الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ومن باب الإشارة في بعض ما تقدم من الآيات: وما كان لمؤمن أي: وما ينبغي لمؤمن من الروح أن يقتل مؤمنا وهو مؤمن القلب، إلا أن يكون قتلا خطأ، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب الصفات البشرية، فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع تجليها على القلب فخر صعقا من ذلك التجلي، ودك جبل النفس دكا، فكان قتله خطأ؛ لأنه لم يكن مقصودا ومن قتل قلبا مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة السر الروحاني، وتحريرها إخراجها عن رق المخلوقات ودية مسلمة إلى أهله تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية، فيكون لكل منهما من حظ الأخلاق الربانية إلا أن يصدقوا وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى فإن كان المقتول بالتجلي من قوم عدو لكم بأن كان من قوى النفس الأمارة وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة القلب، فيطلقه من وثاق رق حب الدنيا والميل إليها، ولا دية في هذه الصورة لأهل القتيل وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق بأن كان من قوى النفس القابلة للأحكام الشرعية ظاهرا والمهادنة للقلب فدية مسلمة واجبة على عاقلة الرحمة إلى أهله أي: أهل تلك النفس من الصفات الأخر وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح، وتحريرها إفناؤها وإطلاقها عن سائر القيود فمن لم يجد رقبة كذلك بأن كانت روحه محررة قبل فصيام شهرين متتابعين أي: فعليه الإمساك عن العاديات وترك المألوفات ستين يوما، وهي مقدار مدة الميقات الموسوي ونصفها رجاء أن يحصل له البقاء بعد الفناء ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم إشارة إلى أن النفس إذا قتلت القلب واستولت عليه بقيت معذبة بنيران الطبيعة، مبعدة عن الرحمة، مظهرا لغضب الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله لإرشاد عباده فتبينوا حال المريد في الرد والقبول ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست [ ص: 130 ] مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا أي: لا تنفروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه، فتقولوا له: لست مؤمنا صادقا لتعلق قلبك بالدنيا، فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك، وتصلح لسلوك الطريق فعند الله مغانم كثيرة للسالكين إليه، فإذا حظى بها السالك ترك لها ما في يده من الدنيا، وأعرض قلبه عن ذلك كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا أي: مثل هذا المريد كنتم أنتم في مبادئ طلبكم وتسليم أنفسكم للمشايخ، حيث كان لكم تعلق بالدنيا فمن الله عليكم بعد السلوك بتلك المغانم الكثيرة التي عنده فأنساكم جميع ما في أيديكم، وفطم قلوبكم عن الدنيا بأسرها، فقيسوا حال من يسلم نفسه إليكم بحالكم لتعلموا أن الله سبحانه بمقتضى ما عود المتوجهين إليه الطالبين له سيمن على هؤلاء بما من به عليكم، ويخرج حب الدنيا من قلوبهم بأحسن وجه كما أخرجه من قلوبكم.

والحاصل أنه لا ينبغي أن يقال لمن أراد التوجه إلى الحق - جل وعلا - من أرباب الدنيا في مبادئ الأمر: اترك دنياك واسلك؛ لأن ذلك مما ينفره ويسد باب التوجه عليه لشدة ترك المحبوب دفعة واحدة، ولكن يؤمر بالسلوك ويكلف من الأعمال ما يخرج ذلك عن قلبه لكن على سبيل التدريج إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم يمنعها عن حقوقها التي اقتضتها استعداداتهم من الكلمات المودعة فيها قالوا فيم كنتم حيث قعدتم عن السعي وفرطتم في جنب الله تعالى وقصرتم عن بلوغ الكمال الذي ندبتم إليه قالوا كنا مستضعفين في الأرض أي: أرض الاستعداد باستيلاء قوى النفس الأمارة، وغلبة سلطان الهوى، وشيطان الوهم، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أي: ألم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من مبدأ فطرتكم إلى نهاية كمالكم، وذلك مجال واسع، فلو تحركتم وسرتم بنور فطرتكم خطوات يسيرة بحيث ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر القوى، وتخلصتم عن قيود الهوى، وخرجتم عن القرية الظالم أهلها التي هي مكة النفس الأمارة إلى البلدة الطيبة التي هي مدينة القلب، وإنما نسب سبحانه وتعالى هنا التوفي إلى الملائكة لأن التوفي وهو استيفاء الروح من البدن بقبضها عنه على ثلاثة أوجه:

توفي الملائكة، وتوفي ملك الموت، وتوفي الله تعالى؛ فأما توفي الملائكة فهو لأرباب النفوس، وهم إما سعداء وإما أشقياء، وأما توفي ملك الموت فهو لأرباب القلوب الذين برزوا عن حجاب النفس إلى مقام القلب، وأما توفي الله تعالى فهو للموحدين، الذين عرج بهم عن مقام القلب إلى محل الشهود، فلم يبق بينهم وبين ربهم حجاب، فهو سبحانه يتولى قبض أرواحهم بنفسه، ويحشرهم إلى نفسه - عز وجل - ولما لم يكن الظالمين من أحد الصنفين الأخيرين نسب سبحانه توفيهم إلى الملائكة، وقيد ذلك بحال ظلمهم أنفسهم فأولئك مأواهم جهنم الطبيعة وساءت مصيرا لما أن نار البعد والحجاب بها موقدة إلا المستضعفين من الرجال وهم - كما قال بعض العارفين -: أقوياء الاستعداد، الذين قويت قواهم الشهوية والغضبية مع قوة استعدادهم، فلم يقدروا على قمعها في سلوك طريق الحق، ولم يذعنوا لقواهم الوهبية والخيالية، فيبطل استعدادهم بالعقائد الفاسدة في أسر قواهم البدنية مع تنور استعدادهم بنور العلم، وعجزهم عن السلوك برفع القيود والنساء أي: القاصرين الاستعداد عن درك الكمال العلمي وسلوك طريق التحقيق، الضعفاء القوى، قيل: وهم البله المذكورون في خبر: «أكثر أهل الجنة البله» والولدان أي: القاصرين عن بلوغ درجة الكمال لفترة تلحقهم من قبل صفات النفس لا يستطيعون حيلة لعدم قدرتهم وعجزهم عن كسر النفس، وقمع الهوى ولا يهتدون سبيلا لعدم علمهم بكيفية السلوك فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها وسلامة عقائدهم وكان الله عفوا عن [ ص: 131 ] الذنوب ما لم تتغير الفطرة غفورا يستر بنور صفائه صفات النفوس القابلة لذلك ومن يهاجر في سبيل الله عن مقار النفس المألوفة يجد في الأرض أي: أرض استعداده مراغما كثيرا أي: منازلا كثيرة، يرغم فيها أنوف قوى نفسه وسعة أي: انشراحا في الصدر، لسبب الخلاص من مضايق صفات النفس وأسر الهوى ومن يخرج من بيته أي: مقامه الذي هو فيه مهاجرا إلى الله بالتوجه إلى توحيد الذات ورسوله بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات ثم يدركه الموت أي: الانقطاع، فقد وقع أجره على الله حسبما توجه إليه وكان الله غفورا رحيما فيستر بصفاته صفات من توجه إليه، ويرحم من انقطع دون الوصول بما هو أهله والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث