الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل شرط ولاية الآخذ مال الزكاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرط ولاية الآخذ فأنواع : منها وجود الحماية من الإمام حتى لو ظهر أهل البغي على مدينة من مدائن أهل العدل أو قرية من قراهم وغلبوا عليها فأخذوا صدقات سوائمهم وعشور أراضيهم وخراجها ثم ظهر عليهم عليهم العدل لا يأخذ منهم ثانيا : لأن حق الأخذ للإمام لأجل الحفظ والحماية ، ولم يوجد إلا أنهم يفتون فيما بينهم وبين ربهم أن يؤدوا الزكاة والعشور ثانيا ، وسكت محمد عن ذكر الخراج ، واختلف مشايخنا قال بعضهم : عليهم أن يعيدوا الخراج كالزكاة والعشور ، وقال بعضهم : ليس عليهم الإعادة ; لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة وأهل البغي يقاتلون العدو ويذبون عن حريم الإسلام .

ومنها وجوب الزكاة ; لأن المأخوذ زكاة والزكاة في عرف الشرع اسم للواجب فلا بد من تقديم الوجوب فتراعى له شرائط الوجوب وهي ما ذكرنا من الملك المطلق ، وكمال النصاب وكونه معدا للنماء ، وحولان الحول ، وعدم الدين المطالب به من جهة العباد ، وأهلية الوجوب ، ونحو ذلك .

ومنها ظهور المال وحضور المالك حتى لو حضر المالك ولم يظهر ماله لا يطالب بزكاته ; لأنه إذا لم يظهر ماله لا يدخل تحت حماية السلطان وكذا إذا ظهر المال ولم يحضر المالك ولا المأذون من جهة المالك كالمستبضع ونحوه لا يطالب بزكاته .

وبيان هذه الجملة إذا جاء الساعي إلى صاحب المواشي في أماكنها يريد أخذ الصدقة فقال ليست هي مالي أو قال : لم يحل عليها الحول أو قال : علي دين يحيط بقيمتها فالقول قوله ; لأنه ينكر وجوب الزكاة ، ويستحلف ; لأنه تعلق به حق العبد وهو مطالبة الساعي فيكون القول قوله مع يمينه .

ولو قال : أديت إلى مصدق آخر فإن لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يصدق ; لظهور كذبه بيقين .

وإن كان في تلك السنة مصدق آخر يصدق مع اليمين سواء أتى بخط وبراءة أو لم يأت به في ظاهر الرواية .

وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصدق ما لم يأت بالبراءة .

وجه هذه الرواية أن خبره يحتمل الصدق والكذب فلا بد من مرجح والبراءة أمارة رجحان الصدق .

وجه ظاهر الرواية أن الرجحان ثابت بدون البراءة ; لأنه أمين إذ له أن يدفع إلى المصدق فقد أخبر عن الدفع إلى من جعل له الدفع إليه فكان كالمودع إذا قال دفعت [ ص: 37 ] الوديعة إلى المودع ، والبراءة ليست بعلامة صادقة ; لأن الخط يشبه الخط وعلى هذا إذا أتى بالبراءة على خلاف اسم ذلك المصدق أنه يقبل قوله مع يمينه على جواب ظاهر الرواية ; لأن البراءة ليست بشرط فكان الإتيان بها والعدم بمنزلة واحدة ، وعلى رواية الحسن لا يقبل ; لأن البراءة شرط فلا تقبل بدونها .

ولو قال : أديت زكاتها إلى الفقراء لا يصدق وتؤخذ منه عندنا ، وعند الشافعي لا تؤخذ .

وجه قوله أن المصدق لا يأخذ الصدقة لنفسه بل ليوصلها إلى مستحقيها وهو الفقير وقد أوصل بنفسه ، ولنا أن حق الأخذ للسلطان فهو بقوله : أديت بنفسي أراد إبطال حق السلطان فلا يملك ذلك ، وكذلك العشر على هذا الخلاف ، وكذا الجواب فيمن مر على العاشر بالسوائم أو بالدراهم أو الدنانير أو بأموال التجارة في جميع ما وصفنا إلا في قوله : أديت زكاتها بنفسي إلى الفقراء فيما سوى السوائم أنه يقبل قوله ولا يؤخذ ثانيا ; لأن أداء زكاة الأموال الباطنة مفوض إلى أربابها إذا كانوا يتجرون بها في المصر فلم يتضمن الدفع بنفسه إبطال حق أحد .

ولو مر على العاشر بمائة درهم وأخبر العاشر أن له مائة أخرى قد حال عليها الحول لم يأخذ منه زكاة هذه المائة التي مر بها ; لأن حق الأخذ لمكان الحماية وما دون النصاب قليل لا يحتاج إلى الحماية والقدر الذي في بيته لم يدخل تحت الحماية فلا يؤخذ من أحدهما شيء .

ولو مر عليه بالعروض فقال : هذه ليست للتجارة ، أو قال : هذه بضاعة ، أو قال : أنا أجير فيها فالقول قوله مع اليمين ; لأنه أمين ولم يوجد ظاهر يكذبه .

وجميع ما ذكرنا أنه يصدق فيه المسلم يصدق فيه الذمي لقول النبي : صلى الله عليه وسلم { إذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين } ولأن الذمي لا يفارق المسلم في هذا الباب إلا في قدر المأخوذ وهو أنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم كما في التغلبي ; لأنه يؤخذ منه بسبب الحماية وباسم الصدقة وإن لم تكن صدقة حقيقية .

ولا يصدق الحربي في شيء من ذلك ويؤخذ منه العشر إلا في جوار يقول : هن أمهات أولادي ، أو في غلمان يقول : هم أولادي ; لأن الأخذ منه لمكان الحماية والعصمة لما في يده وقد وجدت فلا يمنع شيء من ذلك من الأخذ وإنما قبل قوله في الاستيلاد والنسب ; لأن الاستيلاد والنسب كما يثبت في دار الإسلام يثبت في دار الحرب .

وعلل محمد رحمه الله فقال : الحربي لا يخلو إما أن يكون صادقا وإما أن يكون كاذبا ، فإن كان صادقا فقد صدق وإن كان كاذبا فقد صارت بإقراره في الحال أم ولد له ولا عشر في أم الولد .

ولو قال : هم مدبرون لا يلتفت إلى قوله ; لأن التدبير لا يصح في دار الحرب ولو مر على عاشر بمال وقال : هو عندي بضاعة ، أو قال : أنا أجير فيه فالقول قوله ولا يعشره ولو قال : هو عندي مضاربة فالقول قوله أيضا وهل يعشره ؟ كان أبو حنيفة أولا يقول : يعشره ، ثم رجع وقال : لا يعشره ، وهو قول أبي يوسف ومحمد .

ولو مر العبد المأذون بمال من كسبه وتجارته وليس عليه دين واستجمع شرائط وجوب الزكاة فيه فإن كان معه مولاه عشره بالإجماع ، وإن لم يكن معه مولاه فكذلك يعشره في قول أبي حنيفة وفي قولهما لا يعشره ، وقال أبو يوسف : لا أعلم أنه رجع في العبد أم لا ، وقيل : إن الصحيح أن رجوعه في المضارب رجوع في العبد المأذون .

وجه قوله الأول في المضارب أن المضارب بمنزلة المالك ; لأنه يملك التصرف في المال ، ولهذا يجوز بيعه من رب المال .

وجه قوله الأخير وهو قولهما أن الملك شرط الوجوب ولا ملك له فيه ورب المال لم يأمره بأداء الزكاة ; لأنه لم يأذن له بعقد المضاربة إلا بالتصرف في المال وقد خرج الجواب عن قوله : إنه بمنزلة المالك ; لأنا نقول نعم لكن في ولاية التصرف في المال لا في أداء الزكاة كالمستبضع ، والعبد المأذون في معنى المضارب في هذا المعنى .

ولأنه لم يؤمر إلا بالتصرف فكان الصحيح هو الرجوع .

ولا يؤخذ من المسلم إذا مر على العاشر في السنة إلا مرة واحدة ; لأن المأخوذ منه زكاة والزكاة لا تجب في السنة إلا مرة واحدة .

وكذلك الذمي ; لأنه بقبول عقد الذمة صار له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ; ولأن العاشر يأخذ منه باسم الصدقة وإن لم تكن صدقة حقيقة كالتغلبي فلا يؤخذ منه في الحول إلا مرة واحدة ، وكذلك الحربي إلا إذا عشره فرجع إلى دار الحرب ثم خرج أنه يعشره ثانيا وإن خرج من يومه ذلك ; لأن الأخذ من أهل الحرب لمكان حماية ما في أيديهم من ألأموال ، وما دام هو في دار الإسلام فالحماية متحدة ما دام الحول باقيا فيتحد حق الأخذ .

وعند دخوله دار الحرب ورجوعه إلى دار الإسلام تتجدد الحماية فيتجدد حق الأخذ وإذا مر الحربي على العاشر فلم يعلم حتى عاد إلى دار الحرب ثم رجع ثانيا [ ص: 38 ] فعلم به لم يعشره لما مضى ; لأن ما مضى سقط لانقطاع حق الولاية عند دخوله دار الحرب ولو اجتاز المسلم والحربي ولم يعلم بهما العاشر ثم علم بهما في الحول الثاني أخذ منهما ; لأن الوجوب قد ثبت ولم يوجد ما يسقطه .

ولو مر على العاشر بالخضراوات وبما لا يبقى حولا كالفاكهة ونحوها لا يعشره في قول أبي حنيفة .

وإن كانت قيمته مائتي درهم وقال أبو يوسف ومحمد يعشره .

وجه قولهما أن هذا مال التجارة والمعتبر في مال التجارة معناه وهو ماليته وقيمته لا عينه ، فإذا بلغت قيمته نصابا تجب فيه الزكاة ; ولهذا وجبت الزكاة فيه إذا كان يتجر فيه في المصر ولأبي حنيفة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : ليس في الخضراوات صدقة } والصدقة إذا أطلقت يراد بها الزكاة إلا أن ما يتجر بها في المصر صار مخصوصا بدليل أو يحمل على أنه ليس فيها صدقة تؤخذ أي ليس للإمام أن يأخذها بل صاحبها يؤديها بنفسه ; ولأن الحول شرط وجوب الزكاة ، وأنها لا تبقى حولا والعاشر إنما يأخذ منها بطريق الزكاة ; ولأن ولاية الأخذ بسبب الحماية ، وهذه الأشياء لا تفتقر إلى الحماية ; لأن أحدا لا يقصدها ; ولأنها تهلك في يد العاشر في المفازة فلا يكون أخذها مفيدا .

وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه تجب الزكاة على صاحبها بالإجماع وإنما الخلاف في أنه هل للعاشر حق الأخذ ؟ وذكر الكرخي أنه لا شيء فيه في قول أبي حنيفة وهذا الإطلاق يدل على أن الوجوب مختلف فيه والله أعلم .

ولا يعشر مال الصبي والمجنون ; لأنهما ليسا من أهل وجوب الزكاة عليهما عندهما .

ولو مر صبي وامرأة من بني تغلب على العاشر فليس على الصبي شيء وعلى المرأة ما على الرجل ; لأن المأخوذ من بني تغلب يسلك به مسلك الصدقات لا يفارقها إلا في التضعيف .

والصدقة لا تؤخذ من الصبي وتؤخذ من المرأة .

ولو مر على عاشر الخراج في أرض غلبوا عليها فعشره ، ثم مر على عاشر أهل العدل يعشره ثانيا ; لأنه بالمرور على عاشرهم ضيع حق سلطان أهل العدل وحق فقراء أهل العدل بعد دخوله تحت حماية سلطان أهل العدل فيضمن .

ولو مر ذمي على العاشر بخمر للتجارة أو خنازير يأخذ عشر ثمن الخمر ولا يعشر الخنازير في ظاهر الرواية .

وروي عن أبي يوسف أنه يعشرهما وهو قول زفر وعند الشافعي لا يعشرهما .

وجه قول الشافعي أن الخمر والخنزير ليسا بمال أصلا والعشر إنما يؤخذ من المال .

وجه قول زفر أنهما مالان متقومان في حق أهل الذمة فالخمر عندهم كالخل عندنا والخنزير عندهم كالشاة عندنا ولهذا كانا مضمونين على المسلم بالإتلاف .

وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين الخمر والخنزير من وجهين أحدهما أن الخمر من ذوات الأمثال ، والقيمة فيما له مثل من جنسه لا يقوم مقامه فلا يكون أخذ قيمة الخمر كأخذ عين الخمر والخنزير من ذوات القيم لا من ذوات الأمثال والقيمة فيما لا مثل له يقوم مقامه فكان أخذ قيمته كأخذ عينه وذا لا يجوز للمسلم .

والثاني أن الأخذ حق للعاشر بسبب الحماية وللمسلم ولاية حماية الخمر في الجملة ألا ترى أنه إذا ورث الخمر فله ولاية حمايتها عن غيره بالغصب ؟ ولو غصبها غاصب له أن يخاصمه ويستردها منه للتخليل فله ولاية حماية خمر غيره عند وجود سبب ثبوت الولاية وهو ولاية السلطنة .

وليس للمسلم ولاية حماية الخنزير رأسا حتى لو أسلم وله خنازير ليس له أن يحميها بل يسيبها فلا يكون له ولاية حماية خنزير غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث