فقلت لهم : يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم لا يستطيع ؟ قال : فسكتوا وأطرقوا رءوسهم .

فقلت : أيها الأمير مرهم يجيبوا فسكتوا . فقال ويحك يا إسحاق ماذا سألتهم قال : قلت : أيها الأمير قل لهم يستطيع أن ينزل ; ولا يخلو منه العرش أم لا ؟ قال فأيش هذا ؟

قلت : إن زعموا أنه لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش ؟ فقد زعموا أن الله عاجز مثلي ومثلهم وقد كفروا . وإن زعموا أنه يستطيع [ ص: 389 ] أن ينزل ولا يخلو منه العرش فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء ولا يخلو منه المكان .

قال عبد الرحمن : والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد الله بن طاهر ما أخبرنا أبي ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن حاتم سمعت إسحاق بن إبراهيم بن مخلد يقول : قال لي عبد الله بن طاهر : يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي تروونها في النزول - يعني وغير ذلك - ما هي ؟ قلت : أيها الأمير هذه أحاديث جاءت مجيء الأحكام والحلال والحرام ونقلها العلماء فلا يجوز أن ترد ; هي كما جاءت بلا كيف .

فقال عبد الله : صدقت ما كنت أعرف وجوهها إلى الآن قال عبد الرحمن : ولا يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول وتبطل قول من يقول : هي كما جاءت بلا كيف ; فيقال : بل مخاطبة إسحاق لعبد الله بن طاهر كان فيها زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك في غير هذه الرواية ; ولكن هذه المخاطبات والمناظرات ينقل منها هذا ما لا ينقل غيره : كما نقلوا في مناظرة أحمد بن حنبل وغيره هذا ينقل ما لا ينقله هذا : كما نقل صالح وعبد الله والمروذي وغيرهم وكلهم ثقات وإسحاق بسط الكلام مع ابن طاهر . قال الشيخ أبو عثمان النيسابوري " الصابوني " الملقب بشيخ الإسلام في رسالته في السنة قال : ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه وتعالى [ ص: 390 ] فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه في قوله : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } وذكر عدة آيات من ذلك ; فإن هذا ذكره الله في سبعة مواضع من القرآن

قال : وأهل الحديث يثبتون في ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في خبره ويطلقون ما أطلقه الله سبحانه من استوائه على عرشه ويمرون ذلك على ظاهره ويكلون علمه إلى الله تعالى و { يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب } .

وروي بإسناده من طريقين أن مالك بن أنس سئل عن قوله : { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى ; فقال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالا ; وأمر أن يخرج من المجلس . وروي بإسناده الثابت عن عبد الله بن المبارك أنه قال : نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته بائن من خلقه ; ولا نقول كما قالت الجهمية : بأنه هاهنا وأشار بيده إلى الأرض .

وقال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - يعني الحافظ - في كتاب " التاريخ " الذي جمعه لأهل نيسابور وفي كتاب " معرفة أصول الحديث " اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما قال : سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : من لم يقر بأن الله على عرشه قد [ ص: 391 ] استوى فوق سبع سمواته ; فهو كافر به حلال الدم يستتاب فإن تاب ; وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل .

قال الشيخ أبو عثمان : ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ; ويكلون علمه إلى الله سبحانه وتعالى وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } وقوله عز وجل { وجاء ربك والملك صفا صفا } وقال : أخبرنا أبو بكر بن زكريا سمعت أبا حامد الشرقي سمعت حمدان السلمي وأبا داود الخفاف قالا : سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : قال لي الأمير عبد الله بن طاهر : يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل ؟ قال : قلت : أعز الله الأمير لا يقال لأمر الرب كيف إنما ينزل بلا كيف .

قال : وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول : سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري سمعت إبراهيم بن أبي طالب سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول : حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم [ ص: 392 ] وحضر إسحاق بن إبراهيم رحمه الله فسئل عن حديث النزول أصحيح هو ؟ قال : نعم فقال له بعض قواد عبد الله : يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال : نعم قال : كيف ينزل ؟ فقال إسحاق : أثبته فوق . فقال أثبته فوق . فقال إسحاق : قال الله عز وجل : { وجاء ربك والملك صفا صفا } فقال الأمير عبد الله : هذا يوم القيامة فقال إسحاق : أعز الله الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم وقال أبو عثمان : قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله عز وجل : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } وقال : { وجاء ربك والملك صفا صفا } نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يبين كيف ذلك فعل ; فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه إذ كنا قد أمرنا به في قوله : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب } . وروى عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل قال : سألت إسحاق بن إبراهيم قلت : حديث النبي صلى الله عليه وسلم { ينزل الله إلى السماء الدنيا } قال : نعم ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء .

وقال [ ص: 393 ] عن حرب : لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين لقول الله تعالى : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } . وروي أيضا عن حرب قال : هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر وأهل السنة المعروفين بها وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحميدي وغيرهم . كان قولهم : إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } .

وروي أيضا عن حرب : قال : قال إسحاق بن إبراهيم : لا يجوز لأحد أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين ; وذلك أنه يمكن أن يكون موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها إلى السماء الدنيا كما شاء ولا يسأل كيف نزوله لأنه الخالق يصنع كيف شاء .

وروى أيضا عن محمد بن سلام قال : سأل فضالة عبد الله بن المبارك عن النزول ليلة النصف من شعبان ; فقال عبد الله : يا ضعيف تجد خداي خوشيركن : ينزل كيف شاء . وروي عن ابن المبارك قال : من قال لك يا مشبه فاعلم أنه جهمي وقال عبد الرحمن بن منده : إياك أن تكون فيمن يقول : أنا أومن برب يفعل ما يشاء ثم تنفي ما في الكتاب والسنة مما شاء الله وأوجب على خلقه [ ص: 394 ] الإيمان به : أفاعيله كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا والزنادقة ينكرونه بزعمهم أن الله لا يخلو منه مكان . وروي حديث مرفوع من طريق نعيم بن حماد عن جرير عن ليث عن بشر عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته } .

قلت : ضعف أبو القاسم إسماعيل التميمي وغيره من الحفاظ هذا اللفظ مرفوعا ورواه ابن الجوزي في " الموضوعات " وقال أبو القاسم التميمي : " ينزل " معناه صحيح أنا أقر به لكن لم يثبت مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون المعنى صحيحا وإن كان اللفظ نفسه ليس بمأثور ; كما لو قيل : إن الله هو بنفسه وبذاته خلق السموات والأرض وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكليما وهو بنفسه وذاته استوى على العرش ; ونحو ذلك من أفعاله التي فعلها هو بنفسه وهو نفسه فعلها . فالمعنى صحيح ; وليس كل ما بين به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن ومرفوعا .

فهذا تلخيص ما ذكره عبد الرحمن بن منده مع أنه استوعب طرق هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله : { ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأول فيقول : أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ؟ فلا يزال [ ص: 395 ] كذلك إلى الفجر } وفي لفظ : { إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء الدنيا وفي لفظ حتى ينشق الفجر ثم يرتفع

وفي رواية يقول : لا أسأل عن عبادي غيري من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟
} وفي رواية عمرو بن عبسة : { أن الرب يتدلى في جوف الليل إلى السماء الدنيا وفي لفظ : حتى ينشق الفجر ثم يرتفع } وذكر نزوله عشية عرفة من عدة طرق وكذلك ليلة النصف من شعبان وذكر نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام وحديث يوم المزيد في يوم الجمعة من أيام الآخرة وما فيه من ذكر نزوله وارتفاعه وأمثال ذلك من الأحاديث وهو ينكر على من يقول إنه لا يخلو منه العرش ويجعل هذا مثل قول من يقول : إنه في كل مكان ومن يقول : إنه ليس في مكان .

وكلامه من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين : قول من يقول : إنه ينزل نزولا يخلو منه العرش . وقول من يقول : ما ثم نزول أصلا كقول من يقول : ليس له فعل يقوم بذاته باختياره . وهاتان " الطائفتان " ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر . ثم منهم من ينفي النزول عنه ينزهه عن مثل ذلك . ومنهم من أثبت له نزولا من هذا الجنس يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر ; فأولئك يقولون : هذا القول باطل ; فتعين الأول ; كما يقول من يقابلهم ذلك القول باطل فتعين الثاني . وهو يحمل كلام السلف " يفعل [ ص: 396 ] ما يشاء " على أنه نزول يخلو منه العرش ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول منفصل عن الله . " وفي الجملة " : فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث . وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه وما ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق فقد ذكرنا الرواية الأخرى الثابتة التي رواها ابن بطة وغيره وذكرنا أيضا اللفظ الثابت عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد ; رواه الخلال وغيره . وأما " رسالة أحمد بن حنبل " إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب " الإبانة " واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها بخطه .



[ ص: 397 ] فصل . وقد تأول قوم - من المنتسبين إلى " السنة والحديث " - ( حديث النزول وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم : كالإتيان والمجيء والهبوط ونحو ذلك ونقلوا في ذلك قولا لمالك ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من أصحاب أحمد - كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره - عن أحمد في تأويل هذا الباب روايتين ; بخلاف غير هذا الباب فإنه لم ينقل عنه في تأويله نزاعا . وطرد ابن عقيل الروايتين في " التأويل " في غير هذه الصفة ; وهو تارة يوجب التأويل وتارة يحرمه وتارة يسوغه . والتأويل عنده تارة " للصفات الخبرية مطلقا " ويسميها الإضافات - لا الصفات - موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة كأبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان - وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري - وأبو الفرج بن الجوزي مع ابن عقيل على ذلك في بعض كتبه مثل " كف التشبيه بكف التنزيه " ويخالفه في بعض كتبه .

[ ص: 398 ] والأكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزاعا في التأويل لا في هذه الصفات ولا في غيرها . وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية : أن أحمد لم يتأول إلا " ثلاثة أشياء " : { الحجر الأسود يمين الله في الأرض } { وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن } { وإني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن } فهذه الحكاية كذب على أحمد لم ينقلها أحد عنه بإسناد ; ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه . وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف لا علمه بما قال ولا صدقه فيما قال . وأيضا : وقع النزاع بين أصحابه . هل اختلف اجتهاده في تأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك ؟ لأن حنبلا نقل عنه في " المحنة " أنهم لما احتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم { تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف } ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه .

وقالوا له : لا يوصف بالإتيان والمجيء إلا مخلوق ; فعارضهم أحمد بقوله : - وأحمد وغيره من أئمة السنة - فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران كما ذكر مثل ذلك من مجيء الأعمال في القبر وفي القيامة والمراد منه ثواب الأعمال . والنبي صلى الله عليه وسلم قال : { اقرءوا البقرة وآل عمران فإنهما يجيئان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو غمامتان أو فرقان من طير صواف يحاجان [ ص: 399 ] عن أصحابهما } وهذا الحديث في الصحيح : فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ : علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال . وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع : هل يقلب الله العمل جوهرا قائما بنفسه أم الأعراض لا تنقلب جواهر ؟ وكذلك قوله : { يؤتى بالموت في صورة كبش أملح }

. والمقصود هنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ ; التي هي عمله وذلك هو ثواب قارئ القرآن ; ليس المراد به أن نفس كلامه الذي تكلم به وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين . فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ادعوه .

ثم إن الإمام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } قال قيل : إنما يأتي أمره هكذا نقل حنبل ; ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في " المحنة " كعبد الله بن أحمد وصالح بن أحمد والمروذي وغيره ; فاختلف أصحاب أحمد في ذلك . فمنهم من قال : غلط حنبل لم يقل أحمد هذا . وقالوا حنبل له غلطات معروفة وهذا منها وهذه طريقة أبي إسحاق بن شاقلا . [ ص: 400 ] ومنهم من قال : بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم . يقول : إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والإتيان ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق ; بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره فكذلك قولوا : جاء ثواب القرآن لا أنه نفسه هو الجائي فإن التأويل هنا ألزم فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن وثوابه عمل له لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن . فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى . وإذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقا لهم عليه وهو لا يحتاج إلى أن يلتزم هذا . فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة في مجيء أعمال العباد والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله وأعمال العباد مخلوقة وثوابها مخلوق . ولهذا قال أحمد وغيره من السلف : أنه يجيء ثواب القرآن والثواب إنما يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله . وذهب " طائفة ثالثة " من أصحاب أحمد إلى أن أحمد قال هذا : ذلك الوقت وجعلوا هذا رواية عنه ثم من يذهب منهم إلى التأويل - كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما - يجعلون هذه عمدتهم . حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره ; ولا يذكر من كلام أحمد والسلف ما يناقضها .

[ ص: 401 ] ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية ويبين أنه لا يقول : إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره بل هو ينكر على من يقول ذلك . والذين ذكروا عن أحمد في تأويل النزول ونحوه من " الأفعال " لهم قولان : منهم من يتأول ذلك بالقصد ; كما تأول بعضهم قوله : { ثم استوى إلى السماء } بالقصد وهذا هو الذي ذكره ابن الزاغوني . ومنهم من يتأول ذلك بمجيء أمره ونزول أمره وهو المذكور في رواية حنبل . وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم - كالقاضي أبي يعلى وغيره ممن يوافق أبا الحسن الأشعري - على أن " الفعل " هو المفعول ; وأنه لا يقوم بذاته فعل اختياري . يقولون : معنى النزول والاستواء وغير ذلك : أفعال يفعلها الرب في المخلوقات . وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الأشعري وغيره قالوا : الاستواء فعل فعله في العرش كان به مستويا وهذا قول أبي الحسن بن الزاغوني .

وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف ; وليس الأمر كذلك . كما قد بسط في موضعه . وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك رويت من طريق كاتبه حبيب بن [ ص: 402 ] أبي حبيب ; لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل لا يقبل أحد منهم نقله عن مالك . ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر وفي إسنادها من لا نعرفه .



واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث : في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك . هل يقال إنه بحركة وانتقال ؟ أم يقال بغير حركة وانتقال ؟ أم يمسك عن الإثبات والنفي ؟ على " ثلاثة أقوال " ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب " اختلاف الروايتين والوجهين " . ( فالأول قول أبي عبد الله بن حامد وغيره . ( والثاني : قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته . ( والثالث : قول أبي عبد الله بن بطة وغيره . ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد الرحمن وغيره . ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ وهم في المعنى منهم من يتصوره مجملا ومنهم من يتصوره مفصلا ; إما مع الإصابة وإما مع الخطأ . والذين أثبتوا هذه رواية عن " أحمد " هم وغيرهم - ممن ينتسب إلى السنة والحديث - لهم في تأويل ذلك قولان : [ ص: 403 ] ( أحدهما : أن المراد به إثبات أمره ومجيء أمره . و ( الثاني : أن المراد بذلك عمده وقصده .

وهكذا تأول هؤلاء قوله تعالى { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } قالوا قصد وعمد . وهذا تأويل طائفة من أهل العربية منهم أبو محمد عبد الله بن قتيبة ذكر في كتاب " مختلف الحديث " له : الذي رد فيه على أهل الكلام الذين يطعنون في الحديث . فقال : قالوا حديث في التشبيه يكذبه القرآن والإجماع . قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ينزل الله - تبارك وتعالى - إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول : هل من داع ؟ فأستجيب له . أو مستغفر ؟ فأغفر له } و { ينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة } . و { ينزل ليلة النصف من شعبان } . وهذا خلاف لقوله تعالى { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } وقوله : { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } . فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان . ولا يشغله شأن عن شأن . ونحن نقول في قوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } أنه معهم بالعلم بما هم عليه كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع ووكلته بأمر من أمرك : [ ص: 404 ] احذر التقصير والإغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك ; فإني معك ; يريد أنه لا يخفى علي تقصيرك أو جدك بالإشراف عليك ; والبحث عن أمورك ; فإذا جاء هذا في المخلوق والذي لا يعلم الغيب : فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز .

وكذلك هو بكل مكان يراك لا يخفى عليه شيء مما في الأماكن هو فيها بالعلم بها والإحاطة فكيف يسوغ لأحد أن يقول : إنه بكل مكان على الحلول مع قوله : { الرحمن على العرش استوى } أي استقر ؟ قال الله تعالى : { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } أي استقررت ومع قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ؟ . وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده ؟ وكيف تعرج الملائكة والروح يوم القيامة ؟ وتعرج بمعنى تصعد يقال عرج إلى السماء إذا صعد والله ذو المعارج والمعارج الدرج . فما هذه الدرج ؟ فإلى من تؤدي الملائكة الأعمال إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق : لعلموا أن الله هو العلي وهو الأعلى وبالمكان الرفيع وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه والأيدي ترتفع بالدعاء إليه .

ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر والرزق . [ ص: 405 ] وهناك الكرسي والعرش والحجب والملائكة . يقول الله تبارك وتعالى { وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون } { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } . وقال في الشهداء : { أحياء عند ربهم يرزقون } قيل لهم شهداء : لأنهم يشهدون ملكوت الله واحدهم شهيد كما يقال : عليم وعلماء وكفيل وكفلاء . وقال عز وجل : { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا } أي لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم ; لأن زوجة الرجل وولده يكونان عنده بحضرته لا عند غيره . والأمم كلها ; عجمها وعربها تقول : إن الله عز وجل في السماء ما تركت على فطرتها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم . وفي الحديث { أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية للعتق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله ؟ قالت : في السماء . قال من أنا ؟ قالت أنت رسول الله ; فقال هي مؤمنة وأمره بعتقها } . وقال أمية بن أبي الصلت : -

مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا     بالبناء الأعلى الذي سبق الناس
وسوى فوق السماء سريرا     شرجعا ما يناله بصر العين
ترى دونه الملائك صورا

[ ص: 406 ] وصورا جمع أصور وهو المائل العنق وهكذا قيل في حملة العرش صور وكل من حمل شيئا ثقيلا على كاهله أو على منكبه لم يجد بدا من أن يميل عنقه . وفي " الإنجيل " أن المسيح عليه السلام قال : لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله .

وقال للحواريين : إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم - الذي في السماء - يغفر لكم كلكم انظروا إلى طير السماء : فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهواء وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهم أفلستم أفضل منهن ؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب . قال ابن قتيبة : وأما قوله تعالى { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } فليس في ذلك ما يدل على الحلول بهما وإنما أراد أنه إله السماء ومن فيها وإله الأرض ومن فيها . ومثل هذا من الكلام قولك : هو بخراسان أمير وبمصر أمير ; فالإمارة تجتمع له فيهما وهو حال بأحدهما أو بغيرهما . هذا واضح لا يخفى . فإن قال لنا : كيف النزول منه جل وعز ؟ قلنا لا نحكم على النزول منه بشيء ; ولكنا نبين كيف النزول منا وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ والله أعلم بما أراد .

[ ص: 407 ] والنزول منا يكون بمعنيين : ( أحدهما : الانتقال من مكان إلى مكان كنزولك من الجبل إلى الحضيض ومن السطح إلى الدار . والمعنى الآخر : إقبالك إلى الشيء بالإرادة والنية . كذلك الهبوط والارتفاع والبلوغ والمصير وأشباه هذا من الكلام . ومثال ذلك إن سألك سائل عن محل قوم من الأعراب - وهو لا يريد المصير إليهم - فتقول له : إذا صرت إلى جبل كذا فانزل منه وخذ يمينا وإذا صرت إلى وادي كذا فاهبط فيه ثم خذ شمالا وإذا سرت إلى أرض كذا فاعل هضبة هناك حتى تشرف عليهم ; وأنت لا تريد في شيء مما تقوله افعله ببدنك إنما تريد افعله بنيتك وقصدك . وقد يقول القائل : بلغت إلى الأحزاب تشتمهم وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم وجئت إلى العلم تزهد فيه ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة ; ليس يراد في شيء من هذا انتقال الجسم وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإرادة والعزم والنية ، وكذلك قوله : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } لا يراد به أنه معهم بالحلول ; ولكن بالنصر والتوفيق والحياطة . وكذلك قوله عز وجل : { من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة } . [ ص: 408 ] قال : ثنا عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه { أن موسى عليه السلام لما نودي من الشجرة { فاخلع نعليك } أسرع الإجابة وتابع التلبية وما كان ذلك إلا استئناسا منه بالصوت وسكونا إليه . وقال : إني أسمع صوتك وأحس حسك ولا أدري مكانك فأين أنت ؟ . قال : أنا فوقك وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك من نفسك } يريد أني أعلم بك منك ; لأنك إذا نظرت إلى ما بين يديك خفي عليك ما وراءك وإذا سموت بطرفك إلى ما هو فوقك ذهب عنك علم ما تحتك وأنا لا يخفى علي خافية منك في جميع أحوالك . ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت : شغلوا قلوبهم عن الله بحب الدنيا ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت إليهم بطرف الفائدة ولم ترد أن أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول ; ولكن تجول هناك بالفكر والقصد والإقبال . وكذلك قول أبي ممندية الأعرابي قال : اطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم كظيظ يعني التقاء وأنشد فيه : -

جياد بها صرعى لهن كظيظ

ولو قال قائل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { اطلعت في الجنة [ ص: 409 ] فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء } إن اطلاعه فيها كان بالفكرة والإقبال كان حسنا . قلت : وتأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك - بمعنى القصد والإرادة ونحو ذلك - هو قول طائفة . وتأولوا ذلك في قوله تعالى { ثم استوى إلى السماء } وجعل ابن الزاغوني وغيره ذلك : هو إحدى الروايتين عن أحمد .

والصواب : أن جميع هذه التأويلات مبتدعة لم يقل أحد من الصحابة شيئا منها ولا أحد من التابعين لهم بإحسان ; وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث : أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة . ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة وتكون إما غلطا أو محرفة ; كما تقدم من أن قول الأوزاعي وغيره من أئمة السلف في النزول " يفعل الله ما يشاء " فسره بعضهم أن النزول مفعول مخلوق منفصل عن الله وأنهم أرادوا بقولهم : ( يفعل الله ما يشاء ) هذا المعنى وليس الأمر كذلك ; كما تقدمت الإشارة إليه .

وآخرون - كالقاضي أبي يعلى في " إبطال التأويل " - قالوا لم يرد الأوزاعي أن النزول من صفات الفعل وإنما أراد بهذا الكلام بقوله : يفعل الله ما يشاء وشبهوا ذلك بقوله تعالى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون } { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } فزعموا أن قوله سبحانه : ليس تنزيها له عن اتخاذ الولد - بناء على أصلهم الفاسد وهو : أن الرب لا ينزه عن فعل من الأفعال - بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه .

وكذلك جعلوا قول الأوزاعي وغيره : إن النزول ليس بفعل يشاؤه الله ; لأنه عندهم من صفات الذات لا من صفات الفعل بناء على أصلهم وأن الأفعال الاختيارية لا تقوم بذات الله . فلو كان صفة فعل لزم أن لا يقوم بذاته ; بل يكون منفصلا عنه . وهؤلاء يقولون : النزول من صفات الذات ومع هذا فهو عندهم أزلي كما يقولون مثل ذلك في الاستواء والمجيء والإتيان والرضى والغضب والفرح والضحك وسائر ذلك : إن هذا جميعه صفات ذاتية لله وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره ; بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلاب وهو أن الرب لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره ; بل من هؤلاء من يقول إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره .

بل من هؤلاء من يقول إن الفعل قديم أزلي وإنه مع ذلك يتعلق بمشيئته وقدرته وأكثر العقلاء يقولون فساد هذا معلوم بضرورة العقل ; كما قالوا [ ص: 411 ] مثل ذلك في قول من قال من المتفلسفة : إن الفلك قديم أزلي وإنه أبدعه بقدرته ومشيئته .

وجمهور العقلاء يقولون : الشيء المعين من الأعيان والصفات إذا كان حاصلا بمشيئة الرب وقدرته لم يكن أزليا . فلما كان من أصل ابن كلاب ومن وافقه كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والقضاة أبي بكر بن الطيب وأبي يعلى بن الفراء وأبي جعفر السماني وأبي الوليد الباجي وغيرهم من الأعيان ; كأبي المعالي الجويني وأمثاله ; وأبي الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما : أن الرب لا يقوم به ما يكون بمشيئته وقدرته ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله الحوادث ووافقوا في ذلك الجهم بن صفوان وأتباعه من الجهمية والمعتزلة صاروا فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب على أحد قولين :

إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه . فيقولون : كلام الله مخلوق بائن عنه ; لا يقوم به كلام . وكذلك رضاه وغضبه وفرحه ومجيئه وإتيانه ونزوله وغير ذلك هو مخلوق منفصل عنه لا يتصف الرب بشيء يقوم به عندهم . وإذا قالوا هذه الأمور من صفات الفعل : فمعناه أنها منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه ; لا أنها صفات قائمة به . [ ص: 412 ] ولهذا يقول كثير منهم : إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني قديمة أزلية ويقولون نزوله ومجيئه وإتيانه وفرحه وغضبه ورضاه ; ونحو ذلك : قديم أزلي كما يقولون : إن القرآن قديم أزلي . ثم منهم من يجعله معنى واحدا ومنهم من يجعله حروفا أو حروفا وأصواتا قديمة أزلية مع كونه مرتبا في نفسه . ويقولون : فرق بين ترتيب وجوده وترتيب ماهيته كما قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع على هذه الأقوال وقائليها ; وأدلتها السمعية والعقلية في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا : أنه ليس شيء من هذه الأقوال قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة - أئمة السنة والجماعة وأهل الحديث - كالأوزاعي ومالك بن أنس وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأمثالهم ; بل أقوال السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين وعلماء المسلمين : موجودة في الكتب التي ينقل فيها أقوالهم بألفاظها بالأسانيد المعروفة عنهم . كما يوجد ذلك في كتب كثيرة مثل كتاب " السنة " " والرد على الجهمية " [ ص: 413 ] لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري ; ولأبي داود السجستاني ولعبد الله بن أحمد بن حنبل ولأبي بكر الأثرم ولحنبل بن إسحاق ولحرب الكرماني ولعثمان بن سعيد الدارمي ولنعيم بن حماد الخزاعي ولأبي بكر الخلال ولأبي بكر بن خزيمة ولعبد الرحمن بن أبي حاتم ولأبي القاسم الطبراني ولأبي الشيخ الأصبهاني ولأبي عبد الله بن منده ولأبي عمرو الطلمنكي وأبي عمر بن عبد البر . وفي كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك مثل تفسير عبد الرزاق وعبد بن حميد ودحيم وسنيد وابن جرير الطبري وأبي بكر بن المنذر ; وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم ; وغير ذلك من كتب التفسير التي ينقل فيها ألفاظ الصحابة والتابعين في معاني القرآن بالأسانيد المعروفة .

فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم وينبوع الهدى ; وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها . أنه لا يفهم أحد معانيها ; لا الرسول ولا غيره ويظنون أن هذا معنى قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } مع نصرهم للوقف على ذلك ; فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآنا لا يفهم معناه ; بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها وأن جبريل كذلك ; وأن الصحابة والتابعين كذلك . [ ص: 414 ] وهذا ضلال عظيم وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول صلى الله عليه وسلم ظن أهل التخييل وظن أهل التحريف والتبديل وظن أهل التجهيل . وهذا مما بسط الكلام عليه في مواضع . والله يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . والمقصود هنا : الكلام على من يقول ينزل ولا يخلو منه العرش وإن أهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال : منهم من ينكر أن يقال : يخلو أو لا يخلو كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني وغيره . ومنهم من يقول : بل يخلو منه العرش وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفا في الإنكار على من قال : لا يخلو من العرش أو لا يخلو منه العرش - كما تقدم بعض كلامه - . وكثير من أهل الحديث يتوقف عن أن يقول يخلو أو لا يخلو . وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش . وكثير منهم يتوقف عن أن يقال : يخلو أو لا يخلو لشكهم في ذلك وأنهم لم يتبين لهم جواب أحد الأمرين وأما مع كون الواحد منهم قد ترجح عنده أحد الأمرين لكن يمسك في ذلك لكونه ليس في الحديث [ ص: 415 ] ولما يخاف من الإنكار عليه .

وأما الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا إلا عن طائفة قليلة منهم . والقول الثالث - وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها - أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه . وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم بل الله منزه عن ذلك وسنتكلم عليه إن شاء الله وهذه المسألة تحتاج إلى بسط .



وأما قول النافي : إنما ينزل أمره ورحمته ; فهذا غلط لوجوه وقد تقدم التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو . وأما إذا كان من النفاة للعلو والنزول جميعا ; فيجاب أيضا بوجوه : ( أحدها : أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة وإما أن يراد بها صفات وأعراض . فإن أريد الأول . فالملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت وهذا خص النزول بجوف الليل وجعل منتهاه سماء الدنيا والملائكة لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان . وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك ; فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا .

[ ص: 416 ] ( الثاني : أن في الحديث الصحيح { أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول لا أسأل عن عبادي غيري } ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره . ( الثالث : أنه قال : { ينزل إلى السماء الدنيا فيقول : من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ؟ حتى يطلع الفجر } ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤاله إلا الله وأمره ورحمته لا تفعل شيئا من ذلك . ( الرابع : نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه ; وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو فوق العالم فنفس تأويله يبطل مذهبه ; ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين : ينزل أمره ورحمته ; فقال له المثبت : فممن ينزل ما عندك فوق شيء ; فلا ينزل منه لا أمر ولا رحمة ولا غير ذلك فبهت النافي وكان كبيرا فيهم . ( الخامس : أنه قد روي في عدة أحاديث : " ثم يعرج " وفي لفظ " ثم يصعد " .

( السادس : أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة وأنه ينادي عن الله كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه " ينزل " من الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر مناديا ينادي ; لكان الواجب أن يقول : من يدعو الله فيستجيب له ؟ من يسأله فيعطيه ؟ من يستغفره فيغفر له ؟ كما ثبت في " الصحيحين " " وموطأ [ ص: 417 ] مالك و " مسند أحمد بن حنبل " وغير ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا أحب الله العبد نادى في السماء يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه ; فيحبه جبريل ; ثم ينادي جبريل : إن الله يحب فلانا فأحبوه ; فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض } وقال في البغض مثل ذلك . فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بين نداء الله ونداء جبريل فقال في نداء الله : { يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه } وقال في نداء جبريل { إن الله يحب فلانا فأحبوه } وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا بل وموجب جميع اللغات فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم .

فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة . وهم يمثلون نداء الله بنداء السلطان ويقولون : قد يقال : نادى السلطان إذا أمر غيره بالنداء - وهذا كما قالت الجهمية المحضة في تكليم الله لموسى : إنه أمر غيره فكلمه لم يكن هو المتكلم . فيقال لهم : إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو يخاطبه ; فإن المنادي ينادي : معاشر الناس أمر السلطان بكذا أو رسم بكذا لا يقول إني أنا أمرتكم بذلك . ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا : من أنت حتى تأمرنا والمنادي كل ليلة يقول : { من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ } كما في ندائه [ ص: 418 ] لموسى عليه السلام { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } وقال : { أنا الله رب العالمين } . ومعلوم أن الله لو أمر ملكا أن ينادي كل ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك : " من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ " ولا يقول : " لا أسأل عن عبادي غيري " .



وأما قول المعترض : إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم والتأخر والطول والقصر . فيقال له : الجواب عن هذا كالجواب عن قولك : هل يخلو منه العرش أو لا يخلو منه ؟ وذلك أنه إذا جاز أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ; فتقدم النزول وتأخره وطوله وقصره كذلك ; بناء على أن هذا نزول لا يقاس بنزول الخلق . وجماع الأمر أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع . ( أحدها : أن يبين أن المنازع النافي يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن المعقول الذي يعترف به مما يلزم المثبت فإن كان مما يحتج به من المعقول حجة صحيحة ; لزم بطلان النفي فيلزم الإثبات ; إذ الحق لا يخلو عن النقيضين . وإن كان باطلا ; لم يبطل به الإثبات فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية والشرعة النبوية وهذا كما إذا قال : لو كان فوق العرش لكان جسما وذلك ممتنع ; فيقال له : للناس هنا ثلاثة أقوال : [ ص: 419 ] منهم من يقول : هو فوق العرش وليس بجسم . ومنهم من يقول : هو فوق العرش وهو جسم ومنهم من يقول : هو فوق العرش ولا أقول هو جسم ولا ليس بجسم ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات ; لأن كليهما بدعة في الشرع . ومنهم من يستفصل عن مسمى الجسم . فإن فسر بما يجب تنزيه الرب عنه نفاه وبين أن علوه على العرش لا يستلزم ذلك وإن فسر بما يتصف الرب به لم ينف ذلك المعنى . فالجسم في اللغة هو البدن والله منزه عن ذلك وأهل الكلام قد يريدون بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة .

وكثير منهم ينازع في كون الأجسام المخلوقة مركبة من هذا وهذا ; بل أكثر العقلاء من بني آدم عندهم أن السموات ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة ; فكيف يكون رب العالمين مركبا من هذا وهذا ؟ فمن قال : إن الله جسم وأراد بالجسم هذا المركب ; فهو مخطئ في ذلك . ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله ; فقد أصاب في نفيه عن الله لكن ينبغي أن يذكر عبارة تبين مقصوده . ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مركب أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع أو أنه يقبل التفريق والله منزه عن ذلك كله .

[ ص: 420 ] وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار إليه بمعنى أن الأيدي ترفع إليه في الدعاء وأنه يقال : هو هنا وهناك ويراد به القائم بنفسه ويراد به الموجود . ولا ريب أن الله موجود قائم بنفسه وهو عند السلف وأهل السنة ترفع الأيدي إليه في الدعاء وهو فوق العرش . فإذا سمى المسمي ما يتصف بهذه المعاني جسما ; كان كتسمية الآخر ما يتصف بأنه حي عالم قادر جسما وتسمية الآخر ما له حياة وعلم وقدرة جسما . ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون في ثلاث مقامات : ( أحدها أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة ; فلا أهل اللغة يسمون هذا جسما بل الجسم عندهم هو البدن كما نقله غير واحد من أئمة اللغة وهو مشهور في كتب اللغة . قال الجوهري في " صحاحه " المشهور : قال أبو زيد : الجسم الجسد وكذلك الجسمان والجثمان وقال الأصمعي : الجسم والجثمان الجسد والجثمان الشخص قال : والأجسم الأضخم بالبدن وقال ابن السكيت : تجسمت الأمر أي ركبت أجسمه وجسيمه أي معظمه قال : وكذلك تجسمت الرجل والجبل أي ركبت أجسمه . وقد ذكر الله لفظ الجسم في موضعين من القرآن ; في قوله تعالى { وزاده بسطة في العلم والجسم } وفي قوله تعالى { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } والجسم قد يفسر بالصفة القائمة بالمحل وهو القدر والغلظ كما يقال هذا الثوب [ ص: 421 ] له جسم وهذا ليس له جسم أي له غلظ وضخامة بخلاف هذا وقد يراد بالجسم نفس الغلظ والضخم .

وقد ادعى طوائف من أهل الكلام النفاة أن الجسم في اللغة هو المؤلف المركب وأن استعمالهم لفظ الجسم في كل ما يشار إليه موافق للغة ; قالوا : لأن كل ما يشار إليه ; فإنه يتميز منه شيء عن شيء وكل ما كان كذلك ; فهو مركب من الجواهر المنفردة التي كل واحد منها جزء لا يتجزأ ولا يتميز منه جانب عن جانب أو من المادة والصورة اللذين هما جوهران عقليان كما يقول ذلك بعض الفلاسفة . قالوا : وإذا كان هذا مركبا مؤلفا ; فالجسم في لغة العرب هو المؤلف المركب بدليل أنهم يقولون : رجل جسيم وزيد أجسم من عمرو إذا كثر ذهابه في الجهات وليس يقصدون بالمبالغة في قولهم : أجسم وجسيم إلا كثرة الأجزاء المنضمة والتأليف ; لأنهم لا يقولون : أجسم فيمن كثرت علومه وقدره وسائر تصرفاته وصفاته غير الاجتماع حتى إذا كثر الاجتماع فيه بتزايد أجزائه قيل : أجسم ورجل جسيم ; فدل ذلك على أن قولهم : جسم ; مفيد للتأليف . فهذا أصل قول هؤلاء النفاة وهو مبني على أصلين : سمعي لغوي ونظري عقلي فطري . أما السمعي اللغوي فقولهم : إن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على المركب [ ص: 422 ] واستدلوا عليه بقوله : هو أجسم إذا كان أغلظ وأكثر ذهابا في الجهات وأن هذا يقتضي أنهم اعتبروا كثرة الأجزاء . فيقال : أما " المقدمة الأولى " وهو : أن أهل اللغة يسمون كل ما كان له مقدار بحيث يكون أكبر من غيره أو أصغر ; جسما ; فهذا لا يوجد في لغة العرب ألبتة ولا يمكن أحد أن ينقل عنهم أنهم يسمون الهواء الذي بين السماء والأرض جسما ولا يسمون روح الإنسان جسما . بل من المشهور أنهم يفرقون بين الجسم والروح ; ولهذا قال تعالى { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } يعني أبدانهم دون أرواحهم الباطنة .

وقد ذكر نقلة اللغة أن الجسم عندهم هو الجسد . ومن المعروف في اللغة أن هذا اللفظ يتضمن الغلظ والكثافة فلا يسمون الأشياء القائمة بنفسها إذا كانت لطيفة كالهواء وروح الإنسان وإن كان لذلك مقدار يكون به بعضه أكبر من بعض لكن لا يسمى في اللغة ذلك جسما ولا يقولون في زيادة أحدهما على الآخر : هذا أجسم من هذا ولا يقولون هذا المكان الواسع أجسم من هذا المكان الضيق ; وإن كان أكبر منه وإن كانت أجزاؤه زائدة على أجزائه عند من يقول بأنه مركب من الأجزاء . فليس كل ما هو مركب عندهم من الأجزاء يسمى جسما ولا يوجد في الكلام قبض جسمه ولا صعد بجسمه إلى السماء ولا أن الله يقبض [ ص: 423 ] أجسامنا حيث يشاء ويردها حيث شاء : إنما يسمون ذلك روحا ويفرقون بين مسمى الروح ومسمى الجسم كما يفرقون بين البدن والروح وكما يفرقون بين الجسد والروح فلا يطلقون لفظ الجسم على الهواء ; فلفظ الجسم عندهم يشبه لفظ الجسد ; قال الجوهري : الجسد البدن تقول فيه تجسد كما تقول في الجسم تجسم ; كما تقدم نقله عن أئمة اللغة أن الجسم هو الجسد . فعلم أن هذين اللفظين مترادفان أو قريب من الترادف ; ولهذا يقولون لهذا الثوب جسد ; كما يقولون له جسم إذا كان غليظا ثخينا صفيقا وتقول العلماء النجاسة قد تكون مستجسدة كالدم والميتة وقد لا تكون مستجسدة كالرطوبة ويسمون الدم جسدا كما قال النابغة : -

فلا لعمر الذي قد زرته حججا وما أريق على الأنصاب من جسد

كما يقولون : له جسم . فبطل ما ذكروه عن اللغة أن كل ما يتميز منه شيء عن شيء يسمونه جسما .

" المقدمة الثانية " : أنه لو سلم ذلك فقولهم : إن هذا " جسم " يطلقونه عند تزايد الأجزاء هو مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة : وهذا لو قدر أنه صحيح ; فأهل اللغة لم يعتبروه ولا قال أحد منهم ذلك ; فعلم أنهم إنما لحظوا غلظه وكثافته . وأما كونهم اعتبروا كثرة الأجزاء وقلتها : فهذا لا يتصوره [ ص: 424 ] أكثر عقلاء بني آدم فضلا عن أن ينقل عن أهل اللغة قاطبة أنهم أرادوا ذلك بقولهم جسيم وأجسم . والمعنى المشهور في اللغة لا يكون مسماه ما لا يفهمه إلا بعض الناس وإثبات الجواهر المنفردة أمر خص به بعض الناس ; فلا يكون مسمى الجسم في اللغة ما لا يعرفه إلا بعض الناس وهو المركب من ذلك . وأما " الأصل الثاني العقلي " فقولهم ; إن كل ما يشار إليه بأنه هنا أو هناك ; فإنه مركب من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة .

وهذا بحث عقلي وأكثر عقلاء بني آدم - من أهل الكلام وغير أهل الكلام - ينكرون أن يكون ذلك مركبا من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وإنكار ذلك قول ابن كلاب وأتباعه من الكلابية - وهو إمام الأشعري في مسائل الصفات - وهو قول الهشامية والنجارية والضرارية وبعض الكرامية . وهؤلاء الذين أثبتوا " الجوهر الفرد " زعموا أنا لا نعلم : لا بالحس ولا بالضرورة أن الله أبدع شيئا قائما بنفسه وأن جميع ما نشهده مخلوق - من السحاب والمطر والحيوان والنبات والمعدن وبني آدم وغير بني آدم - فإن ما فيه أنه أحدث أكوانا في الجواهر المنفردة كالجمع والتفريق والحركة والسكون وأنكر هؤلاء أن يكون الله لما خلقنا أحدث أبداننا قائمة بأنفسها أو شجرا وثمرا أو شيئا آخر قائما بنفسه وإنما أحدث عندهم أعراضا .

وأما الجواهر المنفردة فلم تزل موجودة .

ثم من يقول : إنها محدثة منهم من يقول : إنهم علموا حدوثها بأنها لم تخل من الحوادث وما لم يخل من الحوادث ; فهو حادث . [ ص: 425 ] قالوا : فبهذا " الدليل العقلي " وأمثاله علمنا أنه ما أبدع شيئا قائما بنفسه ; لأنا نشهده من حلول الحوادث المشهودة كالسحاب والمطر . وهؤلاء في " معاد الأبدان " يتكلمون فيه على هذا الأصل : فمنهم من يقول يفرق الأجزاء ثم يجمعها . ومنهم من يقول : يعدمها ثم يعيدها . واضطربوا ههنا فيما إذا أكل حيوان حيوانا فكيف يعاد ؟ وادعى بعضهم أن الله يعدم جميع أجزاء العالم ; ومنهم من يقول : هذا ممكن لا نعلم ثبوته ولا انتفاءه . ثم " المعاد " عندهم يفتقر أن يبتدئ هذه الجواهر والجهم بن صفوان منهم يقول بعدمها بعد ذلك ويقول بفناء الجنة والنار لامتناع دوام الحوادث عنده في المستقبل كامتناع دوامها في الماضي وأبو الهذيل العلاف يقول بعدم الحركات وهؤلاء ينكرون استحالة الأجسام بعضها إلى بعض أو انقلاب جنس إلى جنس بل الجواهر عندهم متماثلة والأجسام مركبة منها وما ثم إلا تغيير التركيب فقط لا انقلاب ولا استحالة .

ولا ريب أن جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم على إنكار هذا والأطباء والفقهاء ممن يقول باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض كما هو موجود في كتبهم . والأجسام عندهم ليست متماثلة ; بل الماء يخالف الهواء والهواء يخالف التراب وأبدان الناس تخالف النبات ; ولهذا صارت النفاة إذا أثبت أحد شيئا من الصفات ; كان ذلك مستلزما لأن يكون الموصوف عندهم جسما - وعندهم الأجسام متماثلة - فصاروا يسمونه مشبها بهذه المقدمات التي تلزمهم مثل [ ص: 426 ] ما ألزموه لغيرهم وهي متناقضة لا يتصور أن ينتظم منها قول صحيح وكلها مقدمات ممنوعة عند جماهير العقلاء وفيها من تغيير اللغة والمعقول ما دخل بسبب هذه الأغاليط والشبهات حتى يبقى الرجل حائرا لا يهون عليه إبطال عقله ودينه والخروج عن الإيمان والقرآن ; فإن ذلك كله متطابق على إثبات الصفات .

ولا يهون عليه التزام ما يلزمونه من كون الرب مركبا من الأجزاء ومماثلا للمخلوقات ; فإنه يعلم أيضا بطلان هذا وإن الرب عز وجل يجب تنزيهه عن هذا ; فإنه سبحانه أحد صمد و " الأحد " ينفي التمثيل و " الصمد " ينفي أن يكون قابلا للتفريق والتقسيم والبعضية سبحانه وتعالى فضلا عن كونه مؤلفا مركبا : ركب وألف من الأجزاء ; فيفهمون من يخاطبون أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل إلا في بدن مثل بدن الإنسان بل وقد يصرحون بذلك ويقولون : الكلام لا يكون إلا من صورة مركبة مثل فم الإنسان ونحو ذلك مما يدعونه . وإذا قال " النفاة " لهم : متى قلتم إنه يرى ; لزم أن يكون مركبا مؤلفا ; لأن المرئي لا يكون إلا بجهة من الرائي وما يكون بجهة من الرائي لا يكون إلا جسما والجسم مؤلف مركب من الأجزاء . أو قالوا : إن الرب إذا تكلم بالقرآن أو غيره من الكلام ; لزم ذلك وإذا كان فوق العرش ; لزم ذلك وصار المسلم العارف بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله يرى في الآخرة لما تواتر عنده من الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك [ ص: 427 ] وكذلك يعلم أن الله تكلم بالقرآن وغيره من الكلام ويعلم أن الله فوق العرش بما تواتر عنده عن الرسول بما يدل على ذلك مع ما يوافق ذلك من القضايا الفطرية التي خلق الله عليها عباده . وإذا قالوا له : - هذا يستلزم أن يكون الله مركبا من الأجزاء المنفردة والمركب لا بد له من مركب ; فيلزم أن يكون الله محدثا ; إذ المركب يفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه تكون غيره وما افتقر إلى غيره ; لم يكن غنيا واجب الوجود بنفسه - حيروه وشككوه إن لم يجعلوه مكذبا لما جاء به الرسول مرتدا عن بعض ما كان عليه من الإيمان مع أن تشككه وحيرته تقدح في إيمانه ودينه وعلمه وعقله . فيقال لهم : أما كون الرب سبحانه وتعالى مركبا ركبه غيره . فهذا من أظهر الأمور فسادا وهذا معلوم فساده بضرورة العقل . ومن قال هذا فهو من أكفر الناس وأجهلهم وأشدهم محاربة لله وليس في الطوائف المشهورين من يقول بهذا .

وكذلك إذا قيل : هو مؤلف أو مركب - بمعنى أنه كانت أجزاؤه متفرقة فجمع بينها كما يجمع بين أجزاء المركبات من الأطعمة والأدوية والثياب والأبنية - فهذا التركيب من اعتقده في الله ; فهو من أكفر الناس وأضلهم ; ولم يعتقده أحد من الطوائف المشهورة في الأمة . بل أكثر العقلاء عندهم أن مخلوقات [ ص: 428 ] الرب ليست مركبة هذا التركيب وإنما يقول بهذا من يثبت الجواهر المنفردة .



وكذلك من زعم أن الرب مركب مؤلف بمعنى أنه يقبل التفريق والانقسام والتجزئة فهذا من أكفر الناس وأجهلهم وقوله شر من قول الذين يقولون : إن لله ولدا بمعنى أنه انفصل منه جزء فصار ولدا له وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسير { قل هو الله أحد } وفي غير ذلك . وكذلك إذا قيل : هو جسم بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة ; فهذا باطل بل هو أيضا باطل في المخلوقات فكيف في الخالق سبحانه وتعالى وهذا مما يمكن أن يكون قد قاله بعض المجسمة الهشامية والكرامية وغيرهم ممن يحكى عنهم التجسيم ; إذ من هؤلاء من يقول : إن كل جسم فإنه مركب من الجواهر المنفردة ويقولون مع ذلك : إن الرب جسم وأظن هذا قول بعض الكرامية فإنهم يختلفون في إثبات الجوهر الفرد وهم متفقون على أنه سبحانه جسم .

لكن يحكى عنهم نزاع في المراد بالجسم ; هل المراد به أنه موجود قائم بنفسه أو المراد به أنه مركب ؟ فالمشهور عن أبي الهيصم وغيره من نظارهم أنه يفسر مراده ; بأنه موجود قائم بنفسه مشار إليه لا بمعنى أنه مؤلف مركب . وهؤلاء ممن اعترف نفاة الجسم بأنهم لا يكفرون ; فإنهم لم يثبتوا معنى فاسدا في حق الله تعالى لكن قالوا إنهم أخطئوا في تسمية كل ما هو قائم بنفسه أو ما هو [ ص: 429 ] موجود جسما من جهة اللغة ; قالوا : فإن أهل اللغة لا يطلقون لفظ الجسم إلا على المركب . والتحقيق : أن كلا الطائفتين مخطئة على اللغة : أولئك الذين يسمون كل ما هو قائم بنفسه جسما وهؤلاء الذين سموا كل ما يشار إليه وترفع الأيدي إليه جسما وادعوا أن كل ما كان كذلك فهو مركب ; وأن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على كل ما كان مركبا .

فالخطأ في اللغة والابتداع في الشرع : مشترك بين الطائفتين . وأما المعاني : فمن أثبت من الطائفتين ما نفاه الله ورسوله أو نفى ما أثبت الله ورسوله ; فهو مخطئ عقلا كما هو مخطئ شرعا . بل أولئك يقولون لهم : نحن وأنتم اتفقنا على أن القائم بنفسه يسمى جسما في غير محل النزاع ثم ادعيتم أن الخالق القائم بنفسه يختص بما يمنع هذه التسمية التي اتفقنا نحن وأنتم عليها ; فبينا أنه لا يختص لأن ذلك مبني على أن الأجسام مركبة ونحن نمنع ذلك ونقول : ليست مركبة من الجواهر المنفردة . ولهذا كره السلف والأئمة - كالإمام أحمد وغيره - أن ترد البدعة بالبدعة فكان أحمد في مناظرته للجهمية لما ناظروه على أن القرآن مخلوق وألزمه " أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث " أنه إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسما وهذا منتف ; فلم يوافقه أحمد : لا على نفي ذلك ولا على إثباته ; بل قال : { قل هو الله أحد } { الله الصمد } { لم يلد ولم يولد } { ولم يكن له كفوا أحد }

. [ ص: 430 ] ونبه أحمد على أن هذا اللفظ لا يدرى ما يريدون به . وإذا لم يعرف مراد المتكلم به لم يوافقه ; لا على إثباته ولا على نفيه . فإن ذكر معنى أثبته الله ورسوله أثبتناه وإن ذكر معنى نفاه الله ورسوله نفيناه باللسان العربي المبين ولم نحتج إلى ألفاظ مبتدعة في الشرع محرفة في اللغة ومعانيها متناقضة في العقل ; فيفسد الشرع واللغة والعقل ; كما فعل أهل البدع من أهل الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة . وكذلك أيضا لفظ " الجبر " كره السلف أن يقال جبر وأن يقال : ما جبر ; فروى الخلال في كتاب " السنة " عن أبي إسحاق الفزاري - الإمام - قال : قال الأوزاعي : أتاني رجلان فسألاني عن القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما . قلت : رحمك الله أنت أولى بالجواب . قال : فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان فقال : تكلما فقالا : قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر - ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب ; إلى أن قلنا : إن الله قد جبرنا على ما نهانا عنه وحال بيننا وبين ما أمرنا به ورزقنا ما حرم علينا فقال : أجبهما يا أبا إسحاق قلت رحمك الله أنت أولى بالجواب فقال أجبهما ; فكرهت أن أخالفه ; فقلت : يا هؤلاء إن الذين آتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه ; فقال أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق . وروي أيضا عن بقية بن الوليد قال : سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر ; فقال الزبيدي : أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن [ ص: 431 ] يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب .

وقال الأوزاعي : ما أعرف للجبر أصلا من القرآن والسنة ; فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق . وروي عن أبي بكر المروذي قال : قلت لأبي عبد الله : تقول إن الله أجبر العباد ؟ فقال : هكذا لا تقول وأنكر هذا وقال : يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء . وقال المروذي : كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبري وقال : إنه تنزه عن ميراث أبيه . فقال رجل قدري : إن الله لم يجبر العباد على المعاصي ; فرد عليه أحمد بن رجاء فقال : إن الله جبر العباد - أراد بذلك إثبات القدر - فوضع أحمد بن علي كتابا يحتج فيه . فأدخلته على أبي عبد الله وأخبرته بالقصة قال : ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا : على ابن رجاء حين قال : جبر العباد وعلى القدري الذي قال : لم يجبر وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب . وقال لي : يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال : جبر العباد . فقلت لأبي عبد الله : فما الجواب في هذه المسألة ؟ فقال : يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء .

قال الخلال : وأخبرنا المروذي في هذه المسألة أنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال : لم يجبر وعلى من رد عليه جبر ; فقال أبو عبد الله : كلما ابتدع [ ص: 432 ] رجل بدعة اتسعوا في جوابها . وقال : يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة وأنكر على من رد شيئا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم . قال المروذي : فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه نسخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله ; فقال : يا أبا عبد الله هذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله ; فقال أبو عبد الله لي : ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا إليه . قال المروزي : سمعت بعض المشيخة يقول : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : أنكر سفيان الثوري جبر وقال : الله تعالى جبل العباد .

قال المروذي : أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس . قلت هذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع وإنما المقصود التنبيه على أن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم . والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك كلفظ الجسم والجهة والحيز والجبر ونحو ذلك ; بخلاف ألفاظ الرسول فإن مراده بها يعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه ولو يعلم الرجل مراده لوجب عليه الإيمان بما قاله مجملا . ولو قدر معنى صحيح - والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر [ ص: 433 ] به - لم يحل لأحد أن يدخله في دين المسلمين بخلاف ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن التصديق به واجب . والأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة .

ولما انتشر الكلام المحدث ودخل فيه ما يناقض الكتاب والسنة وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة ; صار بيان مرادهم بتلك الألفاظ وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل يبين للمؤمن ما يمنعه أن يقع في البدعة والضلال أو يخلص منها - إن كان قد وقع - ويدفع عن نفسه في الباطن والظاهر ما يعارض إيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك وهذا مبسوط في موضعه . والمقصود هنا : أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدفع بالألفاظ المجملة كلفظ التجسيم وغيره مما قد يتضمن معنى باطلا والنافي له ينفي الحق والباطل . فإذا ذكرت المعاني الباطلة نفرت القلوب . وإذا ألزموه ما يلزمونه من التجسيم - الذي يدعونه نفر إذا قالوا له : هذا يستلزم التجسيم ; لأن هذا لا يعقل إلا في جسم - لم يحسن نقض ما قالوه ولم يحسن حله وكلهم متناقضون . وحقيقة كلامهم أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل منه إلا ما يعقل في [ ص: 434 ] قليل من المخلوقات التي نشهدها كأبدان بني آدم .

وهذا في غاية الجهل ; فإن من المخلوقات مخلوقات لم نشهدها كالملائكة والجن حتى أرواحنا . ولا يلزم أن يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مماثلا لها فكيف يكون مماثلا لما شاهدوه . وهذا الكلام في لفظ الجسم من حيث " اللغة " . وأما " الشرع " فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء : ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم ; بل النفي والإثبات بدعة في الشرع . وأما من جهة العقل فبينهم نزاع فيما اتفقوا على تسميته جسما : كالسماء والأرض والريح والماء ونحو ذلك مما يشار إليه ويختص بجهة وهو متحيز . قد تنازعوا هل هو مركب من جواهر لا تقبل القسمة أو من مادة وصورة أو لا من هذا ولا من هذا ؟ وأكثر العقلاء على القول الثالث . وكل من القولين الأولين قاله طائفة من النظار . والأول كثير في أهل الكلام والثاني كثير في الفلاسفة ; لكن قول الطائفتين باطل معلوم بالعقل بطلانه عند أهل القول الثالث .



وإذا كان كذلك . فإذا قال القائل : أنا أقول إنه فوق العرش وإنه ترفع الأيدي إليه ونحو ذلك ; وليس كل ما كان كذلك كان مركبا من أجزاء مفردة [ ص: 435 ] ولا من المادة والصورة العقليين ; كان الكلام مع هذا في التلازم . فإذا قال الثاني : بل كل ما كان فوق غيره وكل ما كان يشار إليه بالأيدي ; فلا يكون إلا مركبا إما من هذا ; وإما من هذا : كان هذا بمنزلة قول الآخر : كل ما كان حيا قادرا عالما ; فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب أو كل ما كان له حياة وعلم وقدرة ; فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب أو كل ما كان سميعا بصيرا متكلما فلا يكون إلا مركبا هذا التركيب بناء على أن كل موجود قائم بنفسه هو جسم وكل جسم فهو مركب هذا التركيب . ومعلوم أن هذا باطل عند جماهير العلماء والعقلاء باتفاقهم ; فإني لا أعلم طائفة من العقلاء المعتبرين أنهم قالوا : هو جسم ; وهو مركب هذا التركيب بل الذي أعرف أنهم قالوا : هو جسم كالهشامية والكرامية لا يفسرون كلهم الجسم بما هو مركب هذا التركيب بل إنما نقل هذا عن بعضهم وقد ينقل عن بعضهم مقالات ينكرها بعضهم : كما نقل عن مقاتل بن سليمان وهشام بن الحكم مقالات ردية .

ومن الناس من رد هذا النقل عن مقاتل بن سليمان فرده كثير من الناس . وأما النقل عن هشام فرده كثير من أتباعه . ومن قدر أنه قال ذلك من الناس ; فقوله باطل كسائر من قال على الله الباطل ; كما حكي عن بعض اليهود والرافضة والمجسمة وإنهم يصفونه بالنقائص التي تعالى الله عنها ; كوصفه أنه أجوف وأنه بكى حتى رمد وعادته الملائكة وعض أصابعه حتى خرج منها الدم وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق . [ ص: 436 ] وأمثال هذه الأقوال التي فيها الافتراء على الله تعالى ووصفه بالنقائص ما يعلم بطلانه بصريح المعقول وصحيح المنقول .



وهكذا إذا قال القائل : إنه لو نزل إلى سماء الدنيا ; للزم الحركة والانتقال والحركة والانتقال من خصائص الأجسام أو قال : للزم أن يخلو منه العرش وذلك محال ; فإن للناس في هذا ثلاثة أقوال . ( أحدها قول من يقول : ينزل وليس بجسم . وقول من يقول : ينزل وهو جسم . وقول من لا ينفي الجسم ولا يثبته ; إما إمساكا عنهما لكون ذلك بدعة وتلبيسا كما تقدم وإما مع تفصيل المراد وإقرار الحق وبطلان الباطل وبيان الصواب من المعاني العقلية التي اشتبهت في هذا ; مثل أن يقال : النزول والصعود والمجيء والإتيان ونحو ذلك مما هو أنواع جنس الحركة لا نسلم أنه مخصوص بالجسم الصناعي الذي يتكلم المتكلمون في إثباته ونفيه بل يوصف به ما هو أعم من ذلك . ثم هنا طريقان : ( أحدهما أن هذه الأمور توصف بها الأجسام والأعراض فيقال : جاء البرد وجاء الحر وجاءت الحمى ونحو ذلك من الأعراض . وإذا كانت الأعراض توصف بالمجيء والإتيان ; علم أن ذلك ليس من خصائص الأجسام فلا يجوز أن يوصف بهذه [ ص: 437 ] الأفعال حقيقة مع أنه ليس بجسم وهذه طريقة الأشعري ومن تبعه من نظار أهل الحديث وأتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وغيره وهذا معنى ما حكاه في " المقالات " عن أهل السنة والحديث .

ولهذا كان قول ابن كلاب والأشعري والقلانسي ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أصحاب أحمد وغيرهم ; إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش . وكذلك يقولون في النزول : ومعنى ذلك أنه يحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم به - نفسه - فعل اختياري سواء قالوا : إن الفعل هو المفعول أو لم يقولوا بذلك وكذلك النزول عندهم ; فهم يجعلون الأفعال اللازمة بمنزلة الأفعال المتعدية وذلك لأنهم اعتقدوا أنه لا يقوم به فعل اختياري لأن ذلك حادث ; فقيامه به يستلزم أن تقوم به الحوادث فنفوا ذلك لهذا الأصل الذي اعتقدوه . ( الطريق الثاني : أن يقال : المجيء والإتيان والصعود والنزول توصف به روح الإنسان التي تفارقه بالموت وتسمى النفس وتوصف به الملائكة وليس نزول الروح وصعودها من جنس نزول البدن وصعوده ; فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق السموات ثم تهبط إلى الأرض فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره . وهذا زمن يسير لا يصعد البدن إلى ما فوق السموات ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا الزمان .

[ ص: 438 ] وكذلك صعودها ثم عودها إلى البدن في النوم واليقظة ولهذا يشبه بعض الناس نزولها إلى القبر بالشعاع لكن ليس هذا مثالا مطابقا . فإن نفس الشمس لا تنزل والشعاع الذي يظهر على الأرض هو عرض من الأعراض يحدث بسبب الشمس ليس هو الشمس ولا صفة قائمة بها والروح نفسها تصعد وتنزل ; ففي الحديث المشهور حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في قبض الروح وفتنة القبر - وقد رواه الإمام أحمد وغيره ورواه أبو داود أيضا واختصره وكذلك النسائي وابن ماجه ورواه أبو عوانة في " صحيحه " بطوله وفي روايته عن زاذان : سمعت البراء وذلك يبطل قول من قال : إنه لم يسمعه منه . ورواه الحاكم في " صحيحه " من حديث أبي معاوية قال : حدثنا الأعمش ثنا المنهال بن عمرو عن أبي عمرو زاذان { عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر ولما يلحد } وذكر الحديث بطوله ورواه الحاكم أيضا من حديث محمد بن الفضل قال : حدثنا الأعمش فذكره .

وقال في آخره : حدثنا فضيل حدثني أبي عن أبي حازم عن أبي هريرة بهذا الحديث إلا أنه قال : { أرقد رقدة كرقدة من لا يوقظه إلا أحب الناس إليه } . قال : وقد رواه شعبة وزائدة وغيرهما عن الأعمش ورواه مؤمل عن [ ص: 439 ] الثوري عنه قال : وهو على شرطهما قد احتجا بالمنهال بن عمرو قال : وقد روى ابن جرير عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال : " ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن والكافر " ثم ذكر طرفا من حديث القبر وقد رواه الإمام أحمد في " مسنده " عن عبد الرزاق حدثنا معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو الحديث بطوله . قال : وكذلك أبو خالد الدالاني وعمرو بن قيس الملائي والحسن بن عبيد الله النخعي عن المنهال ورواه شعيب بن صفوان عن يونس بن خباب فقال ; عن المنهال عن زاذان عن أبي البختري قال : سمعت البراء قال : وهذا وهم من شعيب فقد رواه معمر ومهدي بن ميمون وعباد بن عباد عن يونس التامر .

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : وأما حديث البراء رواه المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء فحديث مشهور رواه عن المنهال الجم الغفير ورواه عن البراء : عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة وغيرهما ورواه عن زاذان عطاء بن السائب . قال : وهو حديث أجمع رواة الأثر على شهرته واستفاضته وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده : هذا الحديث إسناده متصل مشهور رواه جماعة عن البراء .

وقال الإمام أحمد في " المسند " حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن المنهال ابن عمرو عن زاذان { عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : خرجنا [ ص: 440 ] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال : إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسون منه مد بصره ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان . قال : فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها .

فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها ريح كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها ; فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة بين السماء والأرض ; إلا قالوا : ما هذه الروح الطيبة ؟ فيقولون : فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض ; فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال : فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : الله ربي فيقولان له وما دينك ؟ فيقول : [ ص: 441 ] ديني الإسلام فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له : وما علمك ؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ; فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال : فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره .

قال : فيأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح ; فيقول : أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له : من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير ؟ فيقول : أنا عملك الصالح . فيقول : رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي .

وقال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال : فتتفرق في جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة ؟ فيقولون : فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا . فيستفتح له فلا يفتح له . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا .

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري . فيقولان له ما دينك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري . فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري . فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار ; فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول : أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول : ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث .

فيقول : رب لا تقم الساعة
} . قلت : هذا قد رواه عن البراء بن عازب غير واحد غير زاذان منهم : عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة ومجاهد . قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب " الروح والنفس " : حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا أبو النضر هاشم بن قاسم ثنا عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت { عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ ص: 443 ] جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس وجلسنا حوله كأن على أكتافنا فلق الصخر وعلى رءوسنا الطير فأزم قليلا - والإزمام السكوت - فلما رفع رأسه قال : إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة ودبر من الدنيا وحضره ملك الموت ; نزلت عليه ملائكة من السماء معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة فيجلسون منه مد بصره . وجاءه ملك الموت فجلس عند رأسه ثم يقول : اخرجي أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه ; فتسيل نفسه كما تقطر القطرة من السقاء . فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا الثقلين ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش مقربو كل سماء . فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين فيقول الرب عز وجل : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فيرد إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه ثم يقال له : يا هذا من ربك ؟ فيقول : الله ربي فيقولان : صدقت . ثم يقال له : ما دينك ؟ فيقول : الإسلام فيقولان له صدقت . ثم يقال له من نبيك ؟ فيقول محمد رسول الله ; فيقولان : صدقت . ثم يفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له : جزاك الله خيرا فوالله ما علمت إن كنت لسريعا في طاعة الله بطيئا عن معصية الله فيقول : وأنت جزاك الله خيرا فمن أنت ؟ فقال : أنا عملك الصالح . ثم يفتح له باب إلى [ ص: 444 ] الجنة فينظر إلى مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة .

وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة وحضره ملك الموت ; نزل عليه من السماء ملائكة معهم كفن من نار وحنوط من نار . قال : فيجلسون منه مد بصره وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه ثم قال : اخرجي أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى غضب الله وسخطه ; فتتفرق روحه في جسده كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين ; فيستخرجها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين ثم يصعد به إلى السماء الدنيا فتغلق دونه ; فيقول الرب تبارك وتعالى : ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ; فترد روحه إلى مضجعه ; فيأتيهمنكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف ; فيجلسانه ثم يقولان له : من ربك ؟ فيقول : لا أدري ; فينادى من جانب القبر لا دريت ; فيضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول : جزاك الله شرا ; فوالله ما علمت إن كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا في معصية الله فيقول : من أنت ؟ فيقول أنا عملك الخبيث ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة
} . وقال ابن منده : رواه الإمام أحمد بن حنبل ومحمود بن غيلان وغيرهما عن أبي النضر .

[ ص: 445 ] ومن ذلك حديث ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة . وقد رواه الإمام أحمد في " مسنده " وغيره . وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : هذا حديث متفق على عدالة ناقليه : اتفق الإمامان : محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج على ابن أبي ذئب ومحمد بن عمرو بن عطاء وسعيد بن يسار وهم من شرطهما ورواه المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب مثل ابن أبي فديك وعنه دحيم بن إبراهيم . قلت : وقد رواه عن ابن أبي ذئب غير واحد ولكن هذا سياق حديث ابن أبي فديك لتقدمه ; قال ابن أبي فديك : حدثني محمد بن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن الميت تحضره الملائكة ; فإذا كان الرجل الصالح فيقولون : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان قال : فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء الدنيا فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقولون : فلان فيقولون : مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان . فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل . وإذا كان الرجل السوء قال : اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث . اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله [ ص: 446 ] أزواج . فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان فيقولون : لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنها لن تفتح لك أبواب السماء ; فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى قبره . فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ثم يقال : ما كنت ؟ تقول في الإسلام . فيقول : ما هذا الرجل ؟ فيقول : محمد رسول الله جاءنا بالبينات من قبل الله فآمنا وصدقنا } . وذكر تمام الحديث .

والمقصود أن في حديث أبي هريرة قوله : " فيصير إلى قبره " كما في حديث البراء بن عازب وحديث أبي هريرة روي من طرق تصدق حديث البراء بن عازب وفي بعض طرقه سياق حديث البراء بطوله كما ذكره الحاكم مع أن سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن ; إذ المسألة للبدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور وكذلك السؤال للروح بلا بدن قاله ابن ميسرة وابن حزم . ولو كان كذلك لم يكن للقبر بالروح اختصاص . وزعم ابن حزم أن " العود " لم يروه إلا زاذان عن البراء وضعفه وليس الأمر كما قاله بل رواه غير زاذان عن البراء وروي عن غير البراء مثل عدي بن ثابت وغيره . وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد مع أن زاذان من [ ص: 447 ] الثقات روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره وروى له مسلم في " صحيحه " وغيره ; قال يحيى بن معين : هو ثقة وقال حميد بن هلال وقد سئل عنه فقال هو ثقة لا يسأل عن مثل هؤلاء وقال ابن عدي أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة وكان يتبع الكرابيسي وإنما رماه من رماه بكثرة كلامه .

وأما المنهال بن عمرو فمن رجال البخاري وحديث " عود الروح " قد رواه عن غير البراء أيضا وحديث زاذان مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول .



وأرواح المؤمنين في الجنة وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن ; كما أنها تكون في البدن ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم . أما كونها في الجنة ففيه أحاديث عامة ; وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء واحتجوا بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره . فالأول مثل حديث الزهري المشهور الذي رواه مالك عن الزهري في " موطئه " وشعيب بن أبي حمزة وغيرهما وقد رواه الإمام أحمد في " المسند " وغيره . قال الزهري : أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك الأنصاري - وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده } فأخبر أنه يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده [ ص: 448 ] يعني في النشأة الآخرة . قال أبو عبد الله ابن منده : ورواه يونس والزبيدي والأوزاعي وابن إسحاق . وقال عمرو بن دينار وابن أخي الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه قال . . . قال صالح بن كيسان وابن أخي الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب أنه بلغه أن كعبا قال . . . رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . قلت : وفي الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو حاتم في " صحيحه " وقد رواه أيضا الأئمة .

قال { إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه . فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه . فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة : ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام : ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة : ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس : ما قبلي مدخل . فيقال له : اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب فيقال له : ما هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه ؟ فيقول : دعوني حتى أصلي ; فيقولون : إنك ستفعل أخبرنا عما [ ص: 449 ] نسألك عنه . فقال : عم تسألوني ؟ فيقولون : ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم ; ما تشهد عليه به ؟ فيقول : أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند الله ; فيقال : على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى ثم يفتح له بابا من أبواب الجنة فيقال له : ذلك مقعدك منها وما أعد الله لك فيها ; فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له ذلك مقعدك منها وما أعد الله لك فيها [ لو عصيت ربك ] فيزداد غبطة وسرورا ; ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه . ويعاد جسده كما بدئ وتجعل نسمته في نسم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة .

وفي لفظ : وهو في طير يعلق في شجر الجنة قال أبو هريرة : قال الله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } وفي لفظ ثم يعاد الجسد إلى ما بدئ منه
} . وهذه الإعادة هي المذكورة في قوله تعالى { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ليست هي النشأة الثانية . ورواه الحاكم في " صحيحه " عن معمر عن قتادة عن قسامة بن زهير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن المؤمن إذا احتضر أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون : اخرجي راضية مرضيا عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان ; فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنهم ليناوله بعضهم [ ص: 450 ] بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون : ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض وكلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه فيسألونه : ما فعل فلان ؟ قال : فيقولون : دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا فإذا قال لهم : ما أتاكم فإنه قد مات ; يقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية .

وأما الكافر فإن ملائكة العذاب تأتيه فتقول : اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وسخطه فتخرج كأنتن ريح جيفة فينطلقون به إلى باب الأرض فيقولون : ما أنتن هذه الريح كلما أتوا على أرض قالوا ذلك حتى يأتوا به أرواح الكفار
} . قال الحاكم : تابعه هشام الدستوائي عن قتادة . وقال همام بن يحيى ; عن قتادة عن أبي الجوزاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . والكل صحيح وشاهدها حديث البراء بن عازب . وكذلك رواه الحافظ أبو نعيم من حديث القاسم بن الفضل الحذائي كما رواه معمر . قال : ورواه أبو موسى وبندار عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة مثله مرفوعا . ومن أصحاب قتادة من رواه موقوفا ورواه همام عن قتادة عن أبي الجوزاء عن أبي هريرة ; مرفوعا نحوه .

وقد روى هذا الحديث النسائي والبزار في " مسنده " وأبو حاتم في " صحيحه " [ ص: 451 ] وقد روى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة قال { إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها فذكر من طيب ريحها وذكر المسك . قال : فيقول أهل السماء : روح طيبة جاءت من قبل الأرض ; صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه ; فينطلق بها إلى ربه ثم يقال : انطلقوا به إلى آخر الأجل . قال : وإن الكافر إذا خرجت روحه وذكر من نتنها وذكر لعنا فيقول أهل السماء : روح خبيثة جاءت من قبل الأرض . قال : فيقال : انطلقوا به إلى آخر الأجل . قال أبو هريرة : فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا }

. وقد ثبت في الصحيح { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين } وفي الصحيح أيضا أنه كان يقول { اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها فإن أمسكتها فارحمها ; وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين } . ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء وعودها إلى البدن : ما بين أن صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله . وروينا عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن منده في كتاب " الروح والنفس " حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن الحسن الحراني ثنا أحمد [ ص: 452 ] بن شعيب ثنا موسى بن أيمن عن مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } قال : تلتقي أرواح الأحياء في المنام بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها . وروى الحافظ أبو محمد ابن أبي حاتم في " تفسيره " حدثنا عبد الله بن سليمان ثنا الحسن ; ثنا عامر عن الفرات ; ثنا أسباط عن السدي { والتي لم تمت في منامها } . قال : يتوفاها في منامها . قال : فتلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان . قال : فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجله في الدنيا . قال : وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس .

وهذا أحد القولين وهو أن قوله : { فيمسك التي قضى عليها الموت } أريد بها أن من مات قبل ذلك لقي روح الحي . والقول الثاني - وعليه الأكثرون - أن كلا من النفسين : الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث ; وهي التي قدمها بقوله : { الله يتوفى الأنفس حين موتها } وعلى هذا يدل الكتاب والسنة ; فإن الله قال : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم وأما التي [ ص: 453 ] توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال ولا ذكر في الآية التقاء الموتى بالنيام . والتحقيق أن الآية تتناول النوعين ; فإن الله ذكر توفيتين : توفي الموت وتوفي النوم وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى . ومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك ; ويرسل من لم تمت . وقوله : { يتوفى الأنفس حين موتها } يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم ; فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى ; وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف . وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتى لا ينافي ما في الآية ; وليس في لفظها دلالة عليه ; لكن قوله : { فيمسك التي قضى عليها الموت } يقتضي أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل النائمة ; سواء توفاها في اليقظة أو في النوم ; ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم { اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها ; لك مماتها ومحياها ; فإن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين } فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة . وقال ابن أبي حاتم : ثنا أبي ثنا عمر بن عثمان ; ثنا بقية ; ثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر الحضرمي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء [ ص: 454 ] لم يخطر له على بال ; فتكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الشيء ; فلا تكون رؤياه شيئا ; فقال علي بن أبي طالب : أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين ؟ إن الله يقول : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت - وهي عنده في السماء - فهو الرؤيا الصادقة وما رأت - إذا أرسلت إلى أجسادها - تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها فأخبرتها بالأباطيل وكذبت فيها ; فعجب عمر من قوله .

وذكر هذا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب " الروح والنفس " وقال : هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره ولفظه . قال علي بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين ; يقول الله تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } والأرواح يعرج بها في منامها فما رأت وهي في السماء فهو الحق فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها . فما رأت من ذلك فهو الباطل . قال الإمام أبو عبد الله بن منده : وروي عن أبي الدرداء قال : روى ابن لهيعة عن عثمان بن نعيم الرعيني عن أبي عثمان الأصبحي عن أبي الدرداء قال : إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال : فإن كان طاهرا أذن لها بالسجود وإن كان جنبا لم يؤذن لها بالسجود . رواه زيد بن الحباب وغيره .

[ ص: 455 ] وروى ابن منده حديث علي وعمر رضي الله عنهما مرفوعا حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ثنا