الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الفرق الإيماني الذي يتعلق بمسائل القضاء والقدر

فصل

وأما الفرق الإيماني الذي يتعلق بمسائل القضاء والقدر : فهو التمييز الإيماني بين فعل الحق سبحانه وأفعال العباد ، فيؤمن بأن الله وحده خالق كل شيء ، وليس في الكون إلا ما هو واقع بمشيئته وقدرته وخلقه ، ومع ذلك يؤمن بأن العبد فاعل لأفعاله حقيقة ، وهي صادرة عن قدرته ومشيئته ، قائمة به ، وهو فاعل لها على الحقيقة ، فيشهد [ ص: 470 ] تفرد الرب سبحانه بالخلق والتقدير ، ووقوع أفعال العباد منهم بقدرتهم ومشيئتهم ، والله الخالق لذلك كله .

وهنا انقسم أصحاب هذا الفرق ثلاثة أقسام : قسم غابوا بأفعالهم وحركاتهم عن فعل الرب تعالى وقضائه ، مع إيمانهم به ، وقسم غابوا بفعل الرب وتفرده بالحكم والمشيئة عن أفعالهم وحركاتهم ، وقسم أعطوا المراتب حقها ، فآمنوا بفعل الرب وقدرته ومشيئته وتفرده بالحكم والقضاء ، وشهدوا وقوع الأفعال من فاعليها ، واستحقاقهم عليها المدح والذم والثواب والعقاب .

فالفريق الأول : يغلب عليهم الفرق الطبيعي ، ولم يصعدوا إلى مشاهدة الحكم .

والفريق الثاني : يغلب عليهم حال الجمع وهو شهود قدر الرب تعالى ومشيئته وتدبيره لخلقه ، فتجتمع قلوبهم على شهود أفعاله ، بعد أن كانت متفرقة في رؤية أفعال الخلق ، وتغيب بفعله عن أفعالهم ، وربما غلب عليها شهود ذلك حتى أسقطت عنهم المدح والذم بالكلية ، فكلاهما منحرف في شهوده .

والفريق الثالث : يشهد الحكم والتدبير العام لكل موجود ، ويشهد أفعال العباد ووقوعها بإرادتهم ودواعيهم ، فيكون صاحب جمع وفرق ، فيجمع الأشياء في الحكم الكوني القدري ، ويفرق بينها بالحكم الكوني أيضا ، كما فرق الله بينها بالحكم الديني الشرعي ، فإن الله سبحانه فرق بينها خلقا وأمرا وقدرا وشرعا ، وكونا ، ودينا .

فالشهود الصحيح المطابق أن يشهدها كذلك ، فيكون صاحب جمع في فرق ، وفرق في جمع ، جمع بينها في الخلق والتكوين ، وشمول المشيئة لها وفرق بينها بالأمر والنهي ، والحب والبغض ، فشهدها وهي منقسمة إلى مأمور ومحظور ، ومحبوب ، ومكروه ، كما فرق خالقها بينها ، ويشهد الفرق بينها أيضا قدرا ، فإنه كما فرق بينها أمره ، فرق بينها قدره ، فقدر المحبوب محبوبا ، والمسخوط مسخوطا ، والخير على ما هو عليه ، والشر على ما هو عليه ، فافترقت في قدره كما افترقت في شرعه ، فجمعتها مشيئته وقدره ، وفرقت بينها مشيئته وقدره ، فشاء سبحانه كلا منها أن يكون على ما هو عليه ، ذاتا وقدرا وصفة ، وأن يكون محبوبا أو مسخوطا ، وأشهدها أهل البصائر من خلقه ، كما هي عليه .

فهؤلاء أصح الناس شهودا ، بخلاف من شهد المخلوق قديما ، والوجود المخلوق هو عين وجود الخالق ، والمأمور والمحظور سواء ، والمقدور كله محبوبا مرضيا له ، أو أن بعض الحادثات خارج عن مشيئته وخلقه وتكوينه ، أو أن أفعال عباده [ ص: 471 ] خارجة عن إرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم ، وليسوا هم الفاعلين لها ، فإن هذا الشهود كله عمى ، وأصحابه قد جمعوا بين ما فرق الله بينه ، وفرقوا بين ما جمع الله بينه ، ولم يهتدوا إلى الشهود الصحيح ، الذي يميز به صاحبه بين وجود الخالق ووجود المخلوق وبين المأمور ، والمحظور ، وبين فعل الرب ، وفعل العبد ، وبين ما يحبه ويبغضه .

وصاحب هذا الشهود : لا يغيب بأفعال العباد عن فعل الرب وقضائه وقدره ، ولا يغيب بقضائه وقدره عن أمره ونهيه ومحبته لبعضها وكراهته لبعضها ، ولا يغيب بوجود الخالق عن وجود المخلوق ، ولا برؤية الخلق عن ملاحظة الخالق ، بل يضع الأمور مواضعها ، فيشهد القدر العام السابق الذي لا خروج لمخلوق عنه ، كما لا خروج له عن أن يكون مربوبا فقيرا بذاته ، ويذم العباد ويمدحهم بما حركهم به القدر من المعاصي والطاعات ، بخلاف صاحب الجمع بلا فرق ، فإنه ربما عذر أصحاب الشرك والمعاصي ، لاستيلاء شهود الجمع على قلبه ، ويقول : العارف لا ينكر منكرا ، لاستبصاره بسر الله في القدر ، فشهوده من الخلق موافقتهم لما شاء الله منهم .

فالشاهد المبصر المتمكن يشهد القيومية والقدر السابق الشامل المحيط ، ويشهد اكتساب العباد وما جرى به عليهم القدر من الطاعات والمعاصي ، ويشهد حكمة الرب تعالى وأمره ونهيه وحبه وكراهيته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث