الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وإني إذا نسبت الحديث ) أي : كل حديث ( إليهم ) أي : إلى بعض الأئمة المذكورين المعروفة كتبهم بأسانيدهم بين العلماء المشهورين ( كأني أسندت ) أي : الحديث برجاله ( إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ) أي : فيما إذا كان الحديث مرفوعا ، وهو الغالب ، وإلى أصحابه إذا كان موقوفا ، وهو المرفوع حكما ; ( لأنهم ) أي : الأئمة ( قد فرغوا منه ) أي : من الإسناد الكامل بذكرهم . قال ابن حجر أي : من الإسناد المفهوم من أسندت على حد : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) . اهـ . ولا يخفى أن قوله : ( وأن تعفوا ) بتأويل المصدر مبتدأ خبره أقرب للتقوى ، والتقدير : وعفوكم أقرب للتقوى نحو ( وأن تصوموا خير لكم ) فالصواب أنه على حد : اعدلوا أقرب للتقوى ، ثم في أصله على حد : وأن تعفوا هو أقرب ، وهو إما سهو من الكتاب ، أو وهم من مصنف الكتاب ، والله أعلم بالصواب . ( وأغنونا ) : بهمزة قطع ، أي : ، وجعلونا في غنى ، وكفاية ( عنه ) أي : عن تحقيق الإسناد من وصله ، وقطعه ، ووقفه ، ورفعه ، وضعفه ، وحسنه ، وصحته ، ووضعه ; ومن ثم لزم الأخذ بنص أحدهم على صحة السند ، أو الحديث ، أو على حسنه ، أو ضعفه ، أو وضعه ، فعلم من كلام المصنف أنه يجوز نقل الحديث من الكتب المؤلفة المعتمدة التي اشتهرت ، أو صحت نسبتها لمؤلفيها كالكتب الستة ، وغيرها من الكتب المؤلفة ، وسواء في جواز نقله مما ذكر أكان نقله للعمل بمضمونه ، ولو في الأحكام ، أو للاحتجاج ، ولا يشترط تعدد الأصل المنقول منه ، وما اقتضاه كلام ابن الصلاح من اشتراطه حملوه على الاستحباب ، والاستظهار ، ولكن يشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قوبل على أصل معتمد مقابلة صحيحة ; لأنه حينئذ يحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليها صحة ، واحتجاجا ، نعم ، نسخ الترمذي مختلفة كثيرا في الحكم على الحديث بل ، وسنن أبي داود أيضا ، فلا بد من المقابلة على أصول معتمدة منهما ، وعلم من كلام المصنف أيضا أنه لا يشترط في النقل من الكتب المعتمدة للعمل والاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها ; ومن ثم قال ابن برهان : ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صحت عنده النسخة من السنن جاز له العمل بها ، وإن لم يسمع ، وشذ بعض المالكية ، فقال : اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا ، حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ، ولو على أقل وجوه الروايات ; لقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ، وفي رواية : بحذف متعمدا ، وتبعه الحافظ الزين العراقي فإنه بعد أن قرر أنه يقبح للطالب أن لا يحفظ بإسناده عدة أحاديث يتخلص بها عن كذا ، وعن كذا . قال : ويتخلص به من الجرح بنقل ما ليست له به رواية ; فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية . وانتصر جماعة للأول ، وقد يجمع بين الإجماعين المتعارضين بحمل الأول على ما إذا نظر في الأصل المعتمد ، وأخذ منه الحديث للعمل ، أو الاحتجاج [ ص: 33 ] والثاني : على ما إذا حدث بأحاديثها موهما نسبتها إليه قراءة ، وإسنادا فهذا لا يجوز لما فيه من مزيد التغرير . وبهذا اندفع ما أورد على الثاني من أنه يلزم عليه منع إيراد ما في الصحيحين ، أو أحدهما لمن لا رواية له به ، وجواز نقل ما له به رواية ، وإن كان ضعيفا ( وسردت الكتب والأبواب ) أي : أوردتها ، ووضعتها متتابعة متوالية ( كما سردها ) أي : رتبها ، وعينها الإمام البغوي في المصابيح ( واقتفيت ) أي : اتبعت ( أثره ) : بفتحتين ، وقيل بكسر الهمزة ، وسكون المثلثة أي : طريقه ( فيها ) أي : الكتب ، والأبواب من غير تقديم ، وتأخير ، وزيادة عنوان ، وتغيير ; فإن ترتيبه على وجه الكمال ، وتبويبه في غاية من الحسن ، والجمال ، ويحتمل أن يكون تأكيدا لكمال المتابعة ، وتبرئة عما قد يرد على إيراده بعض الكتب ، والأبواب من وجوه المناسبة ( وقسمت ) : بالتخفيف ( كل باب ) : وكذا كل كتاب أي : جعلته مقسوما ( غالبا ) أي : في غالب الحال ( على فصول ثلاثة ) : وقيد الغالبية بمعنى الأكثرية ؛ لأنه قد لا يوجد الفصل الثاني ، أو الثالث ، أو كلاهما في بعض الأبواب من الكتاب .

( أولها ) أي : أول الفصول في هذا الكتاب بدل قول البغوي في المصابيح من الصحاح ( ما أخرجه ) أي : أورده ، أو أخرجه من بين الأحاديث ( الشيخان ) أي : يزعم صاحب المصابيح لما سيأتي من قوله : ( وإن عثرت على اختلاف الفصلين ) ، أو المراد في الغالب والنادر كالمعدوم ( أو أحدهما ) أي : أحد الشيخين بزعمه أيضا ، وهما البخاري ومسلم في اصطلاح المحدثين ، وأبو يوسف ، ومحمد عند فقهاء الحنفية ، والرافعي ، والنووي عند الشافعية ( واكتفيت ) : وفي نسخة ، وأكتفي ، وهو يحتمل المعلوم التفاتا ، والمجهول من الماضي والمضارع المتكلم المعروف وهو الأظهر ( بهما ) أي : بذكرهما في التخريج ( وإن اشترك ) : وصيلة لا تطلب جزاء ولا جوابا ( فيه ) أي : في تخريجه ( الغير ) أي : غيرهما من المحدثين ، والمخرجين كبقية الكتب الستة ، ونحوها ( لعلو درجتهما ) أي : على سائر المخرجين مع الفرق بينهما ( في الرواية ) : متعلق بالعلو ، أي : في شرائط إسنادها ، والتزام صحتها ما يلتزمه غيرهما من المحدثين ، وإن كان غيرهما أعلى مرتبة منهما في علو الإسناد ، فإن البخاري أخذ عن أحمد بن حنبل ، وهو أخذ عن الشافعي ، وهو عن مالك ، ولذا قال بشر الحافي : إن من زينة الدنيا أن يقول الرجل حدثنا مالك كذا ، وهذا يحتمل أن يكون مدحا للإسناد بمقتضى العلم الظاهر ، ويحتمل ذما بناء على التصوف الذي مبناه على علم الباطن كما قال بعضهم : حدثنا باب من أبواب الدنيا ، ولكنه محمول على ما إذا كان قصده السمعة ، وغرضه الرياء .

ثم اعلم أن الأئمة قد اختلفوا في شرطهما الذي التزماه ; فإنه لم يصرح واحد منهما به في كتابه ، والأظهر ما قاله أبو عبد الله الحاكم ، وصاحبه البيهقي أن شرطهما أن يكون للصحابي المشهور بالرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - راويان فأكثر ، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور ، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ، ثم يكون شيخ البخاري ، أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته ، وله رواة ، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة . وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني : وهو إن انتقض في بعض الصحابة الذين أخرجا لهم ، فهو معتبر فيمن بعدهم ، فليس في كتابيهما حديث أصلا من رواية من ليس له إلا راو واحد فقط اهـ .

قيل : والحاكم موافق على استثناء الصحابة فكأنه رجع عن الأول ، ثم المراد بقوله في مستدركه : على شرطهما ، أو شرط أحدهما عند النووي ، وابن دقيق العيد ، والذهبي كأبي الصلاح أن يكون رجال ذلك الإسناد [ ص: 34 ] بأعيانهم في كتابيهما ، أو كتاب أحدهما ، وإلا قال صحيح فحسب ، ومخالفته لذلك في بعض المواضع تحمل على الذهول ، هذا ، وقال السيد جمال الدين لو لم يكتف المصنف بهما ، وذكر في كل حديث غيرهما ممن رواه كان أولى ، وأنسب ، وأحرى ، وأصوب ; لأن الحديث وإن كان في أصل الصحة لا يحتاج إلى غيرهما لكن في الترجيح لا يستغني عن ذكر غيرهما ; لأن الحديث الذي رواه الستة مثلا لا شك في ترجيحه على الذي رواه الشيخان ، أو أحدهما ، ولم يخرجه غيرهما .

( وثانيها ) أي : ثاني الفصول ، وهو المعبر عنه في المصابيح بقوله : من الحسان ( ما أورده غيرهما من الأئمة المذكورين ) ، وهم : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، والدارمي ، وابن ماجه ; فإن أحاديث المصابيح لا تتجاوز عن كتب الأئمة السبعة ، وأكثرها صحاح .

( وثالثها ) : وهو المعبر عنه بالفصل الثالث ( ما اشتمل على معنى الباب ) أي : على معنى عقد له الباب ، ولم يذكره البغوي في الكتاب ( من ملحقات ) : بفتح الحاء ، ومن بيانية لما اشتمل ( مناسبة ) : بكسر السين أي : مشاكلة ، وهي صفة ملحقات ، والمراد بها زيادات ألحقها صاحب المشكاة على وجه المناسبة بكل كتاب وباب غالبا لزيادة الفائدة ، وعموم العائدة ( مع محافظة على الشريطة ) أي : من إضافة الحديث إلى الراوي من الصحابة ، والتابعين ، ونسبته إلى مخرجه من الأئمة المذكورين . ولما كان صاحب المصابيح ملتزما للأحاديث المرفوعة في كتابه في الفصلين ، ولم يلتزم المصنف ذلك نبه عليه بقوله ( وإن كان ) أي : المشتمل ( مأثورا ) أي : منقولا ، ومرويا ( عن السلف ) أي : المتقدمين ، وهم الصحابة ( والخلف ) أي : المتأخرين ، وهم التابعون ، واعلم أن تقديم السلف على الخلف ثابت في جميع النسخ المصححة ، وكأنه وقع في أصل ابن حجر سهوا من تقديم الخلف على السلف ، واعتمد عليه ، ولتوجيهه تكلف ، وقال : الخلف هم من بعد القرون الثلاثة الأول التي أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها بقوله : ( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) ، وقدمهم مع أن رتبتهم التأخير كما صرح به هذا الحديث ; لأن تقديمهم أنسب بالغاية المذكورة ; لأنه إذا أتى بالمأثور عنهم فما عن السلف أولى اهـ . ولا يخفى أن هذا لا يصلح أن يكون سببا لتقديم الخلف على السلف ، نعم ، لو اقتصر على ذكر الخلف ، ونقل في كتابه عن السلف - لكان يوجه بهذا التوجيه ، ثم قال : والسلف ، وهم أهل القرون الثلاثة الذين هم خير الأمة بشهادة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - . وزعم ابن عبد البر أنه قد يكون في الخلف من هو أفضل من الصحابة مما تفرد به ، والأحاديث التي استدل بها ضعيفة ، أو محمولة على أن لهم مزية من حيث قوة الإيمان بالغيب ، والصبر على مر الحق في زمن الجور الصرف ، والمفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل ، ومن ثمة قيل لابن المبارك : أيما أفضل معاوية ، أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : الغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع النبي - صلى الله عليه وسلم - خير من مثل عمر بن عبد العزيز كذا وكذا مرة اهـ . ولا يخفى أن ابن عبد البر ما أراد إلا هذا المعنى بهذه الحيثية بعينها ، وهي أن الخلف قد يوجد فيهم الكمالات العلمية ، والرياضات العملية ، والحقائق الأنسية ، والدقائق القدسية ، وحالات من الكرامات ، وخوارق العادات بحيث إنهم يكونون أفضل من بعض السلف ممن ليس له ذلك ، كأعرابي رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعد ; فإنه لا يقال في حقه : إنه من جميع الوجوه أفضل من جميع الخلف من الأئمة المجتهدين ، والمشايخ المعتبرين . وأما فضيلة نسبة الصحبة فلا ينكر مؤمن شرفها ، فإنه بمنزلة الإكسير في عظم التأثير . ثم تفسير السلف والخلف على ما شرحه ، وإن كان صحيحا في نفس الأمر ، ولكن لا يلائم كلام المصنف ; فإنه ما يروي في كتابه إلا عن الصحابة ، والتابعين ، ويدل عليه أسماء رجاله المحصورين في ذكر الصحابة ، والتابعين ، فإذا فسر السلف بهم فلا يبقى لذكر الخلف معنى ، وهذا خلف ( ثم ) أي : ما ذكرت أني التزمت متابعة صاحب المصابيح في كل باب ( إنك ) أي : أيها الناظر في كتابي هذا ( إن فقدت ) أي : من محله ( حديثا ) أي : من أصله الذي هو المصابيح ( في باب ) : مثلا ، أو في كتاب أيضا ، والمعنى : ما وجدته بالكلية لئلا

[ ص: 35 ] يشكل بنقله من باب إلى باب كما فعله في مواضع من الكتاب ( فذلك ) أي : الفقد ، وعدم الوجد ليس صادرا عن طعن ، أو سهو بل صدر ( عن تكرير ) أي : عن وقوع تكرار وقع في المصابيح ( أسقطه ) أي : أحذف ذلك الحديث لتكريره ، وأذكره في موضع آخر بعينه من غير تغييره ; إذ لا داعي إلى إتيانه بعد ظهوره ، وبيانه ( وإن وجدت آخر ) أي : صادفت حديثا آخر ( بعضه ) : بالنصب بدل بعض من كل أي : حال كونه ( متروكا ) أي : بعضه حال كونه جاريا ، أو بناء ( على اختصاره ) : يعني اختصار محيي السنة ، ويؤيده قوله فيما بعد : ( أتركه ، وألحقه ) ، ويحتمل عود الضمير إلى الحديث ، ويؤيده قوله : ( أو مضموما إليه تمامه ) : كذا ذكره شيخ مشايخنا ميركشاه ، واقتصر الطيبي على الأول ، وتبعه ابن حجر ، والأظهر الثاني كما أفاده السيد جمال الدين لأنه حينئذ يكون الكلام على نسق واحد ، وأما على الأول فيحصل تفكيك الضمير ، وهو غير ملائم ، ثم المعنى : أو وجدت حديثا آخر مضموما إليه تمامه الذي أسقطه البغوي ، أو أتى به في محل آخر ( فعن داعي اهتمام ) : الفاء جزائية أي : فذلك الترك ، والضم لم يقع اتفاقا ، وإنما صدر ، ونشأ عن موجب اهتمام . وقيل : عن بمعنى اللام ، أي : فهو لأجل باعث اهتمام اقتضى أني ( أتركه ) أي : على اختصاره في الأول ( وألحقه ) : الواو بمعنى أو كما في نسخة ، أي : وألحقه في الثاني لفوات الداعي ، والسبب إلى اختصاره ، فهو نشر مرتب . قال الفاضل الطيبي : وذلك بأن تلك الرواية كانت مختصرة عن حديث طويل جدا فأتركه اختصارا ، أو كان حديثا يشتمل على معان جمة يقتضي كل باب معنى من معانيه ، وأورد الشيخ كلا في بابه فاقتفينا أثره في الإيراد ، وما لم يكن على هذين الوضعين أتممناه غالبا اهـ قال السيد جمال الدين : كذا قرره الشارح ، وحرره ، وأسند الاختصار ، والإتمام بصيغة المتكلم مع الغير من غير أن ينقل هذا الكلام من المؤلف ، وهذا الأمر من الشارح يحتمل أن يحمل على سماعه من المصنف ، ويحتمل أن يكون مراد الشارح أن هذا مقصود الماتن ، والله أعلم . ( وإن عثرت ) : بتثليث المثلثة ، والفتح أولى . أي : اطلعت أيها الناظر في كتابي هذا ( على اختلاف ) أي : بيني ، وبين صاحب المصابيح ( في الفصلين ) أي : الأولين وبيان الاختلاف قوله : ( من ذكر غير الشيخين ) : أي من المخرجين ( في الأول ) أي في الحديث المذكور في الفصل الأول ( وذكرهما ) أي : ، أو من ذكر للشيخين ( في الثاني ) أي : من الفصلين بأن يسند بعض الأحاديث فيه إليهما ، أو إلى أحدهما ( فاعلم ) : جزاء الشرط أي : إن اطلعت على ما ذكر فاعلم أنه ما صدر عني سهوا ، أو غفلة فلا تظن هذا ، واعلم ( أني بعد تتبعي ) أي : تفحصي ، وتحسسي ( كتابي : الجمع ) : تثنية مضاف أي : كتابين أحدهما الجمع ( بين الصحيحين ) أي : بين كتابي البخاري ، ومسلم المسميين بالصحيحين ( للحميدي ) : متعلق بالجمع ، وهو بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي القرطبي ، وهو إمام عالم كبير مشهور ورد بغداد ، وسمع أصحاب الدارقطني ، وغيرهم ، ومات بها سنة ثمانين ، وأربعمائة ، ( وجامع الأصول ) : بالجر عطفا على الجمع ، أي : والآخر جامع الأصول ، أي : الكتب الستة للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري الشهير بابن الأثير ، وله أيضا مناقب الأخيار ، وكتاب النهاية في غريب الحديث ، كان عالما محدثا لغويا ، وكان بالجزيرة ، وانتقل إلى الموصل ، ومات بها عام ست وستمائة ( اعتمدت على صحيحي الشيخين ، ومتنيهما ) : عطف بيان ، وإنما لم يكتف بهما ؛ لأنه ربما يحتمل أن يتوهم أن تتبعه واستقراءه غير تام ، فإذا وافق الحميدي ، وصاحب الأصول يصير الظن قويا بصحة استقرائه للموافقة ، ولو اكتفى بتتبع الجمع بين الصحيحين ، وجامع الأصول لاحتمل وقوع القصور في استقرائهما فبعد اتفاق [ ص: 36 ]

الأربعة يمكن الحكم بالجزم على سهو البغوي . ( وإن رأيت ) أي : أبصرت ، أو عرفت أيها الناظر في المشكاة ، وأصلها مع أصولهما ( اختلافا في نفس الحديث ) أي : في متنه لا إسناده بأن يكون لفظ الحديث في المشكاة مخالفا للفظ المصابيح ( فذلك ) أي : الاختلاف ناشئ ( من تشعب طرق الأحاديث ) أي : من اختلاف أسانيدها ، ورواتها حتى عند المؤلف الواحد إذ كثيرا ما يقع للشيخين ، أو أحدهما ، أو لغيرهما سوق الحديث الواحد من عدة طرق بألفاظ متباينة مختلفة المعاني تارة ، ومؤتلفتها أخرى ( ولعلي ) : للإشفاق ، أي : إذا وجدتني آثرت لفظ حديث على الذي رواه البغوي في المصابيح لعلي ( ما اطلعت ) أي : ما وقفت ( على تلك الرواية التي سلكها الشيخ ) أي : أطلقها ، وأوردها في مصابيحه ( رضي الله عنه ) : إذ هو إمام كبير ، واطلاعه كثير ، فأحذفها ، وآتي باللفظ الذي اطلعت عليه ( وقليلا ما تجد ) : زيادة ما لتأكيد القلة ، ونصب قليلا على المصدرية لقوله : ( أقول ) أي : وتجدني أقول قولا قليلا ما أي : في غاية من القلة ، والمقول قوله : ( ما وجدت هذه الرواية ) أي : مثلا ( في كتب الأصول ) أي : أصول الحديث من الكتب المبسوطة التي هي أصول السبعة عند الشيخ ، أو مطلق الأصول ، ولا يبعد أن ينصب قليلا على الظرفية ( أو وجدت ) : من جملة المقول ، وأو للتنويع ( خلافها فيها ) أي : خلاف هذه الرواية في الأصول ( فإذا وقفت عليه ) : الضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قوله : ( أقول ) أي : إذا اطلعت على قولي بمعنى مقولي ( هذا فانسب ) : بضم السين أي : مع هذا ( القصور ) أي : التقصير في التتبع ( إلي لقلة الدراية ) أي : درايتي ، وتتبع روايتي ( لا ) أي : لا تنسب القصور ( إلى جانب الشيخ ) أي : إلى جانبه ، وساحة بابه ، لأنه كان من الأئمة الحفاظ المتقنين ، والعلماء الكاملين الراسخين ، هذا ما ظهر لي من معنى الكلام في هذا المقام . وقال ابن حجر : ( فإذا وقفت ) أي : فإذا حذفت لفظا وأتيت بغيره حسبما اطلعت عليه ، ووقفت أنت عليه أي : على ذلك اللفظ في الأصول فانسب إلي آخره . وأنا أقول أيضا فانسب القصور إلي لا إلى الشيخ ( رفع الله قدره ) : جملة دعائية ( في الدارين ) أي : في الدنيا بإلهام الناس الترضي ، والترحم عليه ، وفي العقبى بإعطائه معالم القرب لديه ( حاشا ) : بإثبات الألف ( لله ) أي : تنزيها له ( من ذلك ) أي : من نسبة القصور إلى الشيخ ، وهذا غاية من المؤلف في تعظيمه ، ونهاية أدب منه في تكريمه ، وهو حقيق بذلك ، وزيادة ، فإن له حق الإفادة ، ونسبة السيادة . قال ابن حجر : حاشا : حرف جر وضعت موضع التنزيه والبراءة ، وفي مغني اللبيب : الصحيح أن حاشا اسم مرادف للتنزيه من كذا . وزعم بعضهم أنه اسم فعل معناه التبري ، والبراءة . وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني : هو تنزيه ، واستثناء . وقيل معناه : معاذ الله . وقيل : إنه فعل . قال السيد جمال الدين . قيل : الصحيح أنه اسم مرادف للتنزيه بدليل أنه قرئ حاش لله في سورة يوسف بالتنوين ، وهو لا يدخل على الفعل والحرف ، وقرئ أيضا حاش الله بالإضافة ، وهي من علامات الاسم ، وحينئذ له : ( لله ) لبيان المنزه ، والمبرأ كأنه قال : براءة وتنزيه . ثم قال : لله بيانا للمبرأ والمنزه ، فلامه كاللام في سقيا لك ، فعلى هذا يقال : معنى عبارة المشكاة : إن الشيخ مبرأ ، ومنزه عن قلة الدراية ، ثم أتى لبيان المنزه ، والمبرأ ، وله : ( لله ) ، وكان الظاهر أن يقول : الله بلا لام ، وكأنها لإفادة معنى الاختصاص فكأنه يقول : تنزيهه مختص لله تعالى ، وله أن ينزهه ، وليس لغيره ذلك ، وفيه غاية التعظيم لما هنالك ، ويحتمل أن يكون التقدير : وأقول في حقه :

[ ص: 37 ] التنزيه لله لا لأمر آخر . وقيل : حاشا فعل ، وفسر الآية بأن معناها جانب يوسف الفاحشة لأجل الله ، وعلى هذا يرجع عبارة المشكاة بأنه : جانب الشيخ ذلك القصور لأجل الله ، لا لغرض آخر ، أو قولنا في حقه : حاشا إنما هو لله لا لأمر آخر . وقيل : إنه اسم فعل بمعنى أنزه ، أو تبرأت ، واللام علة . وقيل : إنه حرف ، وهو في هذا المقام ضعيف ; لأن كونه حرفا بمعنى الاستثناء ، وهو غير مستقيم هنا ، ولام لله أيضا يأبى عن الحرفية ; لأن الحرف لا يدخل على الحرف ، والله أعلم . ( رحم الله ) : جملة دعائية ، كقول عمر - رضي الله عنه - : رحم الله امرءا أهدى إلي بعيوب نفسي ، أي : اللهم ارحم ( من إذا وقف على ذلك ) أي : على ما ذكر من الرواية التي أوردها الشيخ ، ولم أجدها في الأصول - ( نبهنا عليه وأرشدنا ) : فيه تجريد ، والمعنى : هدانا ( طريق الصواب ) أي : إليه بنسبة الرواية ، وتصحيحها إلى الباب والكتاب ، وهو إما محمول على الحقيقة بالمشافهة حال الحياة ، أو على المجاز بكتابة حاشية ، أو شرح بعد الممات ; إذ التصنيف لا يغير ، وإلا لم يوجد كتاب يعتبر ( ولم آل ) : بمد الهمزة ، وضم اللام من : ألا في الأمر إذا قصر ، أي : لم أترك ( جهدا ) أي : سعيا واجتهادا ، وهو بضم الجيم وفتحه ، أي : المشقة والطاقة ، وقيل : بالضم الطاقة ، وبالفتح المشقة . قال بعض الشراح : معناه لم أمنعك جهدا ، وكأنه حمله عليه ما وجد في كلام العرب : لا آلوك نصحا ، وقرر تركيب العبارة على حذف المفعول الأول ، واستعمل آلو بمعنى أمنع إما تجوزا ، وإما تضمينا ، ويلزم منه التقصير . والحال أن المعنى على اللزوم صحيح بأن جهدا يكون تمييزا ، أو حالا بمعنى مجتهدا ، أو منصوبا بنزع الخافض أي : في الاجتهاد ، وعلى تقدير أن يكون متعديا إلى مفعولين يمكن أن يضمن الترك ; فيكون متعديا إلى مفعول واحد ، هذا حاصل كلام السيد جمال الدين . وقال البيضاوي في قوله تعالى : ( لا يألونكم خبالا ) أي : لا يقصرون لكم في الفساد ، والألو : التقصير ، وأصله أن يعدى بالحرف ، ثم عدي إلى مفعولين كقولهم : لا آلوك نصحا ، على تضمين معنى المنع والنقص . وقال أبو البقاء : يألو يتعدى إلى مفعول واحد ، وخبالا تمييز ، أو منصوب بنزع الخافض ، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال ، والأظهر ما حققه القاضي أنه في أصله لازم ، ففي عبارة المشكاة إما يضمن معنى الترك فيكون جهدا مفعولا به ، أو يبقى على معناه الأصلي ، وينصب ( جهدا ) على أحد الاحتمالات الثلاث ، والمعنى : لم أقصر لكم ، أو لله ( في التنقير ) أي : في البحث ، والتجسس عن طرق الأحاديث ، واختلاف ألفاظها ( والتفتيش ) : عطف بيان لما قبله ( بقدر الوسع والطاقة ) أي : بمقدار وسعي وطاقتي في التفحص ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، والطاقة عطف بيان ، وإيراد الألفاظ المترادفة في الديباجات والخطب متعارف عند الفصحاء ، غير معايب عند البلغاء ( ونقلت ذلك الاختلاف ) أي : المختلف فيه ( كما وجدت ) أي : كما رأيته ( في الأصول ) : ولا اكتفيت بتقليد الشيخ ، ولو كان هو من أجلاء أرباب النقول . وقال ابن حجر : أي : ومن ثمة نقلت ذلك الاختلاف كما وجدته في الأصول من غير أن أتصرف فيه بتغيير ، أو بتبديل حتى أنسب كلا إلى مخرجه باللفظ ، والمعنى لا المعنى فحسب ; لوقوع الخلاف المشهور في جواز رواية الحديث بالمعنى ، وهو وإن جاز - على الأصح للعارف بمدلولات الألفاظ ومعانيها - لكن التنزه عنها أولى خروجا من الخلاف اهـ . فتدبر يتبين لك الأظهر في حمل العبارة عليه ، وإن كان في أصل الكلام منه لا مناقشة لنا لديه مع أن التحريز المذكور ، والاختلاف المسطور إنما هو في نقل الراوي الحديث من شيخه إما مطلقا ، أو حال كونه ناسيا على المعتمد ، وأما نقل حديث من كتاب كالبخاري ، وغيره ، وإسناده إليه من غير أن يبين أنه نقل بالمعنى فلا يجوز إجماعا ، والله أعلم . ( وما أشار إليه ) أي : الشيخ محيي السنة صريحا ، أو كناية - ( رضي الله عنه ) - : جملة دعائية معترضة بين المبين ، والمبين ، وهو قوله : ( من غريب ) أي : حديث غريب : وهو ما تفرد به الراوي عن سائر رواته ، ولم يشرك معه [ ص: 38 ] أحدا في روايته عن الراوي عنه ( أو ضعيف ) : وهو ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح ، والحسن بأن يكون في أحد رواته قدح ، أو تهمة ( أو غيرهما ) : اعتبارا لا حقيقة ، إذ ما عدا الصحيح والحسن داخل تحت أنواع الضعيف . والمراد بغيرهما نحو منكر : وهو ما رده قطعي ، أو رواه ضعيف مخالف لثقة ، أو شاذ : وهو ما خالف الثقة من هو أوثق منه ، أو معلل : وهو ما فيه علة خفية غامضة قادحة لم يدركها إلا الحذاق . واعلم أن معرفة أنواع الحديث ، وبيان حدودها ، وما يتعلق بها من قيودها يحتاج إلى بسط في الكلام ليس هذا موضع إيرادها ، وقد أوردنا في شرح النخبة ما يستفيد بذكره المبتدئ ، ولا يستغني عن تذكره المنتهي ( بينت وجهه ) أي : وجه غرابته ، أو ضعفه ، أو نكارته ( غالبا ) أي : في أكثر المواضع ، ولعل ترك التبيين في بعض مواضعه لعدم العلم به ، أو لاختلاف فيه ، أو لغير هذا ، وقد قال السيد جمال الدين : المتبادر إلى الفهم من هذه العبارة أن أحاديث الحسان من المصابيح المعبر عنه في المشكاة بالفصل الثاني كل حديث ذكر الشيخ فيه أنه غريب ، أو ضعيف ، أو منكر بين المصنف وجهه بأن يقول - أي : الراوي - : تفرد به ، أو غير ثقة ، أو مخالف لما هو أوثق ، ونحوه بذكر منشئه ، والحال أنه لم يفعل ذلك بل في كل حديث ذكر محيي السنة أنه ضعيف ، أو غريب ذكر المصنف قائله الذي هو الترمذي في غالب الأحوال من أرباب الأصول ، وعينه ، وغاية ما في الباب يشير الترمذي أحيانا إلى وجه الغرابة ، وبيان الضعف ، وهذا الصنيع من المصنف يقتضي أنه لم يجعل محيي السنة أهلا للحكم بالضعف ، والصحة في الحديث ; فلا جرم نسبته إلى من له أهلية ذلك انتهى . فيكون المعنى : بينت وجهه بنسبة الحكم عليه بذلك إلى أهله المرجوع إليهم فيه ، وهذا يحتمل على أن يكون تقوية للشيخ لا سلب الأهلية عنه ، فالعلمان خير من علم واحد ، بل في هذا هضم لنفس المصنف أن يكون له أهلية لذلك ( وما لم يشر إليه ) أي : الشيخ ( مما في الأصول ) أي : مما أشير إليه من المنقطع ، والموقوف ، والمرسل في جامع الترمذي ، وسنن أبي داود ، والبيهقي ، وهو كثير ( فقد قفيته ) : بالتشديد أي : تبعته تأسيا به ، كذا قاله الطيبي ، وتبعه ابن حجر . وكتب ميرك في هامش الكتاب قفوته بالواو ، ورقم عليه ( ظ ) إشارة إلى أنه الظاهر . وكتب عمه السيد جمال الدين في أول شرح المشكاة أن أصل سماعنا ، وجميع النسخ المعتمدة الحاضرة صححت بتشديد الفاء . من التقفية ، وهي تستعمل في كلام العرب بعلى والباء ، وقد جاء في التنزيل : ( وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ) وتستعمل أيضا بمن ، والباء قال تعالى : ( وقفينا من بعده بالرسل ) والمعنى هاهنا على التتبع فكان المناسب أن يكون بتخفيف الفاء ، وبالواو من القفو انتهى . وحاصل المناقشة أنه بالتشديد متعد إلى مفعولين بأحد الاستعمالين المذكورين ، وبالتخفيف ، والباء غير وارد ، وكلاهما مدفوع ; فإنه ذكر في مختصر النهاية قفيته ، وأقفيته تبعته ، واقتديت به ، وفي القاموس : قفوته تبعته كتقفيته ، واقتفيته : وقفيته زيدا أي : أتبعته إياه اهـ .

والظاهر من الآيات القرآنية أن قفى بالتشديد متعد بنفسه إلى واحد ، وبالباء إلى اثنين ، ولذا قال البيضاوي في قوله تعالى : ( وقفينا من بعده بالرسل ) أي : أرسلنا على أثره الرسل كقوله تعالى : ( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) يقال : قفاه إذا أتبعه ، وقفاه به أتبعه إياه من القفا نحو ذنبه من الذنب انتهى . وعلى تقدير تسليم أنه متعد بنفسه إلى مفعولين فأمره سهل بأن يكون المعنى أتبعت نفسي إياه ( في تركه ) : وهو يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله ، أو مفعوله ، أي : في ترك الشيخ الحكم على الحديث بشيء ، أو في ترك المشار إليه بالموافقة معه في السكوت عليه ( إلا في مواضع ) أي : قليلة أبينها ( لغرض ) : قال الفاضل الطيبي : وذلك أن بعض الطاعنين أفرزوا أحاديث من المصابيح ، ونسبوها إلى الوضع ، ووجدت الترمذي صححها ، أو حسنها ، وغير الترمذي أيضا ; فبينته لرفع التهمة [ ص: 39 ] كحديث أبي هريرة : ( المرء على دين خليله ) فإنهم صرحوا بوضعه . وقال الترمذي في جامعه : إنه حسن . وقال النووي في الرياض : إنه صحيح الإسناد ، ومن الغرض أن الشيخ شرط في الخطبة أنه أعرض عن ذكر المنكر ، وقد أتى في كتابه بكثير منه ، وبين في بعضها كونه منكرا ، وترك في بعضها ; فبينت أنه منكر اهـ . قال السيد جمال الدين : والجواب من قبل صاحب المصابيح أن يقال : مراده أنه أعرض عن المنكر المجمع على نكارته ، والذي أورده هو من قبيل المختلف فيه ، وصرح بإنكاره البعض لئلا يحمل على ذهوله ، وأعرض عن بيان البعض ; لأن الحكم بنكارته كان غير معتبر عنده ( وربما ) : بالتشديد أشهر ، وللتقليل أظهر ، وما كافة ( تجد ) أي : أيها الناظر في المشكاة ( مواضع مهملة ) أي : غير مبين فيها ذكر مخرجيها ( وذلك ) أي : الإهمال ، وعدم التبيين ( حيث لم أطلع على راويه ) أي : مخرجه ( فتركت البياض ) أي : عقب الحديث دلالة على ذلك ( فإن عثرت عليه ) أي : اطلعت أيها الناظر على مخرجه ( فألحقه ) أي : ذكر المخرج ( به ) أي : بذلك الحديث ، واكتبه في موضع البياض . وقال ابن حجر : ألحقه بذلك البياض ، وفيه مسامحة لا تخفى ( أحسن الله جزاءك ) أي : على هذا العمل ، والجزاء ممدود بمعنى الثواب ، وفيه إشارة لما ورد عن أسامة مرفوعا من صنع إليه معروف فقال لفاعله : جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن حبان . هذا ، وقد بين بعض العلماء المواضع المهملة في حاشية الكتاب تكملة ، وترك البياض في أصل المصنف ليدل على أن التبيين من غير المؤلف ( وسميت الكتاب بمشكاة المصابيح ) : قال الطيبي : روعي المناسبة بين الاسم ، والمعنى ، فإن المشكاة يجتمع فيها الضوء فيكون أشد تقويا بخلاف المكان الواسع ، والأحاديث إذا كانت غفلا عن سمة الرواة انتشرت ، وإذا قيدت بالراوي انضبطت ، واستقرت في مكانها اهـ . وتبعه ابن حجر ، وقال ميرك : الأظهر في وجه المطابقة أن كتابه محيط ، ومشتمل على ما في المصابيح من الأحاديث كما أن المشكاة محيطة ، ومشتملة على المصباح اهـ . ويمكن أن يقال : مراده بالمصابيح الأحاديث الواردة في كتابه مما في المصابيح ، وغيره مشبها بها لأنها آيات نورانية ، ودلالات برهانية صدرت من مشكاة صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقتدي بها أمته من العلماء ، والأولياء في بيداء الضلالة ، وصحراء الجهالة ، وهذا المعنى ورد : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ، وشبه كتابه من حيث إنه جامع لها ، ومانع من تفرقها بالمشكاة ، وهي الكوة الغير النافذة ، ويحتمل أن يقال فيه معنى التورية : وهي أن يؤتى بكلمة لها معنيان أحدهما قريب ، والآخر بعيد ، ويكون المراد البعيد .

( وأسأل الله التوفيق ) أي : جعل أمور المريد على وفق المراد ، وهو في عرف العلماء خلق قدرة العبد في الطاعة ، والعبادة ( والإعانة ) أي : في الدين ، والدنيا ، والآخرة ، أو على ما قصدت ( والهداية ) أي : الدلالة على ما أردت ، أو ثبات الهداية من البداية إلى النهاية ( والصيانة ) أي : الحفظ ، والحماية من العقائد الدنية ، والأحوال الردية ، أو العصمة عن الخطل ، والزلل ، أو عما يمنع إتمام الكتاب من الموانع ، والعلل ( وتيسير ما أقصده ) : بكسر الصاد أي : تسهيل ما أريده من التحرير ، والتفتيش ، والتنقير ( وأن ينفعني ) أي : الله بهذا الكتاب ، وغيره ، وفي نسخة به ، أي : علما ، وعملا ، وتعليما ، وجوز أن يرجع ضمير ينفع إلى الكتاب على سبيل المجاز ( في الحياة ) أي : بالمباشرة ( وبعد الممات ) : بالسببية ، أو في الحياة بأن يجعله سببا لزيادة الأعمال ، وباعثا للترقي إلى علو الأحوال ، وبعد الممات بوصول أعلى الدرجات ، وحصول أعلى المقامات ( وجميع المسلمين ، والمسلمات ) : عطف على الضمير المنصوب في ينفعني أي : وأن ينفع بقراءته ، وكتابته ، ووقفه ، ونقله إلى البلدان ، ونحو ذلك ( حسبي الله ) : وفي نسخة بواو العطف أي : الله كان في جميع أموري ( ونعم الوكيل ) أي : الموكول إليه ، يعني هو المفوض إليه ، والمعتمد عليه ، والمخصوص بالمدح محذوف هو . ( ولا حول ) أي : عن معصية الله ( ولا قوة ) أي : على طاعته ( إلا بالله ) أي : بعصمته ، ومعونته ( العزيز ) أي : الغالب على ما يريد ، أو البديع الذي ليس كمثله شيء ( الحكيم ) أي : صاحب الحكم ، والحكمة على وجه الإتقان [ ص: 40 ] والإحكام . قال ابن حجر : ذكر هذين الاسمين ؛ لأنهما الواردان في ختم هذه الكلمة دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم على أن في بعض نسخ الحصن الحصين للحافظ الجزري رواية ختمها بالعلي العظيم فلعله رواية أخرى اهـ .

اعلم أن الرواية الصحيحة هي : العزيز الحكيم على ما في مسلم كما نقله صاحب المصابيح ، وتبعه صاحب المشكاة ، وكذا هو في أصل الحصن الحصين ، وكتب على حاشيته العلي العظيم ، ونسبها إلى البزار ، والله أعلم . ولما كان ينبغي لكل مصنف كما صرح به جمع من الأئمة أن يبدأ كتابه بالحديث الآتي المسمى بطليعة كتب الحديث . تنبيها على تصحيح النية ، والإخلاص لكل من العالم ، والمتعلم ، وأنه الأساس الذي يبنى عليه جميع الأحوال من العقائد ، والأعمال ، وعلى أن أول الواجبات قصد المقصد بالنظر الموصل إلى معرفة الصمد ، فالقصد سابق ، وما بقي لاحق ، وإن طالب الحديث حكم المهاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعليه أن يراعي الإخلاص ليصل إلى مقام الاختصاص ، بدأ به المصنف اقتداء بالبغوي لا تبعا للبخاري كما قاله ابن حجر فقال :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث