الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة التراويح

جزء التالي صفحة
السابق

945 - ( وعن عائشة { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى الثانية فكثر الناس ، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة ، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال : رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم } ، وذلك في رمضان . متفق عليه ، وفي رواية : قالت : { كان الناس يصلون في المسجد في رمضان بالليل أوزاعا ، يكون مع الرجل الشيء من القرآن ، فيكون معه النفر الخمسة أو السبعة أو أقل من ذلك أو أكثر يصلون بصلاته ، قالت : فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي ففعلت ، فخرج إليه بعد أن صلى عشاء الآخرة ، فاجتمع إليه من في المسجد فصلى بهم ، وذكرت القصة بمعنى ما تقدم غير أن فيها : أنه لم يخرج إليهم في الليلة الثانية } . رواه أحمد ) .

التالي السابق


قوله : ( صلى في المسجد . . . إلخ ) قال النووي : فيه جواز النافلة جماعة ، ولكن الاختيار فيها الانفراد ، إلا نوافل مخصوصة ، وهي العيد والكسوف والاستسقاء . وكذا التراويح عند [ ص: 64 ] الجمهور كما سبق .

وفيه جواز النافلة في المسجد وإن كان البيت أفضل ، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلها في المسجد لبيان الجواز أو أنه كان معتكفا .

وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته ، قال : وهذا صحيح على المشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء ، ولكن إن نوى الإمام إمامتهم بعد اقتدائهم حصلت فضيلة الجماعة له ولهم ، وإن لم ينوها حصلت لهم فضيلة الجماعة ولا تحصل للإمام على الأصح ، لأنه لم ينوها والأعمال بالنيات ، وأما المأمومون فقد نووها ، وفيه إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة أو مصلحتان اعتبر أهمهما ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان رأى الصلاة في المسجد مصلحة لما ذكرناه ، فلما عارضه خوف الافتراض عليهم تركه لعظم المفسدة التي يخاف من عجزهم وتركهم للفرض

وفيه أن الإمام وكبير القوم إذا فعل شيئا خلاف ما يتوقعه أتباعه وكان له فيه عذر يذكره لهم تطييبا لقلوبهم وإصلاحا لذات البين لئلا يظنوا خلاف هذا ، وربما ظنوا ظن السوء ، قوله : ( أوزاعا ) أي جماعات . والحديث استدل به المصنف على صلاة التراويح

، وقد استدل به على ذلك غيره كالبخاري فإنه ذكره من جملة الأحاديث التي ذكرها في كتاب التراويح من صحيحه ، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الصلاة في المسجد وصلى خلفه الناس ولم ينكر عليهم ، وكان ذلك في رمضان ، ولم يترك إلا لخشية الافتراض ، فصح الاستدلال به على مشروعية مطلق التجمع في النوافل في ليالي رمضان ، وأما فعلها على الصفة التي يفعلونها الآن من ملازمة عدد مخصوص وقراءة مخصوصة في كل ليلة فسيأتي الكلام عليه

ومن جملة ما استدل به البخاري عليها حديث عائشة وهو أيضا في صحيح مسلم { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته ، فأصبح الناس فتحدثوا ، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه ، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلي بصلاته ، فلما كانت الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح ، فلما قضى الصلاة أقبل على الناس فتشهد ثم قال : أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ، ولكن خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها } ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك

946 - ( وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون [ ص: 65 ] بصلاة قارئهم ، فقال عمر : نعمت البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ، يعني آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوله رواه البخاري .

ولمالك في الموطإ عن يزيد بن رومان قال : كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة ) . قوله : ( أوزاع ) قد تقدم تفسيره ، قوله : ( فقال عمر : نعمت البدعة ) قال في الفتح : البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع على مقابلة السنة فتكون مذمومة ، والتحقيق أنها إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة ، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة ، وإلا فهي من قسم المباح ، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة . انتهى

قوله : ( بثلاث وعشرين ركعة ) قال ابن إسحاق وهذا أثبت ما سمعت في ذلك . ووهم في ضوء النهار فقال : إن في سنده أبا شيبة وليس الأمر كذلك ، لأن مالكا في الموطأ ذكره كما ذكر المصنف والحديث الذي في إسناده أبو شيبة هو حديث ابن عباس الآتي كما في البدر المنير . والتلخيص

وفي الموطأ أيضا عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة . وروى محمد بن نصر عن محمد بن يوسف أنها إحدى وعشرون ركعة . وفي الموطأ من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد أنها عشرون ركعة

وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال : أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر . قال الحافظ : والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال ، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها ، فحيث تطول القراءة تقلل الركعات وبالعكس ، وبه جزم الداودي وغيره ، قال : والاختلاف فيما زاد على العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر ، فكأنه تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث

وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال : أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ، يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث . وقال مالك : الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين ، وليس في شيء من ذلك ضيق . قال الترمذي : أكثر ما قيل : إنه يصلي إحدى وأربعين ركعة بركعة الوتر . ونقل ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد أربعين يوتر بسبع

وقيل : ثمان وثلاثين ، ذكره محمد بن نصر عن ابن يونس عن مالك . قال الحافظ : وهذا يمكن رده إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر ، لكن صرح في روايته بأنه يوتر بواحدة فيكون أربعين إلا واحدة . قال مالك : وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة .

وروي عن مالك ست وأربعون وثلاث الوتر

قال في الفتح : وهذا المشهور عنه ، وقد رواه ابن وهب عن [ ص: 66 ] العمري عن نافع قال : لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعا وثلاثين ويوترون منها بثلاث . وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعا وثلاثين ويوتر

وعن سعيد بن جبير أربعا وعشرين . وقيل : ست عشرة غير الوتر هذا حاصل ما ذكره في الفتح من الاختلاف في ذلك ، وأما العدد الثابت عنه صلى الله عليه وسلم في صلاته في رمضان ، فأخرج البخاري وغيره عن عائشة أنها قالت { ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة } .

وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث جابر { أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر } .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس " كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر " زاد سليم الرازي في كتاب الترغيب له " ويوتر بثلاث " قال البيهقي : تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف

وأما مقدار القراءة في كل ركعة فلم يرد به دليل . والحاصل أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشابهها هو مشروعية القيام في رمضان ، والصلاة فيه جماعة وفرادى ، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين ، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث