الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما حكم الخيل فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون علوفة أو سائمة ، فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب ، أو للحمل ، أو للجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها ; لأنها مشغولة بالحاجة ومال الزكاة هو المال النامي الفاضل عن الحاجة لما بينا فيما تقدم وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة بالإجماع لكونها مالا ناميا فاضلا عن الحاجة ; لأن الإعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة ، وإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والحمل أو للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بينا ، وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف وإن كانت تسام للدر والنسل فإن كانت مختلطة ذكورا وإناثا فقد قال أبو حنيفة : تجب الزكاة فيها قولا واحدا وصاحبها بالخيار إن شاء أدى من كل فرس دينارا ، وإن شاء قومها وأدى من كل مائتي درهم خمسة دراهم .

وإن كانت إناثا منفردة ففيها روايتان عنه ذكرهما الطحاوي وإن كانت ذكورا منفردة ففيها روايتان عنه أيضا ذكرهما الطحاوي في الآثار ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا زكاة فيها كيفما كانت ، وبه أخذ الشافعي احتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر } .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة } ، وكل ذلك نص في الباب ، ولأن زكاة السائمة لا بد لها من نصاب مقدر كالإبل والبقر والغنم ، والشرع لم يرد بتقدير النصاب في السائمة منها فلا يجب فيها زكاة السائمة كالحمير .

ولأبي حنيفة ما روي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : في كل فرس سائمة دينار ، وليس في الرابطة شيء } .

وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في صدقة الخيل أن خير أربابها فإن شاءوا أدوا من كل فرس دينارا وإلا قومها وخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم .

وروي [ ص: 35 ] عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين أمره أن يأخذ من كل فرس شاتين أو عشرة دراهم ، ولأنها مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية فتجب فيها الزكاة كما لو كانت للتجارة .

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " فالمراد منها الخيل المعدة للركوب والغزو لا للإسامة بدليل أنه فرق بين الخيل وبين الرقيق والمراد منها عبيد الخدمة ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة الفطر ؟ وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه عملا بالدليلين بقدر الإمكان وهو الجواب عن تعلقهم بالحديث الآخر .

وأما إذا كان الكل إناثا أو ذكورا فوجه رواية الوجوب الاعتبار بسائر السوائم من الإبل والبقر والغنم أنه تجب الزكاة فيها وإن كان كلها إناثا أو ذكورا كذا ههنا والصحيح أنه لا زكاة فيها لما ذكرنا أن مال الزكاة هو المال النامي ولا نماء فيها بالدر والنسل ولا لزيادة اللحم ; لأن لحمها غير مأكول عنده بخلاف الإبل والبقر والغنم ; لأن لحمها مأكول فكان زيادة اللحم فيها بالسمن بمنزلة الزيادة بالدر والنسل والله أعلم .

وأما البغال والحمير فلا شيء فيها وإن كانت سائمة ; لأن المقصود منها الحمل والركوب عادة لا الدر والنسل لكنها قد تسام في غير وقت الحاجة لدفع مؤنة العلف .

وإن كانت للتجارة تجب الزكاة فيها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث