الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                ثم هؤلاء يقولون : تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ فإذا دل اللفظ بمجرده فهو حقيقة ، وإذا لم يدل إلا مع القرينة ; فهو مجاز وهذا أمر متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم . ثم يقال ( ثانيا ) : هذا التقسيم لا حقيقة له ; وليس لمن فرق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا وهذا فعلم أن هذا التقسيم باطل وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول بل يتكلم بلا علم ; فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل وذلك أنهم قالوا : " الحقيقة " : اللفظ المستعمل فيما وضع له . و " المجاز " : هو المستعمل في غير ما وضع له ; فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال وهذا يتعذر . ثم يقسمون الحقيقة إلى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث : لغوية وشرعية وعرفية . " فالحقيقة العرفية " : هي ما صار اللفظ دالا فيها على المعنى بالعرف لا باللغة وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوي وتارة أخص وتارة يكون مباينا له ، لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها . فالأول : مثل لفظ " الرقبة " و " الرأس " ونحوهما كان يستعمل في العضو المخصوص ثم صار يستعمل في جميع البدن . والثاني مثل لفظ " الدابة " ونحوها كان يستعمل في كل ما دب ثم صار [ ص: 97 ] يستعمل في عرف بعض الناس في ذوات الأربع وفي عرف بعض الناس في الفرس وفي عرف بعضهم في الحمار .

                والثالث مثل لفظ " الغائط " و " الظعينة " و " الراوية " و " المزادة " فإن الغائط في اللغة هو المكان المنخفض من الأرض ، فلما كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم سموا ما يخرج من الإنسان باسم محله ، والظعينة اسم الدابة ثم سموا المرأة التي تركبها باسمها ونظائر ذلك . و " المقصود " أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفي ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال ، ولهذا زاد من زاد منهم في حد الحقيقة في اللغة التي بها التخاطب ثم هم يعلمون ويقولون : إنه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ فيصير المعنى العرفي أشهر فيه ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية . واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث للعرفي وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع ، فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح . وإن قالوا : نعني بما وضع له ما استعملت فيه أولا ; فيقال : من أين يعلم أن هذه الألفاظ التي كانت العرب تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله لم تستعمل قبل ذلك في معنى شيء آخر . وإذا لم يعلموا هذا النفي ; فلا يعلم أنها حقيقة وهذا خلاف ما اتفقوا عليه . وأيضا فيلزم من هذا أن لا يقطع بشيء من الألفاظ أنه حقيقة وهذا لا يقوله عاقل . [ ص: 98 ] ثم هؤلاء الذين يقولون هذا ، نجد أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم أنها استعملت إلا مقيدة فينطق بها مجردة عن جميع القيود ثم يدعي أن ذلك هو حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ولا وضعت مجردة ، مثل أن يقول حقيقة العين هو العضو المبصر ثم سميت به عين الشمس والعين النابعة وعين الذهب ; للمشابهة . لكن أكثرهم يقولون : إن هذا من باب المشترك لا من باب الحقيقة والمجاز ; فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس .

                يقولون : هو حقيقة في رأس الإنسان . ثم قالوا : رأس الدرب لأوله ورأس العين لمنبعها ورأس القوم لسيدهم ورأس الأمر لأوله ورأس الشهر ورأس الحول وأمثال ذلك على طريق المجاز . وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا ; بل يجدون أنه استعمل بالقيود في رأس الإنسان . كقوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ونحوه وهذا القيد يمنع أن تدخل فيه تلك المعاني . فإذا قيل : رأس العين ورأس الدرب ورأس الناس ورأس الأمر ; فهذا المقيد غير ذاك المقيد الدال ، ومجموع اللفظ الدال هنا غير مجموع اللفظ الدال هناك ; لكن اشتركا في بعض اللفظ كاشتراك كل الأسماء المعرفة في لام التعريف ، ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس الإنسان أولا ; لأن الإنسان يتصور رأسه قبل غيره ، والتعبير أولا هو عما يتصور أولا ، فالنطق بهذا المضاف أولا لا يمنع أن ينطق به مضافا إلى غيره ثانيا ، ولا يكون هذا من المجاز كما في سائر المضافات فإذا قيل : ابن آدم أولا ; لم يكن قولنا : ابن [ ص: 99 ] الفرس وابن الحمار مجازا وكذلك إذا قيل : بنت الإنسان ; لم يكن قولنا : بنت الفرس مجازا . وكذلك إذا قيل : رأس الإنسان أولا لم يكن قولنا : رأس الفرس مجازا وكذلك في سائر المضافات إذا قيل : يده أو رجله . فإذا قيل : هو حقيقة فيما أضيف إلى الحيوان ; قيل : ليس جعل هذا هو الحقيقة بأولى من أن يجعل ما أضيف إلى الإنسان رأس ثم قد يضاف إلى ما لا يتصوره أكثر الناس من الحيوانات الصغار التي لم تخطر ببال عامة الناطقين باللغة . فإذا قيل : إنه حقيقة في هذا فلماذا لا يكون حقيقة في رأس الجبل والطريق والعين وكذلك سائر ما يضاف إلى الإنسان من أعضائه وأولاده ومساكنه ; يضاف مثله إلى غيره ويضاف ذلك إلى الجمادات ; فيقال : رأس الجبل ورأس العين وخطم الجبل أي أنفه وفم الوادي وبطن الوادي وظهر الجبل وبطن الأرض وظهرها ، ويستعمل مع الألف وهو لفظ الظاهر والباطن في أمور كثيرة والمعنى في الجميع أن الظاهر لما ظهر فتبين والباطن لما بطن فخفي . وسمي ظهر الإنسان ظهرا لظهوره وبطن الإنسان بطنا لبطونه . فإذا قيل : إن هذا حقيقة وذاك مجاز ; لم يكن هذا أولى من العكس .

                و " أيضا " من الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفردا كلفظ " الإنسان " ونحوه ثم قد يستعمل مقيدا بالإضافة كقولهم : إنسان العين وإبرة الذراع ونحو ذلك وبتقدير أن يكون في اللغة حقيقة ومجاز ; فقد ادعى بعضهم أن هذا من المجاز ; وهو غلط فإن المجاز : هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا وهنا لم يستعمل اللفظ ; بل ركب مع لفظ آخر فصار وضعا آخر بالإضافة . [ ص: 100 ] فلو استعمل مضافا في معنى ثم استعمل بتلك الإضافة في غيره كان مجازا بل إذا كان بعلبك وحضرموت ونحوهما مما يركب تركيب مزج بعد أن كان الأصل فيه الإضافة ; لا يقال : إنه مجاز . فما لم ينطق به إلا مضافا أولى أن لا يكون مجازا .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية