الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1619 [ ص: 115 ] حديث حادي عشر من مراسيل ابن شهاب .

مالك عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى من كان عنده علم من الدية أن يخبرني ، فقام الضحاك بن قيس الكلابي فقال : كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها ، فقال له عمر : ادخل الخباء حتى آتيك ، فلما نزل عمر بن الخطاب أخبره الضحاك فقضى بذلك عمر بن الخطاب .

قال ابن شهاب : وكان قتل ابن أشيم خطأ .

[ ص: 116 ]

التالي السابق


[ ص: 116 ] هكذا روى هذا الحديث جماعة أصحاب مالك فيما علمت في الموطأ وغيره ، ورواه أصحاب ابن شهاب عنه عن سعيد بن المسيب ، وهو صحيح عن سعيد بن المسيب ، ورواية سعيد بن المسيب عن عمر قد تكلمنا فيها في غير هذا الموضع ، وأنها تجري مجرى المتصل وجائز الاحتجاج بها عندهم ; لأنه قد رآه ، وقد صحح بعض العلماء سماعه منه ، وولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر .

وقال سعيد : ما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقضية ولا أبو بكر ولا عمر إلا وأنا أحفظها ، وهذا الحديث عند جماعة أهل العلم صحيح معمول به غير مختلف فيه ، سنة مسنونة عندهم ، فأغنى ذلك عن الإكثار والبيان ، والله المستعان .

حدثني سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الحميدي ( ح ) .

وحدثنا أحمد بن عبد الله قال : حدثنا الميمون بن حمزة قال : حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال : حدثنا المزني قال : حدثنا الشافعي ( ح ) .

[ ص: 117 ] وأخبرنا أحمد بن محمد قال : حدثنا وهب بن مسرة قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالوا : حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر كان يقول : الدية للعاقلة ، ولا ترث المرأة من دية زوجها ، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورث امرأة أشيم من دية زوجها .

وأخبرنا خلف بن سعيد قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري ، عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب قال : ما أرى الدية إلا للعصبة ; لأنهم يعقلون عنه ، فهل سمع أحد منكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيئا ؟ فقال الضحاك بن سفيان الكلابي وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمله على الأعراب : كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها . فأخذ بذلك عمر .

[ ص: 118 ] وذكره عبد الرزاق أيضا ، عن ابن جريج عن الزهري ، عن ابن المسيب عن عمر مثله سواء وزاد فيه : وكان قتل أشيم خطأ . وهذا يحتمل أن يكون قوله " وكان قتل أشيم خطأ " من قول سعيد بن المسيب أيضا ، ويحتمل أن يكون من قول ابن شهاب كما قال مالك وهو المعروف من ابن شهاب إدخاله كلامه في الأحاديث كثيرا ، وهو الذي يشبه أن يكون من قول ابن شهاب كما قال مالك ، لا من قول سعيد .

وقد روي عن ابن المبارك عن مالك عن الزهري عن أنس قال : كان قتل أشيم خطأ ، وهو غريب من حديث مالك جدا .

حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن حيون قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان مشكدانة قال : حدثنا عبد الله بن المبارك عن مالك عن الزهري عن أنس قال : كان قتل أشيم خطأ ، هكذا رواه مشكدانة ، عن ابن المبارك عن مالك عن الزهري عن أنس .

[ ص: 119 ] ورواه حبان بن موسى ، عن ابن المبارك عن مالك عن الزهري ، قوله كما في الموطأ .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال : حدثنا هشيم ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : جاءت امرأة إلى عمر تسأله أن يورثها من دية زوجها ، فقال : ما أعلم لك شيئا . فنشد الناس من كان عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم فليقم ، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال : كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أورث امرأة أشيم من دية زوجها ، قال أبو إسحاق : ولم يسمعه هشيم من الزهري .

قال أبو عمر : هكذا في حديث ابن شهاب أن الضحاك بن سفيان أخبر بهذا الخبر عمر بن الخطاب ، وهذا بين في حديث مالك وهشيم وابن جريج وغيرهم في هذا الحديث ، وقال فيه ابن عيينة حتى كتب إليه الضحاك ، وهو عندي وهم ، وإنما الحديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى الضحاك ، لا أن الضحاك كتب ( بذلك ) إلى عمر ، ألا ترى إلى حديث مالك وغيره : فقال الضحاك حين نشدهم عمر وأخبر [ ص: 120 ] به عمر ، وقال له : ادخل الخباء حتى آتيك ، فلما نزل عمر أخبره الضحاك . وفي حديث غيره : من كان عنده علم فليقم ، فقام الضحاك ، وهذا كله يدل على أن ابن عيينة وهم في قوله : " حتى كتب إليه الضحاك " ، وأن الصحيح ما قاله مالك وغيره .

وقد روى زفر بن وثيمة عن المغيرة بن شعبة ، أن الذي أخبر بهذا الحديث عمر ، زرارة بن جزي رجل من الصحابة ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : أخبرنا يوسف بن أحمد قال : حدثنا محمد بن عمرو بن موسى قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد الأنطاكي قال : حدثنا محمد بن المبارك الصوري قال : حدثنا صدقة بن خالد قال : حدثنا محمد بن عبد الله الشعيثي عن زفر بن وثيمة ، عن المغيرة بن شعبة أن زرارة بن جزي قال لعمر بن الخطاب إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى الضحاك بن سفيان أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته .

[ ص: 121 ] وهذا الحديث لا تقوم به الحجة ، وليس مما يعارض به حديث ابن شهاب ، وأصح ما في هذا الباب حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن الضحاك بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وفيه من الفقه أن الرجل العالم الخير الجليل قد يخفى عليه من السنن والعلم ما يكون عند غيره ممن هو دونه في العلم ، وأخبار الآحاد علم خاصة لا ينكر أن يخفى منه الشيء على العالم وهو عند غيره .

وفيه أن القياس لا يستعمل مع وجود الخبر وصحته ، وأن الرأي لا مدخل له في العلم مع ثبوت السنة بخلافه ، ألا ترى عمر قد كان عنده في رأيه أن من يعقل يرث الدية ، فلما أخبره الضحاك بما أخبره رجع إليه وقضى به واطرح رأيه .

وفيه إثبات العمل بخبر الواحد ، وفيه ما يبين مذهب عمر في خبر الواحد أنه عنده مقبول معمول به ، وأن مراجعته لأبي موسى في حديث الاستئذان لم يكن إلا للاستظهار أو لغير ذلك من الوجوه التي قد بيناها في كتاب العلم فأغنى ذلك [ ص: 122 ] عن ذكرها هاهنا ، ولا خلاف بين الفقهاء والفراض في هذا الباب ، وجاء فيه عن الحسن البصري وحده أن الإخوة للأم والمرأة والزوج لا يرثون من الدية شيئا ، وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، وروي عنه أيضا أنه قال : قد ظلم من لم يورث بني الأم من الدية .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث