الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة صوم المعتكف

جزء التالي صفحة
السابق

625 - مسألة : وليس الصوم من شروط الاعتكاف ، لكن إن شاء المعتكف صام وإن شاء لم يصم .

و اعتكاف : يوم الفطر ويوم الأضحى ، وأيام التشريق : حسن .

وكذلك اعتكاف : ليلة بلا يوم ، ويوم بلا ليلة .

وهو قول الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبي سليمان . [ ص: 414 ]

وهو قول طائفة من السلف - : روينا من طريق سعيد بن منصور : نا عبد العزيز بن محمد هو الدراوردي - عن أبي سهيل بن مالك قال : كان على امرأة من أهلي اعتكاف ، فسألت عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها . فقال الزهري : لا اعتكاف إلا بصوم . فقال له عمر : عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، قال : فعن أبي بكر ؟ قال : لا ، قال : فعن عمر ؟ قال : لا ، قال : فأظنه قال : فعن عثمان ؟ قال : لا . قال أبو سهيل : لقيت طاوسا ، وعطاء ، فسألتهما ؟ فقال طاوس : كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها ، وقال عطاء : ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها

وبه إلى سعيد : نا حبان بن علي نا ليث عن الحكم عن مقسم : أن عليا ، وابن مسعود قالا جميعا : المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشترط ذلك على نفسه ؟

واختلف في ذلك عن ابن عباس ، كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن عمر محمد القلعي نا محمد بن أحمد الصواف نا بشر بن موسى بن صالح بن عميرة نا أبو بكر الحميدي نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي نا أبو سهيل بن مالك قال : اجتمعت أنا وابن شهاب عند عمر بن عبد العزيز ، وكان على امرأتي اعتكاف ثلاث في المسجد الحرام . فقال ابن شهاب : لا يكون اعتكاف إلا بصوم . فقال له عمر بن عبد العزيز : أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا . قال : فمن أبي بكر ؟ قال : لا ، قال : فمن عمر ؟ قال : لا ، قال : فمن عثمان ؟ قال : لا . قال أبو سهيل : فانصرفت فلقيت طاوسا ، وعطاء ، فسألتهما عن ذلك . فقال طاوس : كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صياما إلا أن يجعله على نفسه . قال عطاء : ذلك رأيي ؟

[ ص: 415 ] ومن طريق وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي قال : المعتكف إن شاء لم يصم

ومن طريق ابن أبي شيبة : نا عبدة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال : ليس على المعتكف صوم لا أن يوجب ذلك على نفسه ؟

وقال أبو حنيفة ، وسفيان ، والحسن بن حي ، ومالك ، والليث : لا اعتكاف إلا بصوم .

وصح عن عروة بن الزبير ، والزهري وقد اختلف فيه عن طاوس وعن ابن عباس ، وصح عنهما كلا الأمرين ؟

كتب إلى داود بن بابشاذ بن داود المصري قال : نا عبد الغني بن سعيد الحافظ نا هشام بن محمد بن قرة الرعيني نا أبو جعفر الطحاوي نا الربيع بن سليمان المؤذن نا ابن وهب عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ، وابن عمر قالا جميعا : لا اعتكاف إلا بصوم

وروي عن عائشة : لا اعتكاف إلا بصوم ؟

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة أم المؤمنين قالت : من اعتكف فعليه الصوم .

قال أبو محمد : شغب من قلد القائلين بأنه لا اعتكاف إلا بصوم بأن قالوا : قال الله تعالى : { فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } .

قالوا : فذكر الله تعالى الاعتكاف إثر ذكره للصوم ، فوجب أن لا يكون الاعتكاف إلا بصوم ؟

قال أبو محمد : ما سمع بأقبح من هذا التحريف لكلام الله تعالى ، والإقحام فيه ما ليس فيه وما علم قط ذو تمييز : أن ذكر الله تعالى شريعة إثر ذكره أخرى موجبة عقد إحداهما بالأخرى . [ ص: 416 ]

ولا فرق بين هذا القول وبين من قال : بل لما ذكر الصوم ثم الاعتكاف : وجب أن لا يجزئ صوم إلا باعتكاف ؟

فإن قالوا : لم يقل هذا أحد قلنا : فقد أقررتم بصحة الإجماع على بطلان حجتكم ، وعلى أن ذكر شريعة مع ذكر أخرى لا يوجب أن لا تصح إحداهما إلا بالأخرى .

وأيضا : فإن خصومنا مجمعون على أن المعتكف : هو بالليل معتكف كما هو بالنهار ، وهو بالليل غير صائم .

فلو صح لهم هذا الاستدلال لوجب أن لا يجزئ الاعتكاف إلا بالنهار الذي لا يكون الصوم إلا فيه - فبطل تمويههم بإيراد هذه الآية ، حيث ليس فيها شيء مما موهوا به ، لا بنص ولا بدليل وذكروا ما روينا من طريق أبي داود قال : نا أحمد بن إبراهيم نا أبو داود هو الطيالسي - نا عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال : { إن عمر جعل عليه في الجاهلية أن يعتكف ليلة أو يوما عند الكعبة ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اعتكف وصم } .

قال أبو محمد : هذا خبر لا يصح ، لأن عبد الله بن بديل مجهول ولا يعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار أصلا ، وما نعرف لعمرو بن دينار عن ابن عمر حديثا مسندا إلا ثلاثة ، ليس ، هذا منها - : أحدها : في العمرة { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } . والثاني : في صفة الحج . والثالث : { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله } . [ ص: 417 ] فسقط عنا هذا الخبر ، لبطلان سنده ؟

ثم الطامة الكبرى احتجاجهم به في إيجاب الصوم في الاعتكاف ومخالفتهم إياه في إيجاب الوفاء بما نذره المرء في الجاهلية ، فهذه عظيمة لا يرضى بها ذو دين

فإن قالوا : معنى قوله " في الجاهلية " أي أيام ظهور الجاهلية بعد إسلامه ؟ قلنا لمن قال هذا : إن كنت تقول هذا قاطعا به فأنت أحد الكذابين ، لقطعك بما لا دليل لك عليه ، ولا وجدت قط في شيء من الأخبار ، وإن كنت تقوله ظنا ، فإن الحقائق لا تترك بالظنون .

وقد قال الله تعالى : { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث } . فكيف وقد صح كذب هذا القول ، كما روينا من طريق ابن أبي شيبة : نا حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال { نذرت نذرا في الجاهلية فسألت النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أسلمت ، فأمرني أن أوفي بنذري } .

وهذا في غاية الصحة ، لا كحديث عبد الله بن بديل الذاهب في الرياح ؟ فهل سمع بأعجب من هؤلاء القوم لا يزالون يأتون بالخبر يحتجون به على من لا يصححه فيما وافق تقليدهم ، وهم أول مخالفين لذلك الخبر نفسه فيما خالف تقليدهم - : فكيف يصعد مع هذا عمل ؟ ونعوذ بالله من الضلال ، فعاد خبرهم حجة عليهم لا علينا ، ولو صح ، ورأيناه حجة لقلنا : به

وموهوا بأن هذا روي عن أم المؤمنين ، وابن عباس وابن عمر . قالوا : ومثل هذا لا يقال بالرأي .

فقلنا : أما ابن عباس فقد اختلف عنه في ذلك ، فصح عنه مثل قولنا .

وقد روينا عنه من طريق : عبد الرزاق أنا ابن عيينة عن عبد الكريم بن أبي أمية سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقول : إن أمنا ماتت وعليها اعتكاف ، فسألت [ ص: 418 ] ابن عباس ؟ فقال : اعتكف عنها وصم

فمن أين صار ابن عباس حجة في إيجاب الصوم على المعتكف - وقد صح عنه خلاف ذلك - . ولم يصر حجة في إيجابه على الولي قضاء الاعتكاف عن الميت ؟

وهلا قلتم هاهنا : مثل هذا لا يقال : بالرأي وعهدناهم يقولون : لو كان هذا عند فلان صحيحا ما تركه . أو يقولون : لم يترك ما عنده من ذلك إلا لما هو أصح عنده ؟

وقد ذكرنا عن عطاء آنفا أنه لم ير الصوم على المعتكف ، وسمع طاوسا يذكر ذلك عن ابن عباس فلم ينكر ذلك عليه .

فهلا قالوا : لم يترك عطاء ما روي عن ابن عباس ، وابن عمر إلا لما هو عنده أقوى منه ، ولكن القوم متلاعبون

وأما أم المؤمنين فقد روينا عنها من طريق أبي داود - : نا وهب بن بقية أنا خالد عن عبد الرحمن يعني ابن إسحاق - عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين أنها " قالت : السنة على المعتكف لا يعود مريضا ، ولا يشهد جنازة ، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ولا اعتكاف إلا بصوم ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع ؟

فمن أين صار قولها في إيجاب الاعتكاف حجة ، ولم يصر قولها " لا اعتكاف إلا في مسجد جامع " حجة وروينا عنها عن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج ، ومعمر - : قال ابن جريج : أخبرني عطاء : أن عائشة نذرت جوارا في جود ثبير مما يلي منى . [ ص: 419 ] وقال معمر عن أيوب السختياني عن ابن أبي مليكة قال : اعتكفت عائشة أم المؤمنين بين حراء ، وثبير ، فكنا نأتيها هنالك .

فخالفوا عائشة في هذا أيضا ، وهذا عجب وأما ابن عمر فحدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح : أن ابن عمر كان إذا اعتكف ضرب فسطاطا ، أو خباء يقضي فيه حاجته ، ولا يظله سقف بيت ؟

فكان ابن عمر حجة فيما روي عنه : أنه لا اعتكاف إلا بصوم ، ولم يكن حجة في أنه كان إذا اعتكف لا يظله سقف بيت ؟

فصح أن القوم إنما يموهون بذكر من يحتج به من الصحابة إيهاما ; لأنهم لا مؤنة عليهم من خلافهم فيما لم يوافق من أقوالهم رأي أبي حنيفة ، ومالك وأنهم لا يرون أقوال الصحابة حجة إلا إذا وافقت رأي أبي حنيفة ، ومالك فقط ، وفي هذا ما فيه .

فبطل قولهم ، لتعريه من البرهان ومن عجائب الدنيا ، ومن الهوس قولهم : لما كان الاعتكاف لبثا في موضع : أشبه الوقوف بعرفة ، والوقوف بعرفة لا يصح إلا محرما ، فوجب أن لا يصح الاعتكاف إلا بمعنى آخر ، وهو الصوم .

فقيل لهم : لما كان اللبث بعرفة لا يقتضي وجوب الصوم وجب أن يكون الاعتكاف لا يقتضي وجوب الصوم ؟ قال أبو محمد : من البرهان على صحة قولنا اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فلا يخلو صومه من أن يكون لرمضان خالصا - وكذلك هو - فحصل الاعتكاف مجردا عن صوم يكون من شرطه ، وإذا لم يحتج الاعتكاف إلى صوم ينوي به الاعتكاف فقد بطل أن يكون الصوم من شروط الاعتكاف وصح أنه جائز بلا صوم ، وهذا برهان ما قدروا على [ ص: 420 ] اعتراضه إلا بوساوس لا تعقل .

ولو قالوا : إنه عليه السلام صام للاعتكاف لا لرمضان ، أو لرمضان ، والاعتكاف - لم يبعدوا عن الانسلاخ من الإسلام وأيضا : فإن الاعتكاف هو بالليل كهو بالنهار ، ولا صوم بالليل ، فصح أن الاعتكاف لا يحتاج إلى صوم .

فقال مهلكوهم ههنا : إنما كان الاعتكاف بالليل تبعا للنهار ؟ فقلنا : كذبتم ولا فرق بين هذا القول وبين من قال : بل إنما كان بالنهار تبعا لليل ، وكلا القولين فاسد .

فقالوا : إنما قلنا : إن الاعتكاف يقتضي أن يكون في حال صوم . فقلنا : كذبتم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى } فلما كان الاعتكاف عندنا وعندكم لا يقتضي أن يكون معه صوم ينوي به الاعتكاف صح ضرورة أن الاعتكاف ليس من شروطه ، ولا من صفاته ، ولا من حكمه أن يكون معه صوم ، وقد جاء نص صحيح بقولنا ؟

كأن روينا من طريق أبي داود : نا عثمان بن أبي شيبة نا أبو معاوية ويعلى بن عبيد كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه ، قالت : وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ، قالت : فأمر ببنائه فضرب فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب ، وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائهن فضرب ، فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية ، فقال : ما هذا ؟ آلبر تردن ؟ فأمر ببنائه فقوض ، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضن ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول ، يعني من شوال }

قال أبو محمد : فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتكف العشر الأول من شوال وفيها يوم [ ص: 421 ] الفطر ، ولا صوم فيه

ومالك يقول : لا يخرج المعتكف في العشر الأواخر من رمضان من اعتكافه إلا حتى ينهض إلى المصلى .

فنسألهم : أمعتكف هو ما لم ينهض إلى المصلى ، أم غير معتكف ؟ فإن قالوا : هو معتكف ، تناقضوا ، وأجازوا الاعتكاف بلا صوم برهة من يوم الفطر .

وإن قالوا : ليس معتكفا قلنا : فلم منعتموه الخروج إذن ؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث