الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الجمع الصحيح هو جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية

فصل

إذا عرفت هذه المقدمات : فالجمع الصحيح - الذي عليه أهل الاستقامة - هو جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية ، فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه ، يدبر أمر عباده وحده ، فلا خالق ولا رازق ، ولا معطي ولا مانع ، ولا مميت ولا محيي ، ولا مدبر لأمر المملكة - ظاهرا وباطنا - غيره ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ، ولا يجري حادث إلا بمشيئته ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ، ولا يغرب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه ، وأحاطت بها قدرته ، ونفذت بها مشيئته ، واقتضتها حكمته ، فهذا جمع توحيد الربوبية .

وأما جمع توحيد الإلهية ، فهو : أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله ، وإرادته ، وحركاته على أداء حقه تعالى ، والقيام بعبوديته سبحانه ، فتجتمع شئون إرادته على مراده الديني الشرعي .

وهذان الجمعان : هما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين فإن العبد يشهد من [ ص: 472 ] قوله " إياك " الذات الجامعة لجميع صفات الكمال ، التي لها كل الأسماء الحسنى ، ثم يشهد من قوله " نعبد " جميع أنواع العبادة ظاهرا وباطنا ، قصدا وقولا وعملا وحالا واستقبالا ، ثم يشهد من قوله " وإياك نستعين " جميع أنواع الاستعانة ، والتوكل والتفويض ، فيشهد منه جمع الربوبية ، ويشهد من " إياك نعبد " جمع الإلهية ، ويشهد من " إياك " الذات الجامعة لكل الأسماء الحسنى والصفات العلى .

ثم يشهد من " اهدنا " عشر مراتب ، إذا اجتمعت حصلت له الهداية .

المرتبة الأولى : هداية العلم والبيان ، فيجعله عالما بالحق مدركا له .

الثانية : أن يقدره عليه ، وإلا فهو غير قادر بنفسه .

الثالثة : أن يجعله مريدا له .

الرابعة : أن يجعله فاعلا له .

الخامسة : أن يثبته على ذلك ، ويستمر به عليه .

السادسة : أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له .

السابعة : أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة ، أخص من الأولى ، فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالا ، وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلا .

الثامنة : أن يشهده المقصود في الطريق ، وينبهه عليه ، فيكون مطالعا له في سيره ، ملتفتا إليه ، غير محتجب بالوسيلة عنه .

التاسعة : أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة .

العاشرة : أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها ، وهما طريق أهل الغضب ، الذين عدلوا عن اتباع الحق قصدا وعنادا ، وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها جهلا وضلالا ، ثم يشهد جمع الصراط المستقيم في طريق واحد عليه جميع أنبياء الله ورسله ، وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين .

فهذا هو الجمع الذي عليه رسل الله وأتباعهم ، فمن حصل له هذا الجمع ، فقد الصراط المستقيم ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث