الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


4702 4988 - قال ابن شهاب : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ، سمع زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب : 23] فألحقناها في سورتها في المصحف . [انظر : 2807 - فتح: 9 \ 11]

التالي السابق


ذكر فيه حديثين :

أحدهما : حديث عبيد بن السباق السالف في آخر تفسير سورة براءة .

ثانيهما : حديث ابن شهاب ، أن أنس بن مالك حدثه ، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق . فذكر الحديث في نسخ المصاحف ; وقال في آخره : قال ابن شهاب : وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت : سمعت زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الأحزاب . . فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب : 23] فألحقناها في سورتها في المصحف .

معنى (يغازي : يغزو ) ، وإرمينية : بكسر أوله ، وفتحه ابن

[ ص: 22 ] السمعاني
، وتخفف ياؤها وتشدد كما قاله ياقوت ، وقال صاحبا "المطالع " : بالتخفيف لا غير . وقال أبو عبيد : بلد معروف سميت بكون الأرمن فيها ، وهي أمة كالروم ، وقيل : سميت بأرمون بن لمطي بن يومن بن يافث بن نوح . قال أبو الفرج : ومن ضم الهمزة غلط ; قال : وبكسرها قرأته على أبي منصور اللغوي ; وقال : هو اسم أعجمي ، وأقيمت -كما قال الرشاطي - سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان على يد سليمان بن ربيعة الباهلي . قال : وأهلها بنو الرومي بن إرم بن سام بن نوح .

وأذربيجان -بفتح أوله بالقصر والمد وبفتح الباء وكسرها وكسر الهمزة أيضا ، حكاه ابن مكي في "تنقيبه" - بلد بالجبال من بلاد العراق يلي كور إرمينية من جهة المغرب . وقال أبو إسحاق البحيري : الفصيح ذربيجان . وقال الجواليقي : الهمزة في أولها أصلية ، لأن أذر مضموم إليه الآخر .

وقوله : (وقال ابن شهاب . . ) إلى آخره . رواه البخاري في الأحكام عن موسى بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، به . هذا إذا

[ ص: 23 ] لم يكن البخاري عطفه على السند الذي قبله .

فصل :

إن قلت : ما وجه نفور الصديق وزيد بن ثابت مع فضلهما عن جمع القرآن .

قلت : بينه ابن الباقلاني بقوله : لم نجد الشارع قد بلغ في جمعه إلى الحد من الاحتياط من تجليده وجمعه بين لوحين وكرها أن يجمعاه جزعا أن يحلا أنفسهما محل [من] يجاوز احتياطه للدين احتياط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما (نبههما ) عمر وقال : هو والله خير ، وخوفهما من تغير حال القرآن في المستقبل لقلة حفظته ومصيره إلى حالة الخفاء بعد الاستفاضة والظهور علما صواب ما أشار به وأنه خير ، وأن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس على الوجوب ولا تركه لما تركه على الوجوب ، إلا أن يكون قد بين أن مثل فعله لما فعله أو تركه لمثل ما تركه لازم لنا واجب علينا ، فلما علمنا أنه لم يحظر جمعه ولا منع منه بسنة ولا بنص ولا هو مما يفسده العقل ويحيله ولا يقتضي فساد شيء من الدين ولا مخالفته ، وأما صواب ما أشار به عمر وأسرعا إليه كما فعل عمر وسائر الصحابة في رجوعهم إلى رأي الصديق في قتاله أهل الردة واستصوبوه ، وقد يشمئز الإنسان أحيانا من فعل المباح المطلق ; لفرط احتياط ثم يتبين له بعد خلافه ، كرجل قيل له : قد سقط عنه فرض الجهاد والصيام والصلاة قائما ; لزمانة وعجز ، فأنكر مفارقة العادة عند أول وهلة ، فلما تأمل ذلك علم جوازه .

[ ص: 24 ] فصل :

يأتي في الأحكام فيما يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا زيادة بيان في تصويب جمع الصديق للقرآن وأنه أعظم فضائله .

فصل :

فإن قلت : فما وجه حمل عثمان الناس على مصحفه وقد سبقه الصديق إلى ذلك ؟ قلت : سلف في آخر سورة التوبة وجهه .

فصل :

قد أسلفنا آخر سورة التوبة الجمع بين الروايتين آخر سورة [التوبة ] وآية الأحزاب ، وجمع المهلب بأن آية التوبة وجدت مع أبي خزيمة وهو معروف من الأنصار وقد عرفه أنس وقال : نحن ورثناه ، والتي في الأحزاب ليست صفة رسول الله ووجدت مع خزيمة بن ثابت وهو غير أبي خزيمة ، فلا تعارض ، والقصة غير القصة ، وآية الأحزاب سمعها زيد وخزيمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهما شاهدان على سماعها منه . وإنما أثبت التي في التوبة بشهادة أبي خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في صفته - عليه السلام - ، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر .

فصل :

قال ابن بطال : في أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى ، وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض ، وروى معمر ، عن (طاوس ) ، عن أبيه أنه كان يحرق الصحف إذا

[ ص: 25 ] اجتمعت عنده الرسائل فيها : بسم الله الرحمن الرحيم . وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة ، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله ، وقول من حرقها أولى بالصواب كما قاله ابن بطال .

وقال أبو بكر بن الطيب : جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك .

وأكثر الرواة تقوله هنا بالخاء المعجمة ، ورواه المروزي بالحاء المهملة ، وروي عن الأصيلي الوجهان .

قال ابن عطية : ورواية المهملة أحسن ، ومن حرقها دفنها بعد ، وهذا حكمه في ذلك الزمن ، أما الآن قيل : الغسل أولى إذا دعت الحاجة إلى إزالته ، وما فعله عثمان رضي الله عنه ; فلاختلاط الشاذ بالمتواتر وخشية التحريف أيضا أو الإحراق لإذهاب عينه رأسا .

قال عياض : قد أحرق عثمان والصحابة المصاحف بعد أن غسلوا منها بالماء ما قدروا عليه .

قال النووي : وكان ذلك صيانة لمصحف عثمان ، ونقل القرطبي عن الترمذي الحكيم أن من حرمة القرآن ألا نتخذ الصحيفة إذا بليت ودرست وقاية للكتب ، فإن ذلك جفاء عظيم ولكن يمحى بالماء ، وقد قال الحسن البصري : لا يحرق مصحف الغال ، وكان بعض السلف يستشفي بغسالته .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث