الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم

جزء التالي صفحة
السابق

ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا. وعرضوا على ربك صفا. [ ص: 2274 ] لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا. ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون: يا ويلتنا! مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟ ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا .

إنه مشهد تشترك فيه الطبيعة ويرتسم الهول فيه على صفحاتها وعلى صفحات القلوب. مشهد تتحرك فيه الجبال الراسخة فتسير، فكيف بالقلوب، وتتبدى فيه الأرض عارية، وتبرز فيه صفحتها مكشوفة لا نجاد فيها ولا وهاد، ولا جبال فيها ولا وديان.. وكذلك تتكشف خبايا القلوب فلا تخفى منها خافية.

ومن هذه الأرض المستوية المكشوفة التي لا تخبئ شيئا، ولا تخفي أحدا: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا .

ومن الحشر الجامع الذي لا يخلف أحدا إلى العرض الشامل: وعرضوا على ربك صفا

.. هذه الخلائق التي لا يحصى لها عدد، منذ أن قامت البشرية على ظهر هذه الأرض إلى نهاية الحياة الدنيا.. هذه الخلائق كلها محشورة مجموعة مصفوفة، لم يتخلف منها أحد، فالأرض مكشوفة مستوية لا تخفي أحدا.

وهنا يتحول السياق من الوصف إلى الخطاب. فكأنما المشهد حاضر اللحظة، شاخص نراه ونسمع ما يدور فيه. ونرى الخزي على وجوه القوم الذين كذبوا بذلك الموقف وأنكروه: لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا .

هذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يحيي المشهد ويجسمه. كأنما هو حاضر اللحظة، لا مستقبل في ضمير الغيب في يوم الحساب.

وإننا لنكاد نلمح الخزي على الوجوه، والذل في الملامح. وصوت الجلالة الرهيب يجبه هؤلاء المجرمين بالتأنيب: لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة

وكنتم تزعمون أن ذلك لن يكون: بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا !

وبعد إحياء المشهد واستحضاره بهذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يعود إلى وصف ما هناك:

ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه فهذا هو سجل أعمالهم يوضع أمامهم، وهم يتملونه ويراجعونه، فإذا هو شامل دقيق. وهم خائفون من العاقبة ضيقو الصدور بهذا الكتاب الذي لا يترك شاردة ولا واردة، ولا تند عنه كبيرة ولا صغيرة: ويقولون: يا ويلتنا. مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، إلا أحصاها؟ وهي قولة المحسور المغيظ الخائف المتوقع لأسوإ العواقب، وقد ضبط مكشوفا لا يملك تفلتا ولا هربا، ولا مغالطة ولا مداورة: ووجدوا ما عملوا حاضرا ولاقوا جزاء عادلا: ولا يظلم ربك أحدا ..

هؤلاء المجرمون الذين وقفوا ذلك الموقف كانوا يعرفون أن الشيطان عدو لهم، ولكنهم تولوه فقادهم إلى ذلك الموقف العصيب فما أعجب أن يتولوا إبليس وذريته وهم لهم عدو منذ ما كان بين آدم وإبليس:

وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه. أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وهم لكم عدو، بئس للظالمين بدلا .

وهذه الإشارة إلى تلك القصة القديمة تجيء هنا للتعجيب من أبناء آدم الذين يتخذون ذرية إبليس أولياء من دون الله بعد ذلك العداء القديم.

[ ص: 2275 ] واتخاذ إبليس وذريته أولياء يتمثل في تلبية دواعي المعصية والتولي عن دواعي الطاعة.

ولماذا يتولون أعداءهم هؤلاء، وليس لديهم علم ولا لهم قوة فالله لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فيطلعهم على غيبه. والله لا يتخذهم عضدا فتكون لهم قوة:

ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، وما كنت متخذ المضلين عضدا ..

إنما هو خلق من خلق الله، لا يعلمون غيبه، ولا يستعين بهم سبحانه..

وما كنت متخذ المضلين عضدا فهل يتخذ الله سبحانه غير المضلين عضدا؟

وتعالى الله الغني عن العالمين، ذو القوة المتين.. إنما هو تعبير فيه مجاراة لأوهام المشركين لتتبعها واستئصالها. فالذين يتولون الشيطان ويشركون به مع الله، إنما يسلكون هذا المسلك توهما منهم أن للشيطان علما خفيا، وقوة خارقة. والشيطان مضل، والله يكره الضلال والمضلين. فلو أنه - على سبيل الفرض والجدل - كان متخذا له مساعدين، لما اختارهم من المضلين!

وهذا هو الظل الذي يراد أن يلقيه التعبير..

ثم يعرض مشهد من مشاهد القيامة يكشف عن مصير الشركاء ومصير المجرمين:

ويوم يقول: نادوا شركائي الذين زعمتم. فدعوهم فلم يستجيبوا لهم. وجعلنا بينهم موبقا. ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها، ولم يجدوا عنها مصرفا ..

إنهم في الموقف الذي لا تجدي فيه دعوى بلا برهان. والديان يطالبهم أن يأتوا بشركائهم الذين زعموا، ويأمرهم أن يدعوهم ليحضروا.. وإنهم لفي ذهول ينسون أنها الآخرة، فينادون. لكن الشركاء لا يجيبون! وهم بعض خلق الله الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا في الموقف المرهوب. وقد جعل الله بين المعبودين وعبادهم مهلكة لا يجتازها هؤلاء ولا هؤلاء.. إنها النار وجعلنا بينهم موبقا .

ويتطلع المجرمون، فتمتلئ نفوسهم بالخوف والهلع، وهم يتوقعون في كل لحظة أن يقعوا فيها. وما أشق توقع العذاب وهو حاضر، وقد أيقنوا أن لا نجاة منها ولا محيص:

ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها، ولم يجدوا عنها مصرفا

ولقد كان لهم عنها مصرف، لو أنهم صرفوا قلوبهم من قبل للقرآن، ولم يجادلوا في الحق الذي جاء به، وقد ضرب الله لهم فيه الأمثال ونوعها لتشمل جميع الأحوال:

ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ..

ويعبر السياق عن الإنسان في هذا المقام بأنه " شيء " وأنه أكثر شيء جدلا. ذلك كي يطامن الإنسان من كبريائه، ويقلل من غروره، ويشعر أنه خلق من مخلوقات الله الكثيرة. وأنه أكثر هذه الخلائق جدلا. بعد ما صرف الله في هذا القرآن من كل مثل.

ثم يعرض الشبهة التي تعلق بها من لم يؤمنوا - وهم كثرة الناس - على مدار الزمان والرسالات:

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين، أو يأتيهم العذاب قبلا ..

فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء. ولكنهم كانوا يطلبون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم [ ص: 2276 ] من هلاك - استبعادا لوقوعه واستهزاء - أو أن يأتيهم العذاب مواجهة يرون أنه سيقع بهم. وعندئذ فقط يوقنون فيؤمنون!

وليس هذا أو ذاك من شأن الرسل. فأخذ المكذبين بالهلاك - كما جرت سنة الله في الأولين بعد مجيء الخوارق وتكذيبهم بها - أو إرسال العذاب.. كله من أمر الله. أما الرسل فهم مبشرون ومنذرون:

وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين. ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق. واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا .

والحق واضح. ولكن الذين كفروا يجادلون بالباطل ليغلبوا به الحق ويبطلوه. وهم حين يطلبون الخوارق، ويستعجلون بالعذاب لا يبغون اقتناعا، إنما هم يستهزئون بالآيات والنذر ويسخرون.

ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه. إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ..

فهؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله ونذره لا يرجى منهم أن يفقهوا هذا القرآن، ولا أن ينتفعوا به. لذلك جعل الله على قلوبهم أغطية تحول دون فقهه، وجعل في آذانهم كالصمم فلا يستمعون إليه. وقدر عليهم الضلال - بسبب استهزائهم وإعراضهم - فلن يهتدوا إذن أبدا. فللهدى قلوب متفتحة مستعدة للتلقي.

وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ..

ولكن الله يمهلهم رحمة بهم، ويؤخر عنهم الهلاك الذي يستعجلون به، ولكنه لن يهملهم:

بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ..

موعد في الدنيا يحل بهم فيه شيء من العذاب. وموعد في الآخرة يوفون فيه الحساب.

ولقد ظلموا فكانوا مستحقين للعذاب أو الهلاك كالقرى قبلهم. لولا أن الله قدر إمهالهم إلى موعدهم، لحكمة اقتضتها إرادته فيهم، فلم يأخذهم أخذ القرى بل جعل لهم موعدا آخر لا يخلفونه:

وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا. وجعلنا لمهلكهم موعدا ..

فلا يغرنهم إمهال الله لهم، فإن موعدهم بعد ذلك آت. وسنة الله لا تتخلف. والله لا يخلف الميعاد..

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث