الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا أطلق ظلم النفس تناول جميع الذنوب

وأما " الظلم المقيد " فقد يختص بظلم الإنسان نفسه وظلم الناس بعضهم بعضا كقول آدم عليه السلام وحواء : { ربنا ظلمنا أنفسنا } . وقول موسى : { رب إني ظلمت نفسي } . وقوله تعالى { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } . لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع لا عموم فيه وذلك قد عرف ولله الحمد أنه ليس كفرا . وأما قوله : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } فهو نكرة في سياق الشرط يعم كل ما فيه ظلم الإنسان نفسه ; وهو إذا أشرك ثم تاب تاب الله عليه . وقد تقدم أن ظلم الإنسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الإطلاق وقال تعالى { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } . فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره ; فلا يدخل فيه الشرك الأكبر . وفي " الصحيحين " { عن ابن مسعود أنه لما أنزلت هذه الآية : { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على أصحاب النبي [ ص: 80 ] صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو الشرك ; ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح : { إن الشرك لظلم عظيم } } . والذين شق ذلك عليهم ظنوا : أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه وأنه لا يكون الأمن والاهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه ; فشق ذلك عليهم فبين النبي صلى الله عليه وسلم لهم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله تعالى . وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم ; ومن لم يلبس إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء . كما كان من أهل الاصطفاء في قوله : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } إلى قوله { جنات عدن يدخلونها } . وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلم نفسه إذا لم يتب كما قال تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . وقال تعالى : { من يعمل سوءا يجز به } . وقد { سأل أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا ؟ فقال : يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء ؟ فذلك ما تجزون به } فبين أن المؤمن الذي إذا تاب دخل الجنة قد يجزى بسيئاته في الدنيا بالمصائب التي تصيبه كما في " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة [ ص: 81 ] على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة } .

وفي " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه } وفي حديث { سعد بن أبي وقاص قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ; يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة ; خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة } رواه أحمد والترمذي وغيرهما . وقال : { المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها } والأحاديث في هذا الباب كثيرة . فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة ; كان له الأمن التام والاهتداء التام . ومن لم يسلم من ظلمه نفسه ; كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه . وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { إنما هو الشرك } أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام . فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم ; بل معهم أصل الاهتداء إلى [ ص: 82 ] هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة . وقول النبي صلى الله عليه وسلم { إنما هو الشرك } إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد إلى ذلك . وإن كان مراده جنس الشرك ; فيقال : ظلم العبد نفسه كبخله - لحب المال - ببعض الواجب هو شرك أصغر ، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك . فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث