الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أن رسول الله وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه

جزء التالي صفحة
السابق

244 - الحديث الخامس : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع . فجعلوا يسألونه . فقال : رجل لم أشعر ، فحلقت قبل أن أذبح ؟ قال . اذبح ولا حرج . وجاء آخر ، فقال : لم أشعر ، فنحرت قبل أن أرمي ؟ قال : ارم ولا حرج . فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : افعل ولا حرج } .

التالي السابق


" الشعور " العلم . وأصله : من المشاعر . وهي الحواس . فكأنه يستند إلى الحواس ، و " النحر " ما يكون في اللبة ، و " الذبح " ما يكون في الحلق . والوظائف يوم النحر أربعة : الرمي . ثم نحر الهدي أو ذبحه . ثم الحلق أو التقصير . ثم طواف الإفاضة . هذا هو الترتيب المشروع فيها . ولم يختلفوا في طلبية هذا الترتيب ، وجوازه على هذا الوجه ، إلا أن ابن الجهم - من المالكية - يرى أن القارن لا يجوز له الحلق قبل الطواف وكأنه رأى أن القارن عمرته وحجته قد تداخلا . فالعمرة قائمة في حقه . والعمرة لا يجوز فيها الحلق قبل الطواف . وقد يشهد لهذا : قوله عليه السلام في القارن " حتى يحل منهما جميعا " فإنه يقتضي [ ص: 476 ] أن الإحلال منهما يكون في وقت واحد . فإذا حلق قبل الطواف : فالعمرة قائمة بهذا الحديث . فيقع الحلق فيهما قبل الطواف ، وفي هذا الاستشهاد نظر . ورد عليه بعض المتأخرين بنصوص الأحاديث والإجماع المتقدم عليه . وكأنه يريد بنصوص الأحاديث : ما ثبت عنده " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا في آخر الأمر " وأنه حلق قبل الطواف . وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي ، لا نصي عند الجمهور ، أو كثير ، أعني : كونه عليه السلام قارنا . وابن الجهم بنى على مذهب مالك والشافعي ، ومن قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا وأما الإجماع : فبعيد الثبوت ، إن أراد به الإجماع النقلي القولي . وإن أراد السكوتي : ففيه نظر . وقد ينازع فيه أيضا .

وإذا ثبت أن الوظائف أربع في هذا اليوم ، فقد اختلفوا فيما لو تقدم بعضها على بعض . فاختار الشافعي جواز التقديم : وجعل الترتيب مستحبا ، ومالك وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق على الرمي ; لأنه حينئذ يكون حلقا قبل وجود التحللين . وللشافعي قول مثله . وقد بني القولان له على أن الحلق نسك ، أو استباحة محظور . فإن قلنا : إنه نسك ، جاز تقديمه على الرمي ; لأنه يكون من أسباب التحلل . وإن قلنا : إنه استباحة محظور : لم يجز ، لما ذكرناه من وقوع الحلق قبل التحللين . وفي هذا البناء نظر ; لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكا أن يكون من أسباب التحلل . ومالك يرى أن الحلق نسك . ويرى - مع ذلك - أنه لا يقدم على الرمي . إذ معنى كون الشيء نسكا : أنه مطلوب ، مثاب عليه . ولا يلزم من ذلك : أن يكون سببا للتحلل ونقل عن أحمد : أنه إن قدم بعض هذه الأشياء على بعض ، فلا شيء عليه ، إن كان جاهلا . وإن كان عالما : ففي وجوب الدم روايتان . وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي ، دون العامد : قوي ، من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج ، بقوله خذوا عني مناسككم " وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه : إنما قرنت بقول السائل " لم أشعر " فيخصص الحكم بهذه الحالة . وتبقى حالة العمد على أصل [ ص: 477 ] وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج . ومن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان ، عند تقدم الحلق على الرمي : فإنه يحمل قوله عليه السلام " لا حرج " على نفي الإثم في التقديم مع النسيان ولا يلزم من نفي الإثم نفي وجوب الدم .

وادعى بعض الشارحين : أن قوله عليه السلام " لا حرج " ظاهر في أنه لا شيء عليه . وعنى بذلك نفي الإثم والدم معا . وفيما ادعاه من الظهور نظر . وقد ينازعه خصومه فيه ، بالنسبة إلى الاستعمال العرفي . فإنه قد استعمل " لا حرج " كثيرا في نفي الإثم ، وإن كان من حيث الوضع اللغوي يقتضي نفي الضيق . قال الله تعالى { ما جعل عليكم في الدين من حرج } .

وهذا البحث كله إنما يحتاج إليه بالنسبة إلى الرواية التي جاء فيها السؤال عن تقديم الحلق على الرمي . وأما على الرواية التي ذكرها المصنف : فلا تعم من أوجب الدم ، وحمل نفي الحرج على نفي الإثم ، فيشكل عليه تأخير بيان وجوب الدم . فإن الحاجة تدعو إلى تبيان هذا الحكم . فلا يؤخر عنها بيانه . ويمكن أن يقال : إن ترك ذكره في الرواية لا يلزم منه ترك ذكره في نفس الأمر . وأما من أسقط الدم ، وجعل ذلك مخصوصا بحالة عدم الشعور : فإنه يحمل " لا حرج " على نفي الإثم والدم معا . فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة . ويبنى أيضا على القاعدة : في أن الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز اطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه به . ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة . والحكم علق به . فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به . إذ لا يساويه . فإن تمسك بقول الراوي " فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : افعل ، ولا حرج " فإنه قد يشعر بأن الترتيب مطلقا غير مراعى في الوجوب . فجوابه : أن الراوي لم يحك لفظا عاما عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقتضي جواز التقديم والتأخير مطلقا . وإنما أخبر عن قوله عليه الصلاة والسلام " لا حرج " بالنسبة إلى كل ما سئل عنه من التقديم والتأخير حينئذ . وهذا الإخبار من الراوي : إنما تعلق بما وقع السؤال عنه . وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال ، وكونه وقع عن العمد أو عدمه ، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه . فلا يبقى حجة في [ ص: 478 ] حال العمد . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث