الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


4710 4996 - حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن شقيق قال : قال عبد الله ، قد علمت النظائر التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة . فقام : عبد الله ودخل معه علقمة ، وخرج علقمة فسألناه فقال : عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن الحواميم حم [الدخان : 1 ] و عم يتساءلون [النبأ : 1 ] . [انظر : 775 - مسلم: 822 - فتح: 9 \ 39 ]

[ ص: 41 ]

التالي السابق


[ ص: 41 ] ذكر فيه أربعة أحاديث :

أحدها :

حديث يوسف بن ماهك قال : إني عند عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين إذ جاءها عراقي فقال : أي الكفن خير ؟ قالت : ويحك ، وما يضرك ؟ قال : يا أم المؤمنين ، أريني مصحفك . قالت : لم ؟ قال : لعلي أؤلف القرآن عليه ، فإنه يقرأ غير مؤلف . قالت : وما يضرك أيه قرأت قبل ، إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس . . الحديث .

ومعنى (أول ما نزل . . ) إلى آخره ، تريد : المدثر ، والمشهور : اقرأ كما تقدم ، وأراد العراقي تأليف القرآن على ما نزل أولا فأولا ، لا يقرأ المدني قبل المكي ، والقرآن ألفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوحي ، كان جبريل - عليه السلام - يقول له : اجعل آية كذا في سورة كذا .

وقولها : (ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ) فيه دلالة أن السورة تسمى بما يذكر فيها ومعنى : (ثاب الناس ) رجعوا ، ثاب الشيء يثوب ثؤوبا : رجع ، ومنه وإذ جعلنا البيت مثابة للناس [البقرة : 125 ] الحديث .

الثاني :

حديث عبد الرحمن بن يزيد : سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء : إنهن من العتاق الأول ، وهن من تلادي .

[ ص: 42 ] وسلف في تفسير سورة بني إسرائيل بسنده سواء .

وقوله : (من تلادي ) يعني هن مما نزل من القرآن أولا ، قال صاحب "العين " : العتيق : القديم من كل شيء ، والتلاد : ما كسب من المال قديما . فيريد أنهن من أول ما حفظ من القرآن .

الحديث الثالث :

حديث البراء رضي الله عنه : تعلمت سبح اسم ربك [الأعلى : 1 ] قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - . سلف قريبا في تفسير سورة سبح اسم ربك الأعلى .

الحديث الرابع :

حديث أبي حمزة -واسمه محمد بن ميمون السكري المروزي - عن الأعمش ، عن شقيق قال : قال عبد الله : قد علمت النظائر التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة . فقام عبد الله ودخل معه علقمة ، وخرج علقمة فسألناه فقال : عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود ، آخرهن الحواميم حم [الدخان : 1 ] الدخان و عم يتساءلون [النبأ : 1 ]

سلف أيضا .


قال الداودي في قوله : (قد علمت النظائر . . ) إلى آخره . يريد في صلاة الصبح ، قال : وكان يقرأ الجاثية في الأولى ، و عم يتساءلون في الثانية ، والأحقاف في الأولى من اليوم الثاني ، والمرسلات في

[ ص: 43 ] الثانية ، ثم كذلك في عشرين صلاة ، ثم يرجع إلى ذلك في أكثر أحواله ، والذي تأول البخاري وغيره أنه كان يقرأ سورتين في كل ركعة ، وقد بوب عليه كذلك في الصلاة ، وأجازه مالك في "مختصر ابن عبد الحكم " .

وقوله : (عشرون سورة من أول المفصل . . ) إلى آخره : ظاهره أن الدخان من المفصل .

والمذكور عن ابن مسعود أن أول المفصل الجاثية ، ذكره الداودي ، وعنه في البخاري أن أوله القتال ، وعند العامة أنه السبع الآخر . وعن ابن مسعود أنه السدس الآخر ، وهو دال على أن أوله الأحقاف ، وقيل : أوله ق ، وقيل غير ذلك .

وقوله : (على تأليف ابن مسعود ) صحيح ; لأنها على تأليف القرآن خمس وثلاثون سورة من الدخان إلى عم يتساءلون . وتأليف ابن مسعود شيء آخر .

فصل :

قد اختلف في ترتيب سور القرآن ، فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها ، وقدم المكي على المدني ، ومنهم من جعل في أول مصحفه الحمد ، ومنهم من جعل في أوله : اقرأ باسم ربك ، وهذا أول مصحف علي ، وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله مالك يوم الدين ثم البقرة ، ثم النساء على ترتيب مختلف رواه طلحة بن مصرف ، عن يحيى بن وثاب ، عن علقمة ، عنه ، ومصحف أبي كان أوله الحمد ثم البقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران ، ثم الأنعام ، ثم الأعراف ، ثم المائدة كذلك على اختلاف شديد ، وأجاب القاضي

[ ص: 44 ] أبو بكر بن الطيب
بأنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة ، وقد قال قوم من أهل العلم : إن تأليف السور على ما هو عليه في مصحفنا كان على توقيف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم على ذلك وأمر به .

وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله إنما كان قبل العرض الأخير ، وأنه - عليه السلام - رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك .

روى يونس ، عن ابن وهب قال : سمعت مالكا يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ومن قال هذا القول لا يقول : إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن يكون مرتبا على حسب الترتيب الموقف عليه المصحف ، بل إنما يجب تأليف سوره في الرسم والكتابة خاصة ، لا نعلم أن أحدا منهم قال : إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة ، وفي القراءة والدرس ، وأنه لا يحل لأحد أن يحفظ الكهف قبل الروم ، ولا الحج بعد الكهف ، ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها للذي سألها أن تريه مصحفها ليكتب مصحفا على تأليفه : (لا يضرك أيه قرأت قبل ) .

وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا ، وقالا : ذلك منكوس القلب . وإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة ويبتدئ من آخرها إلى أولها ; لأن ذلك حرام محظور ، وفي الناس من يتعاطى هذا في القرآن ; والشعر ليذلل لسانه بذلك ، ويقتدر على الحفظ ، وهذا مما حظره الله في قراءة القرآن ; لأنه إفساد لصورته ومخالفة لما قصد بها . ومما يدل أنه لا يجب إثبات القرآن في المصاحف على تاريخ نزوله ; لأنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يجعلوا

[ ص: 45 ] بعض آية سورة في سورة أخرى ، وأن ينقضوا ما وقفوا عليه من سياقة ترتيب السور ونظامها ; لأنه قد صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فيؤمر بإثباتها في السورة المكية ، ويقال لهم : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا . ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها : (وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ) تعني : بالمدينة ، وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة . ولو ألفوا على تاريخ النزول ، لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السورة ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بالناس في الصلاة السورة في الركعة ، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث