الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عز وجل وما روي من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر

جزء التالي صفحة
السابق

984 - أخبرنا محمد بن جعفر قال : ثنا عبيد الله بن ثابت قال : ثنا أحمد بن منصور قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة :

عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون )

قال : هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون ، فاليوم يدعون وهم خائفون :

ثم أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة فإنه قال : ( ما كانوا يستطيعون السمع ) وهي طاعته :

[ ص: 614 ] ( وما كانوا يبصرون ) وأما في الآخرة فإنه قال : فلا يستطيعون ، خاشعة أبصارهم .

* وفي قوله تعالى : ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين )

985 - أخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد قال : ثنا حمزة بن القاسم الهاشمي قال : ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود قال : ثنا يونس بن محمد قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، عن خصيف : سأل مجاهد محمد بن كعب القرظي ، وأنا معه ( إن كتاب الفجار لفي سجين )

قال :

فقال محمد : رقم الله عز وجل كتاب الفجار في أسفل الأرض فهم عاملون بما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب :

ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين فهم يؤتى بهم حتى يعملوا بما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب .

986 - أخبرنا علي بن عمر بن إبراهيم قال : ثنا محمد بن عبد الله بن عتاب قال ثنا عبيد بن عبد الواحد ، قال : ثنا نعيم بن حماد ، قال [ ص: 615 ] : ثنا هشيم ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مجاهد :

عن ابن عباس قال ( تبت يدا أبي لهب ) بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ :

* وفي قوله تعالى ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) 987 - أخبرنا محمد بن جعفر قال : أخبرنا عبيد الله بن ثابت قال : ثنا أحمد بن منصور قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة :

عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) :

يقول : ما كان الله ليعذب أقواما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم :

ثم قال : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون )

يقول : ومن قد سبق له من الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار :

ويقول للكافر : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) فميز أهل السعادة من أهل الشقاء فقال : ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) فعذبهم الله يوم بدر بالسيف .

[ ص: 616 ] * قوله تبارك وتعالى : ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا )

988 - أخبرنا علي بن محمد بن عمر قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، ثنا أبو سعيد الأشج قال : ثنا أبو إبراهيم محمد بن القاسم الأسدي ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيج : عن مجاهد : ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) قال : عن الحق .

989 - أخبرنا محمد بن أبي بكر ، أخبرنا محمد بن مخلد ، ثنا إبراهيم بن هانئ ، ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح : عن مجاهد في قوله : ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) قال : كالجعبة فيها السهام .

* في قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى

990 - أخبرنا جعفر بن عبد الله بن يعقوب قال : أخبرنا محمد بن هارون الروياني قال : حدثنا عيسى بن إبراهيم قال : ثنا عبد الرحمن بن [ ص: 617 ] القاسم قال : حدثني مالك ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، أخبره عن مسلم بن يسار الجهني :

أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين )

فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عنها ؟

فقال رسول الله : ( إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه واستخرج منه ذريته فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " ، فقال رجل : يا رسول الله ، ففيم العمل ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا خلق الله العبد للنار استعمله بعمل أهل النار فيدخله به النار )
.

[ ص: 618 ] 991 - أخبرنا محمد بن أحمد بن علي بن حامد الطبري قال : ثنا أحمد بن السري بن صالح قال : ثنا يعقوب بن سفيان ، قال : ثنا أحمد بن عثمان بن نوح الطيالسي قال : ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد قال : ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية رفيع :

عن أبي بن كعب في قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون

قال : فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أزواجا ، ثم صورهم ، ثم استقبلهم وأخذ عليهم العهد والميثاق ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة ) إلى ( بما فعل المبطلون ) قال : فأنا أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم ، ألا تقولوا يوم القيامة : إنا لم نعلم بهذا :

اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا ، وأني سأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم ( كتبي ) :

قالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك :

فأقروا له يومئذ بالطاعة ، ورفع عليهم أبوهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الفقير ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور خصوا بميثاق [ ص: 619 ] آخر من الرسالة والنبوة وهو الذي يقول : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ) إلى قوله : ( ومنك ومن نوح ) إلى قوله : ( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا )

وهو الذي يقول : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )

وفي ذلك قال : ( هذا نذير من النذر الأولى )

( أخذ عهده من النذر الأولى ) :

وفي ذلك يقول ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين )

وفي ذلك : ( ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل )

كان في علمه يوم أقروا به من يكذب به ومن يصدق به ، فكان عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في بني آدم ، فأرسل الله عز وجل ذلك إلى مريم حين ( انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم [ ص: 620 ] يمسسني بشر ولم أك بغيا ) إلى قوله : فحملته قال : فحملت الذي خاطبها وهو روح عيسى ابن مريم .

992 - أخبرنا محمد بن جعفر ، وأخبرنا عبيد الله بن ثابت ، ثنا أحمد بن منصور قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : ثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة :

عن ابن عباس : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم )

قال : إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر ، وقال لهم : من ربكم ؟

قالوا : الله ربنا :

ثم أعادهم في ظهره حتى يولد من أخذ ميثاقه لا يزاد ولا ينقص منهم إلى يوم القيامة .

[ ص: 621 ] 993 - أخبرنا الحسن قال : ثنا أحمد بن حمدان قال : ثنا بشر ، ثنا معاوية ، ثنا ابن إسحاق ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد :

عن ابن عمر في قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم )

قال : كما يأخذ المشط الرأس .

994 - أخبرنا عبيد الله بن أحمد قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن زياد قال : ثنا محمد بن يحيى ، وأحمد بن منصور قالا : ثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب :

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتجون البهيمة هل تحسون فيها من جدعاء ؟ "

قال : ثم يقول أبو هريرة : فاقرءوا إن شئتم : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) أخرجه البخاري ، ومسلم .

995 - وأخبرنا عبيد الله ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن زياد قال : ثنا محمد بن يحيى قال : ثنا محمد بن يوسف قال : ثنا الأوزاعي قال : حدثني الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن :

[ ص: 622 ] عن أبي هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) :

قال الأوزاعي : وذلك بقضاء وقدر .

996 - وأخبرنا عبيد الله قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن زياد قال : ثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال : أخبرنا أبي قال : ثنا الأوزاعي ، ثنا الزهري ، حدثني حميد بن عبد الرحمن :

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ويمجسانه وينصرانه )

قال الأوزاعي : لا يخرجانه من علم الله وإلى علم الله يصيرون أخرجه البخاري ، ومسلم .

997 - أخبرنا عبد الرحمن بن عمر ، أخبرنا محمد بن جعفر قال : ثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد قال : ثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه :

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ( ويمجسانه ) ، كما ينتجون بالبهيمة بهيمة فهل ترون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ؟ ) قالوا : يا رسول الله : أفرأيت من يموت وهو صغير ؟ [ ص: 623 ] قال : ( الله أعلم ما كانوا عاملين ) .

998 - أخبرنا القاسم بن جعفر ، ثنا محمد بن أحمد ، ثنا سليمان بن الأشعث ، ثنا القعنبي ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج :

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء ) ؟ قالوا : يا رسول الله : أرأيت من يموت وهو صغير ؟ قال : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) .

999 - أخبرنا أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل المقرئ الآدمي قال : ثنا فضل بن سهل قال : ثنا هاشم بن القاسم قال : ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن الحسن :

عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا ) .

1000 - أخبرنا القاسم قال : ثنا محمد ، ثنا سليمان قال : قرئ على الحارث بن مسكين ، وأنا شاهد : أخبرك يوسف بن عمرو قال : [ ص: 624 ] أخبرنا ابن وهب قال : سمعت مالكا قيل له : إن أهل الأهواء يحتجون بهذا الحديث قال مالك : احتج عليهم بآخره :

قالوا : أرأيت من يموت وهو صغير ؟

قال : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) .

1001 - أخبرنا القاسم ، ثنا محمد ، قال : ثنا سليمان ، قال : ثنا الحسن بن علي : ثنا الحجاج بن منهال قال : سمعت حماد بن سلمة يفسر حديث ( كل مولود يولد على الفطرة ) قال :

هذا عندنا حيث أخذ عليهم العهد في أصلاب آبائهم حيث قال : ألست بربكم قالوا بلى ، قوله : رب بما أغويتني .

1002 - أخبرنا محمد بن جعفر ، أخبرنا عبيد الله بن ثابت ، ثنا أحمد بن منصور ، ثنا عبد الله ، ثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة :

عن ابن عباس : ( فبما أغويتني ) قال : أضللتني .

* في قوله : ( وأضله الله على علم )

[ ص: 625 ] 1003 - وبإسناده عن ابن عباس في قوله : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم )

يقول : أضله الله في سابق علمه .

* قوله : ( ما أنتم عليه بفاتنين )

1004 - وبإسناده عن ابن عباس ( ما أنتم عليه بفاتنين ) :

يقول : لا تضلون أنتم ولا أضل منكم إلا من قضيت له أنه صال الجحيم :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث