الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني أن رسول الله صلى عام الفتح ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد

جزء التالي صفحة
السابق

358 [ ص: 184 ] حديث ثان لموسى بن ميسرة .

مالك عن موسى بن ميسرة عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أن أم هانئ بنت أبي طالب أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عام الفتح ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد

التالي السابق


قال أبو عمر : أبو مرة هذا قيل اسمه يزيد ، ويقال : هو مولى أم هانئ ، والصحيح أنه مولى عقيل بن أبي طالب ، كما قال مالك عن أبي النضر ، وموسى بن ميسرة ، وأما أم هانئ فقد ذكرناها في الصحابة بما يغني عن ذكرها هاهنا ، وذكر بعض من ذهب مذهب العراقيين في أن صلاة النهار جائز أن تكون أربعا وستا وثمانيا وأكثر ، لا يسلم إلا في آخرهن أن حديث أم هانئ هذا في صلاته عليه السلام صلاة [ ص: 185 ] الضحى يشهد له ; لأنه ليس فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم في شيء منها إلا في آخرها . قال أبو عمر : وليس له فيما ذكر من ذلك حجة ; لأنه حديث مجمل يفسره غيره ، وقد روى علي الأزدي البارقي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : صلاة الليل ، والنهار مثنى مثنى وبه كان يفتي ابن عمر . ذكر مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول صلاة الليل ، والنهار مثنى مثنى ، ومثنى ومثنى يقتضي الجلوس ، والسلام في كل ركعتين ، ومما يدل على أن صلاة النهار ركعتين ركعتين كصلاة الليل سواء قوله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل الظهر ركعتين ، وبعده ركعتين ، وقبل الفجر ركعتين ، وأنه كان إذا قدم من سفر صلى ركعتين ، وعلى هذا القول جماعة فقهاء الحجاز ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، وبه قال أحمد بن حنبل ، واحتج بنحو ما ذكرنا ، وكان يحيى بن معين يخالف أحمد في حديث علي الأزدي ، ويضعفه ، ولا يحتج به ، ويذهب مذهب الكوفيين في هذه المسألة ، [ ص: 186 ] ويقول : إن نافعا ، وعبد الله بن دينار ، وجماعة رووا هذا الحديث عن ابن عمر لم يذكروا فيه والنهار . قال أبو عمر : مذهب أحمد مع أنه مذهب الحجازيين أولى ; لأن ابن عمر روى هذا الحديث ، وفهم مخرجه ، وكان يقول بأن صلاة الليل ، والنهار مثنى مثنى ، ولم يكن ابن عمر ليخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو فهم أن صلاة النهار بخلاف صلاة الليل في ذلك ، وبالله التوفيق ، وقد روى الليث عن عبد الله بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الصلاة مثنى مثنى ولم يخص ليلا من نهار ، ولكنه إسناد مضطرب ضعيف لا يحتج بمثله ( رواه شعبة على خلاف ما رواه الليث ، وقد ذكرناه في باب نافع ، والحمد لله ) ، وروى ابن وهب عن أم هانئ هذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الضحى ثماني ركعات أنه كان يسلم في كل اثنتين منها ، وهذا إسناد احتج به أحمد بن حنبل . قال أبو بكر الأثرم : قيل لأبي عبد الله بن حنبل : [ ص: 187 ] أليس قد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى قبل الظهر أربعا ؟ فقال : وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى ثماني ركعات ، أفتراه لم يسلم فيها ؟ ( قال أبو عبد الله : ) هذا حديث أم هانئ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى ثماني ركعات ، حديث ثبت قال أبو بكر : روي حديث أم هانئ من وجوه لم يذكر فيها التسليم ، ثم وجدته مفسرا على ما تأوله أبو عبد الله : حدثنا علي بن أحمد بن القاسم الباهلي قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عياض يعني ابن عبد الله الفهري بن سليمان عن كريب عن ابن عباس عن أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى ثماني ركعات سلم من كل ركعتين ، وهذا يدل على أن قوله - صلى الله عليه وسلم - مثنى مثنى خرج على جواب السائل عن صلاة الليل فقيل له مثنى مثنى ، ولو سأل عن صلاة النهار احتمل أن يقال له كذلك أيضا ، ويدل أيضا على أن زيادة علي الأزدي عن ابن عمر غير مرفوعة ، وحسبك بفتوى ابن عمر الذي روى الحديث ، ومن روى شيئا سلم له في تأويله ; لأنه شهد مخرجه وفحواه .

[ ص: 188 ] وأما صلاة الضحى ، واختلاف الآثار فيها ، وما للعلماء في ذلك كله فقد تقصيناه في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا ، فلا وجه لإعادته هاهنا ، وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا عمرو بن مرزوق قال : أنبأنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . قال أبو عمر : روى سالم ، ونافع ، وعبد الله بن دينار ، وأبو سلمة ، وطاوس ، وعبد الله بن شقيق ، ومحمد بن سيرين كلهم عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الليل مثنى لم يذكروا النهار ، وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن ، وقد ذكرناه في باب نافع ، وهذا خلاف ما ذكر مالك أنه بلغه عنه ، ومالك لا يروي إلا عن ثقة ، وبلاغاته إذا تفقدت لم توجد إلا صحاحا ، فحصل ابن عمر مختلفا عنه في فعله وفي حديثه المرفوع ، إلا أن حمل المرفوع من حديثه الذي فيه الحجة على أنه خرج على جواب السائل بدليل رواية الأزدي عنه كان مذهبا ، وعليه أكثر فقهاء الحجاز ، وأكثر أهل الحديث ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث