الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

250 - الحديث الحادي عشر : وعنه - أي عن ابن عمر - قال { جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع ، لكل واحدة منهما إقامة . ولم يسبح بينهما ، ولا على إثر واحدة منهما } .

التالي السابق


فيه دليل على جمع التأخير بمزدلفة . وهي " جمع " لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان وقت الغروب بعرفة فلم يجمع بينهما بالمزدلفة إلا وقد أخر المغرب . وهذا الجمع لا خلاف فيه . وإنما اختلفوا : هل هو بعذر النسك ، أو بعذر السفر ؟ وفائدة الخلاف : أن من ليس بمسافر سفرا يجمع فيه ، هل يجمع بين هاتين الصلاتين أم [ ص: 482 ] لا ؟ والمنقول عن مذهب أبي حنيفة : أن الجمع بعذر النسك . وظاهر مذهب الشافعي : أنه بعذر السفر . ولبعض أصحابه وجه : أنه بعذر السفر . ولبعض أصحابه وجه : أنه بعذر النسك ، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلاتين في طول سفره ذلك ، فإن كان لم يجمع في نفس الأمر ، فيقوى أن يكون للنسك ; لأن الحكم المتجدد عن تجدد أمر يقتضي إضافة ذلك الحكم إلا ذلك الأمر ، وإن كان قد جمع : إما بأن يرد في ذلك نقل خاص ، أو يؤخذ من قول ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء } فقد تعارض في هذا الجمع سببان : السفر ، والنسك . فيبقى النظر في ترجيح الإضافة إلى أحدهما ، على أن في الاستدلال بحديث ابن عمر على هذا الجمع نظرا . من حيث إن السير لم يكن مجدا في ابتداء هذه الحركة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا عند دخول وقت صلاة المغرب ، وأنشأ الحركة بعد ذلك ، فالجد إنما يكون بعد الحركة . أما في الابتداء : فلا ، وقد كان يمكن أن تقام المغرب بعرفة . ولا يحصل جد السير بالنسبة إليها . وإنما يتناول الحديث : ما إذا كان الجد والسير موجودا عند دخول وقتها فهذا أمر محتمل .



واختلف الفقهاء أيضا : فيما لو أراد الجمع بغير جمع ، كما لو جمع في الطريق أو بعرفة على التقديم ، هل يجمع أم لا ؟ والذين عللوا الجمع بالسفر : يجيزون الجمع مطلقا . والذين يعللونه بالنسك : نقل عن بعضهم : أنه لا يجمع إلا بالمكان الذي جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو المزدلفة ، إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومما يتعلق بالحديث : الكلام في الأذان والإقامة لصلاتي الجمع . وقد ذكر فيه : أنه جمع بإقامة لكل واحدة . ولم يذكر الأذان .

وحاصل مذهب الشافعي رحمه الله : أن الجمع إما أن يكون على وجه [ ص: 483 ] التقديم ، أو على وجه التأخير . فإن كان على وجه التقديم : أذن للأولى ; لأن الوقت لها وأقام لكل واحدة ، ولم يؤذن للثانية ، إلا على وجه غريب لبعض أصحابه . وإن كان على وجه التأخير - كما في هذا الجمع - صلاهما بإقامتين ، كما في ظاهر هذا الحديث . وأجروا في الأذان للأولى الخلاف الذي في الأذان للفائتة . ودلالة الحديث على عدم الأذان دلالة سكوت ، أعني الحديث الذي ذكره المصنف .



ويتعلق بالحديث أيضا : عدم التنفل بين صلاتي الجمع لقوله " ولم يسبح بينهما " و " السبحة صلاة النافلة على المشهور والمسألة معبر عنها : بوجوب الموالاة بين صلاتي الجمع . والمنقول عن ابن حبيب من أصحاب مالك : أن له أن ينتفل . أعني للجامع بين الصلاتين . ومذهب الشافعي : أن الموالاة بين الصلاتين شرط في جمع التقديم وفيها في جمع التأخير خلاف ; لأن الوقت للصلاة الثانية . فجاز تأخيرها . وإذا قلنا بوجوب الموالاة فلا يقطعها قدر الإقامة ، ولا قدر التيمم لمن يتيمم ، ولا قدر الأذان لمن يقول بالأذان لكل واحدة من صلاتي الجمع وقد حكيناه وجها لبعض الشافعية .

وهو قول في مذهب مالك أيضا فمن أراد أن يستدل بالحديث على عدم جواز التنفل بين صلاتي الجمع ؟ فلمخالفه أن يقول : هو فعل ، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب ، ويحتاج إلى ضميمة أمر آخر إليه . ومما يؤكده - أعني كلام المخالف - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنفل بعدهما ، كما في الحديث ، مع أنه لا خلاف في جواز ذلك . فيشعر ذلك بأن ترك التنفل لم يكن لما ذكر من وجوب الموالاة . وقد ورد بعض الروايات " أنه فصل بين هاتين الصلاتين بحط الرحال " وهو يحتاج إلى مسافة في الوقت ، ويدل على جواز التأخير . وقد تكرر من المصنف إيراد أحاديث في هذا الباب لا تناسب ترجمته .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث