الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

درجات اللحظ

قال : وهو في هذا الباب على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : ملاحظة الفضل سبقا . وهي تقطع طريق السؤال ، إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها . وتنبت السرور ، إلا ما يشوبه من حذر المكر . وتبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة .

[ ص: 101 ] الشيخ عادته في كل باب أن يقول : " وهو على ثلاث درجات " . وقال هاهنا : " وهو في هذا الباب على ثلاث درجات " فعين " هذا الباب " هنا دون غيره من الأبواب . لأن اللحظ مشترك بين لحظ البصر ، ولحظ البصيرة . والشيخ إنما أراد هاهنا هذا الثاني دون الأول . فإن كلامه فيه خاصة .

وهو لما صدر بالآية والأمر بالنظر فيها : إنما توجه إلى الأمر بنظر العين ، استدرك كلامه .

وقال : اللحظ الذي نشير إليه في هذا الباب هو لحظ العين . والله أعلم .

قوله " ملاحظة الفضل سبقا " الفضل : هو العطاء الإلهي . و " السبق " هو ما سبق له بالتقدير قبل خروجه إلى الدنيا . كما قال تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وقال ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وهذا الكلام يفسر على معنيين .

أحدهما : أن العبد إذا رأى ما قدره الله له قد سبق به تقديره - فهو واصل إليه لا محالة . ولا بد أن يناله - سكن جأشه . واطمأن قلبه ، ووطن نفسه ، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه . وما أخطأه لم يكن ليصيبه . وأنه ما يفتح الله له وللناس من رحمة فلا ممسك لها . وما يمسك فلا مرسل له من بعده . فإذا تيقن ذلك ، وذاق طعم الإيمان به : قطع ذلك عليه طريق الطلب من ربه . لأن ما سبق له به القدر كائن واصل لا محالة .

ثم استدرك الشيخ : أن العبد لا بد له من سؤال ربه ، والطلب منه . فقال : " إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها " أي لا يعتقد أن سؤاله وطلبه يجلب له ما ينفعه . ويدفع عنه ما يحذره . فإن القدر السابق قد استقر بوصول المقدور إليه ، سأله أو لم يسأله . ولكن يكون سؤاله على وجه التذلل ، وإظهار فقر العبودية ، وذلها بين يدي عز الربوبية .

فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه . لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله . بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد ، ولا توسط سؤاله وطلبه .

بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد ، ثم أمره بسؤاله والطلب منه ، إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة ، واعترافا بعز الربوبية . وكمال غنى الرب ، وتفرده بالفضل والإحسان ، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين ، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئا .

ولكن [ ص: 102 ] ربه تعالى يحب أن يسأل ، ويرغب إليه ، ويطلب منه . كما قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم .

وقال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون .

وقال واسألوا الله من فضله ، وقال قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ، وقال ادعوا ربكم تضرعا وخفية ، وقال وادعوه خوفا وطمعا .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسأل أحدكم ربه كل شيء ، حتى شسع نعله إذا انقطع . فإنه إن لم ييسره لم يتيسر وقال من لم يسأل الله يغضب عليه .

وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سلوا الله من فضله . فإن الله يحب أن يسأل من فضله . وما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية " .

وقال : " إن لربكم في أيام دهركم نفحات . فتعرضوا لنفحاته . واسألوا الله أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم .

وقال ما من داع يدعو الله بدعوة إلا آتاه بها أحد ثلاث : إما أن يعجل له حاجته ، وإما أن يعطيه من الخير مثلها ، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها . قالوا : إذا نكثر يا رسول الله ؟ قال : فالله أكثر [ ص: 103 ] . وقال ليس شيء أكرم على الله من الدعاء .

وقال تعالى - في الحديث القدسي فيما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته . فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ، كلكم عار إلا من كسوته . فاستكسوني أكسكم . يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته . فاستهدوني أهدكم . يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار . وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي . فاستغفروني أغفر لكم .

وقال - صلى الله عليه وسلم - وأما السجود : فاجتهدوا فيه في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم .

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : إني لا أحمل هم الإجابة . ولكن أحمل هم الدعاء . فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه .

وفي هذا يقول القائل :


لو لم ترد بذل ما أرجو وأطلبه من جود كفك ما عودتني الطلبا

والله سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده بين يديه ، وسؤالهم إياه ، وطلبهم حوائجهم منه ، وشكواهم إليه ، وعياذهم به منه ، وفرارهم منه إليه . كما قيل :

[ ص: 104 ]

قالوا أتشكو إليه     ما ليس يخفى عليه
فقلت ربي يرضى     ذل العبيد لديه

.

وقال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا عبد الوهاب عن إسحاق عن مطرف بن عبد الله قال : تذاكرت : ما جماع الخير ؟ فإذا الخير كثير : الصيام ، والصلاة . وإذا هو في يد الله تعالى . وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله ، فيعطيك . فإذا جماع الخير : الدعاء .

وفي هذا المقام غلط طائفتان من الناس :

طائفة ظنت أن القدر السابق يجعل الدعاء عديم الفائدة .

قالوا : فإن المطلوب إن كان قد قدر ، فلا بد من وصوله ، دعا العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر ، فلا سبيل إلى حصوله ، دعا أو لم يدع .

ولما رأوا الكتاب والسنة والآثار قد تظاهرت بالدعاء وفضله ، والحث عليه وطلبه ، قالوا : هو عبودية محضة . لا تأثير له في المطلوب ألبتة . وإنما تعبدنا به الله . وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء .

والطائفة الثانية : ظنت أن بنفس الدعاء والطلب ينال المطلوب ، وأنه موجب لحصوله ، حتى كأنه سبب مستقل . وربما انضاف إلى ذلك شهودهم : أن هذا السبب منهم وبهم ، وأنهم هم الذين فعلوه ، وأن نفوسهم هي التي فعلته وأحدثته .

وإن علموا أن الله خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم ، فربما غاب عنهم شهود كون ذلك بالله ومن الله ، لا بهم ولا منهم . وأنه هو الذي حركهم للدعاء . وقذفه في قلب العبد . وأجراه على لسانه .

فهاتان الطائفتان غالطتان أقبح غلط . وهما محجوبتان عن الله .

فالأولى : محجوبة عن رؤية حكمته في الأسباب ونصبها لإقامة العبودية ، وتعلق الشرع والقدر بها . فحجابها كثيف عن معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في شرعه وأمره وقدره .

والثانية : محجوبة عن رؤية مننه وفضله ، وتفرده بالربوبية والتدبير . وأنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . وأنه لا حول للعبد ولا قوة له - بل ولا للعالم أجمع - إلا به سبحانه . وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ومشيئته .

وقول الطائفة الأولى : إن المطلوب إن قدر لا بد من حصوله ، وإنه إن لم يقدر فلا مطمع في حصوله .

[ ص: 105 ] جوابه ، أن يقال : بقي قسم ثالث ، لم تذكروه . وهو أنه قدر بسببه . فإن وجد سببه وجد ما رتب عليه . وإن لم يوجد سببه لم يوجد .

ومن أسباب المطلوب : الدعاء والطلب اللذين إذا وجدا وجد ما رتب عليهما . كما أن من أسباب الولد : الجماع . ومن أسباب الزرع : البذر . ونحو ذلك . وهذا القسم الثالث هو الحق .

ويقال للطائفة الثانية : لا موجب إلا مشيئة الله تعالى . وليس هاهنا سبب مستقل غيرها . فهو الذي جعل السبب سببا . وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب . ولو شاء لأوجده بغير ذلك السبب . وإذا شاء منع سببية السبب ، وقطع عنه اقتضاء أثره . وإذا شاء أقام له مانعا يمنعه عن اقتضاء أثره ، مع بقاء قوته فيه . وإذا شاء رتب عليه ضد مقتضاه وموجبه .

فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وقدرته ، وتحت تصرفه وتدبيره . يقلبها كيف شاء . فهذا أحد المعنيين في كلامه .

والمعنى الثاني : أن من لاحظ بعين قلبه ما سبق له من ربه من جزيل الفضل والإحسان والبر من غير معاوضة ، ولا سبب من العبد أصلا . فإنه سبقت له تلك السابقة وهو في العدم . لم يكن شيئا ألبتة - شغلته تلك الملاحظة بطلب الله ومحبته وإرادته عن الطلب منه . وقطعت عليه طريق السؤال ، اشتغالا بذكره وشكره ، ومطالعة منته عن مسألته . لا لأن مسألته والطلب منه نقص . بل لأنه في هذه الحال لا يتسع للأمرين ، بل استغراقه في شهود المنة وسبق الفضل قطع عليه طريق الطلب والسؤال . وهذا لا يكون مقاما لازما له لا يفارقه . بل هذا حكمه في هذه الحال . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث