الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          [ ص: 364 ] مسألة : والصلاة جائزة على القبر ، وإن كان قد صلي على المدفون فيه

                                                                                                                                                                                          وقال أبو حنيفة : إن دفن بلا صلاة : صلي على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام ، ولا يصلى عليه بعد ذلك ، وإن دفن بعد أن صلي عليه لم يصل أحد على قبره ؟

                                                                                                                                                                                          وقال مالك : لا يصلى على قبر ، وروى ذلك عن إبراهيم النخعي ؟

                                                                                                                                                                                          وقال الشافعي ، والأوزاعي ، وأبو سليمان : يصلى على القبر وإن كان قد صلي على المدفون فيه ، وقد روي هذا عن ابن سيرين ؟ وقال أحمد بن حنبل : يصلى عليه إلى شهر ، ولا يصلى عليه بعد ذلك ؟

                                                                                                                                                                                          وقال إسحاق : يصلي الغائب على القبر إلى شهر ، ويصلي عليه الحاضر إلى ثلاث ؟ - : حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري ثنا حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة { أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا ، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها أو عنه ، فقالوا : مات ، فقال : أفلا كنتم آذنتموني ؟ قال : فكأنهم صغروا أمرها أو أمره ، فقال : دلوني على قبره ، فدلوه ، فصلى عليها ، ثم قال : إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم } .

                                                                                                                                                                                          فادعى قوم أن هذا الكلام منه عليه السلام دليل على أنه خصوص له ؟

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وليس كما قالوا ، وإنما في هذا الكلام بركة صلاته عليه السلام وفضيلتها على صلاة غيره فقط ، وليس فيه نهي غيره عن الصلاة على القبر أصلا ، بل قد [ ص: 365 ] قال الله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة }

                                                                                                                                                                                          ومما يدل على بطلان دعوى الخصوص ههنا ما رويناه بالسند المذكور إلى مسلم : ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا محمد بن إدريس عن الشيباني هو أبو إسحاق - عن الشعبي عمن حدثه قال { انتهينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب ، فصلى عليه ، وصفوا خلفه ، وكبر أربعا }

                                                                                                                                                                                          قال الشيباني : قلت لعامر الشعبي : من حدثك ؟ قال : الثقة ، من شهده ، ابن عباس .

                                                                                                                                                                                          فهذا أبطل الخصوص ، لأن أصحابه عليه السلام ، وعليهم رضوان الله صلوا معه على القبر ، فبطلت دعوى الخصوص

                                                                                                                                                                                          وبه إلى مسلم حدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي ثنا غندر ثنا شعبة عن حبيب بن الشهيد [ عن ثابت ] عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر } .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : فهذه آثار متواترة لا يسع الخروج عنها

                                                                                                                                                                                          واحتج بعضهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل المسلمون على قبره ؟ قال أبو محمد : ما علمنا أحدا من الصحابة رضي الله عنهم نهى عن الصلاة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نهى الله تعالى عنه ، ولا رسوله عليه السلام ، فالمنع من ذلك باطل ، والصلاة عليه فعل خير ، والدعوى باطل إلا ببرهان ؟ وقال بعضهم : نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبر وعلى القبر مانع من هذا

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وهذا عجب ما مثله عجب وهو أن المحتج بهذا عكس الحق عكسا ; لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة على القبر ، أو إليه .

                                                                                                                                                                                          أو في المقبرة ، وعن الجلوس على القبر ، فقال هذا القائل : كل هذا مباح

                                                                                                                                                                                          وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر صلاته على الميت ، فقال هذا القائل : لا يجوز ذلك واحتج بالنهي عن الصلاة مطلقا في منعه من صلاة الجنازة على القبر ، [ ص: 366 ] واحتج بخبر الصلاة على القبر في إباحته الحرام من الصلوات في المقبرة ، وإلى القبر ، وعليه ؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل ؟ وقال بعضهم : كان ابن عمر لا يصلي على القبر ؟ قلنا : نعم ، كان لا يصلي سائر الصلوات على القبر ، ويصلي صلاة الجنازة على القبر أبدا ؟ قال أبو محمد : وهذا لو صح لكان قد صح ما يعارضه ، وهو أنه رضي الله عنه صلى صلاة الجنازة على القبر ، ثم لو لم يأت هذا عنه لكان قد عارضه ما صح عن الصحابة في ذلك ، فكيف ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          ولا يصح عن ابن عمر إلا ما ذكرناه وروينا عن معمر عن أيوب السختياني عن ابن أبي مليكة : مات عبد الرحمن بن أبي بكر على ستة أميال من مكة ، فحملناه فجئنا به مكة فدفناه ، فقدمت علينا عائشة أم المؤمنين فقالت : أين قبر أخي ؟ فدللناها عليه ، فوضعت في هودجها عند قبره فصلت عليه وعن حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر : أنه قدم وقد مات أخوه عاصم ، فقال : أين قبر أخي ؟ فدل عليه ، فصلى عليه ودعا له . قال أبو محمد : هذا يبين أنها صلاة الجنازة ، لا الدعاء فقط

                                                                                                                                                                                          وعن علي بن أبي طالب : أنه أمر قرظة بن كعب الأنصاري أن يصلي على قبر سهل بن حنيف بقوم جاءوا بعدما دفن وصلي عليه ؟ وعن علي بن أبي طالب أيضا : أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها ؟ وعن يحيى بن سعيد القطان ثنا أبان بن يزيد العطار عن يحيى بن أبي كثير : أن أنس بن مالك صلى على جنازة بعدما صلي عليها وعن ابن مسعود نحو ذلك .

                                                                                                                                                                                          وعن سعيد بن المسيب إباحة ذلك .

                                                                                                                                                                                          وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها [ ص: 367 ] وعن قتادة : أنه كان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى عليها .

                                                                                                                                                                                          فهذه طوائف من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف ؟ وأما أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام فخطأ لا يشكل ، لأنه تحديد بلا دليل ، ولا فرق بين من حد بهذا ، أو من حد بغير ذلك .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية