الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثامن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا

جزء التالي صفحة
السابق

332 [ ص: 209 ] حديث ثامن لأبي الزبير .

مالك عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر قال مالك : أرى ذلك كان في مطر .

التالي السابق


أما سعيد بن جبير فأحد العلماء الفضلاء ( من التابعين ) ، قتله الحجاج صبرا سنة أربع وتسعين ، وهو ابن تسع وأربعين سنة ، وهو مولى لبني أسد ، وله أخبار يطول ذكرها ، وكان فقيها فاضلا شديدا على السلطان في تغيير المنكر ، وهذا حديث صحيح إسناده ثابت ، رواه جماعة عن أبي الزبير كما [ ص: 210 ] رواه مالك ، منهم حماد بن سلمة وغيره ، ولم يتأولوا فيه المطر ، ورواه قرة بن خالد عن أبي الزبير فقال فيه : في سفرة سافرها إلى تبوك . ذكره أبو داود .

وقد تقدم القول في جمع الصلاتين في السفر ، وأما في الحضر فأجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حال ألبتة ، إلا طائفة شذت سنورد ما إليه ذهبت إن شاء الله .

وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عباس أنه قال : الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر من الكبائر وهو حديث ضعيف .

واختلفوا في عذر المرض والمطر ، فقال مالك وأصحابه : جائز أن يجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر ، ( قال ) : ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر ، قال : ويجمع بين المغرب والعشاء وإن لم يكن مطر إذا كان طينا وظلمة ، هذا هو المشهور من مذهب مالك في مساجد الجماعات في الحضر وما ينتاب منها من المواضع البعيدة التي في سلوكها مشقة ، وقال مرة : ينصرفون مع مغيب الشفق ، يؤخر المغرب حتى يؤذن لها [ ص: 211 ] ويقام فتصلى ، ثم يؤذن المؤذن في المسجد للعشاء ويقيمونها وتصلى ، ثم ينصرفون مع مغيب الشفق ، وقال مرة أخرى : ينصرفون وعليهم إسفار .

وروى زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون عن مالك أنه قال : لا يجمع بين الصلاتين ليلة المطر في شيء من المواضع إلا بالمدينة ، لفضل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولأنه ليس هناك مسجد غيره ، وهو يقصد من بعد .

وروي عن ابن عمر وأبان بن عثمان وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن عبد الرحمن ومروان وعمر بن عبد العزيز أنهم كانوا يجمعون بين الصلاتين ليلة المطر ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه .

وروى عبد الرحمن بن مهدي وسليمان بن بلال عن هشام بن عروة قال : رأيت أبان بن عثمان يجمع بين الصلاتين في الليلة المطيرة ، فيصليها معه عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن لا ينكرونه .

[ ص: 212 ] وقال عبيد الله بن عمر : رأيت سالما والقاسم يصليان معهم - يعني الأمراء - في الليلة المطيرة .

وروى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء . قال : وكان يصلي المغرب ، ثم يمكث هنيئة ، ثم يصلي العشاء .

وقال أبو بكر الأثرم : سألت أحمد بن حنبل أيجمع بين الصلاتين في المطر ؟ قال : نعم ، المغرب والعشاء . قلت له : بعد مغيب الشفق ؟ قال : لا ، إلا قبل ، كما صنع ابن عمر .

وقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - : يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر في المطر ؟ قال : ما سمعت ، قلت له : فالمغرب والعشاء ؟ قال : نعم ، قلت له : فسنة الجمع بين المغرب والعشاء عندك مغيب الشفق ؟ قال : نعم . وفي السفر يؤخر حتى يغيب الشفق .

وقال ( الشافعي ) يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المطر إذا كان المطر قائما دائما ، ولا يجمع في غير حال المطر . وبه قال أبو ثور والطبري لحديث ابن عباس هذا : أن رسول الله - صلى الله عليه [ ص: 213 ] وسلم - جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر وتأولوا ذلك في المطر .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجمع أحد بين الصلاتين في المطر لا الظهر والعصر ، ولا المغرب والعشاء . وهو قول الليث بن سعد وأكثر أصحاب داود .

ومن حجتهم أن حديث ابن عباس هذا ليس فيه صفة الجمع ، ويمكن أن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وجمع بينها وبين العصر في أول وقتها ، وصنع كذلك بالمغرب والعشاء ، وهذا قد يسمى جمعا ، قالوا : ولسنا نحيل أوقات الحضر إلا بيقين .

وقالت طائفة : الجمع بين الصلاتين مباح في الحضر ، وإن لم يكن مطر إذا كان عذر يحرج به صاحبه ويشق عليه ، واحتجوا بأنه روي عن ابن عباس في هذا الخبر في غير خوف ولا مطر ، وأنه قيل له : لم فعل ذلك يا ابن عباس ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته .

( أخبرنا عبد الله بن محمد قال ) : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا [ ص: 214 ] أبو معاوية قال : حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قيل لابن عباس : ما أراد ( إلى ) ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته .

قال أبو عمر : هكذا يقول الأعمش في هذا الحديث عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : من غير خوف ولا مطر . وحديث مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال فيه : من غير خوف ولا سفر ، وهو الصحيح فيه - إن شاء الله - والله أعلم .

وإسناد حديث مالك عند أهل الحديث والفقه أقوى وأولى ، وكذلك رواه جماعة عن أبي الزبير كما رواه مالك : " من غير خوف ولا سفر " ، منهم الثوري وغيره ، إلا أن الثوري لم يتأول فيه المطر ، وقال فيه : لئلا يحرج أمته .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن يونس الكديمي قال : حدثنا أبو بكر الحنفي [ ص: 215 ] قال : حدثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر قال قلت : فلم فعل ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أحد من أمته .

( ورواه صالح مولى التوءمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال فيه : من غير خوف ولا مطر ) وصالح مولى التوءمة ضعيف لا يحتج به ، والله أعلم .

وكان ابن سيرين لا يرى بأسا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذه عادة .

وأجمع المسلمون أنه ليس لمسافر ولا مريض ، ولا في حال المطر , يجمع بين الصبح والظهر ، ولا بين العصر والمغرب ، ولا بين العشاء والصبح ، وإنما الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء صلاتي النهار وصلاتي الليل ; لأن الصلاتين منهما مشتركتان في الوقت للمسافر وصاحب العذر ، ألا ترى اشتراكهما للحائض تطهر ، والمغمى عليه يفيق ، ونحوهما ، وأجمعوا أن الصبح لا يجمع مع غيرها أبدا في حال من الأحوال .

[ ص: 216 ] وقال أشهب - من رأيه - : لا بأس بالجمع بين الصلاتين كما جاء في الحديث : من غير خوف ولا سفر ، وإن كانت الصلاة في أول الوقت أفضل ، وهذا يحتمل عندي أن يكون على مذهبهم في الجمع في تأخير الأولى وتقديم الثانية .

وقد حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال : حدثنا الخضر بن داود قال : حدثنا أبو بكر الأثرم قال : سمعت أحمد بن حنبل يسأل : ما وجه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة ؟ فقال : أليس قد قال ابن عباس لئلا يحرج أمته إن قدم ( رجل ) أو أخر نحو هذا ؟

قال أبو بكر : وأخبرنا عبد السلام بن أبي قتادة أنه سمع أبا عبد الله يقول : هذه عندي رخصة للمريض والمرضع .

قال أبو عمر : قد يحتمل أن يكون جمع بينهما بأن صلى الأولى في آخر وقتها ، وصلى الثانية في أول وقتها ، فكانت رخصة في التأخير بغير عذر إلى آخر الوقت للسعة ، والله أعلم .

[ ص: 217 ] وقد روينا نحو هذا خبرا ، وإن كان في إسناده نظر .

حدثنا سعيد بن عثمان ، حدثنا أحمد بن دحيم ، حدثنا محمد بن الحسين بن زيد ، حدثنا محمد بن سليمان ، حدثنا الربيع بن يحيى الأشناني ، حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا علة للرخصة .

وحدثنا عبد الله بن محمد ( قال : حدثنا محمد ) بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا سليمان بن حرب ومسدد وعمرو بن عون قالوا : حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ثمانيا وسبعا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ولم يقل سليمان ومسدد : " بنا " .

قال أبو عمر : رواه ابن عيينة ، وهو أثبت الناس في عمرو بن دينار عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس مثله ، وزاد قال عمرو : قلت لأبي الشعثاء : أظن أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء ؟ قال : وأنا أظن ذلك ، فهذا على ما ذكرنا ، ومن روى حديثا كان أعلم بمخرجه وسنذكر حديث ابن عيينة فيما بعد إن شاء الله .

[ ص: 218 ] واختلفوا أيضا في جمع المريض بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فقال مالك : إذا خاف المريض أن يغلب على عقله , جمع بين الظهر والعصر عند الزوال وبين العشاءين عند الغروب ، قال : فأما إن كان الجمع أرفق به لشدة مرض أو بطن - يعني ولم يخش أن يغلب على عقله - فليجمع بينهما في وسط وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق .

قال مالك : والمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره لشدة ذلك عليه .

قال مالك : وإن جمع المريض بين الصلاتين ، وليس بمضطر إلى ذلك أعاد ، ما دام في الوقت ، فإن خرج الوقت فلا شيء عليه . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه : يجمع المريض بين الصلاتين ( وكان الشافعي - رحمه الله - لا يرى أن يجمع المريض بين الصلاتين ) ، وقال الليث : يجمع المريض والمبطون .

وقال أبو حنيفة : يجمع المريض بين الصلاتين كجمع المسافر عنده على ما قدمنا ذكره في هذا الباب قبل هذا عنه ، يصلي الظهر في آخر وقتها ، والعصر في أول وقتها ، لا يجوز له ولا للمسافر عنده وعند أصحابه غير هذا ، وأما في المطر فلا يجمع عندهم على حال .

[ ص: 219 ] ومن حجتهم ما حدثناه محمد بن إبراهيم قال : حدثنا أحمد بن مطرف قال : حدثنا سعيد بن عثمان قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قال عمرو : قلت يا أبا الشعثاء ، أظنه أخر الظهر وعجل العصر , وأخر المغرب وعجل العشاء . قال : أنا أظن ذلك . رواه قتيبة بن سعيد عن ابن عيينة بإسناده مثله ، فأقحم في الحديث قول أبي الشعثاء وعمرو بن دينار .

أخبرنا عبد الله بن محمد قال : أخبرنا حمزة بن محمد قال : حدثنا أحمد بن شعيب قال : حدثنا قتيبة قال : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ، أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء .

قال أبو عمر : الصحيح في حديث ابن عيينة هذا , غير ما قال قتيبة حين جعل التأخير والتعجيل في الحديث ، وإنما هو ظن عمرو وأبي الشعثاء . حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان [ ص: 220 ] قال : حدثنا عمرو بن دينار قال : أخبرني جابر بن زيد قال : سمعت ابن عباس يقول : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قلت له : يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء ؟ قال : وأنا أظن ذلك .

قال أبو عمر : هذا جمع مباح في الحضر والسفر إذا صلى الأولى في آخر وقتها وصلى الثانية في أول وقتها ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صلى به جبريل - عليه السلام - ، وصلى هو بالناس في المدينة عند سؤال السائل عن وقت الصلاة ، فصلى في آخر وقت الصلاة بعد أن صلى في أوله ، وقال للسائل : ما بين هذين وقت .

وعلى هذا تصح رواية من روى : لئلا يحرج أمته ، ورواية من روى للرخصة ، وهذا جمع جائز في الحضر وغير الحضر ، وإن كانت الصلاة في أول وقتها أفضل ، وهو الصحيح في معنى حديث ابن عباس لم يتأول فيه المطر ، وتأول ما قال أبو الشعثاء وعمرو بن دينار ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث