الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


4736 5024 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال : " ما أذن الله لشيء ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن " . قال سفيان : تفسيره يستغني به . [انظر : 5023 - مسلم: 792 - فتح: 9 \ 68 ]

التالي السابق


ذكر فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن " . وقال صاحب له : يريد : يجهر به .

ثم ساقه عنه أيضا بلفظ : "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن " . قال سفيان : تفسيره : يستغني به .

قلت : احتج بقوله : ولا تمدن عينيك الآية [طه : 131 ] . قال : وأمر - عليه السلام - أن يستغنى بالقرآن عن المال .

ومعنى : "ما أذن " : ما استمع ، وذكره في الاعتصام بلفظ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن " . زاد غيره : "يجهر به " . ذكره في باب قوله تعالى : وأسروا قولكم أو اجهروا به ، وهو من أفراده .

[ ص: 106 ] ووهم القرطبي حيث عزاه إلى مسلم .

قال الشافعي : ومعناه : تحسين الصوت بالقرآن . وكذا قال غيره ، ويؤيده قول ابن أبي مليكة في "سنن أبي داود " : إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع . وقال غيره : يستغنى به . وكذا وقع في رواية أحمد عن وكيع ، فقيل يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة ، وقيل : معناه : التشاغل به .

والتغني قال ابن الأعرابي : كانت العرب تتغنى إذا ركبت الإبل ، وإذا جلست في أفنيتها وعلى أكثر أحوالها ، فلما نزل القرآن أحب - عليه السلام - أن يكون هجيراهم مكان التغني ، حكاه الخطابي وابن الجوزي .

وقيل : المراد : ضد الفقر . وقال ابن حبان في "صحيحه " : معنى "ليس منا " : ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل ; لأنا لا نفعله ، فمن فعله فليس منا . وقال الإمام : أوضح الوجوه في تأويله : من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد ، فليس منا . وقال غيره : من لم يرتح لقراءته وسماعه . فهذا حاصل اختلاف العلماء في معنى التغني به .

وما أسلفناه عن سفيان -وهو ابن عيينة - من أنه فسره بضد الافتقار . وذكره عن سعد بن أبي وقاص رفعه ، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه ، وصححه ابن حبان والحاكم . وكذا فسره وكيع كما سلف .

[ ص: 107 ] ومن تأول هذا التأويل كره القراءة بالألحان والترجيع . روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن ، وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود فيما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب "الثواب " وقال : كانوا يكرهونها بتطريب ، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرءوه حدرا ترتيلا بحزن . وهو قول مالك ، روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة ، فقال : لا يعجبني ، وأعظم القول فيه ، وقال : إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم ، وقد روي عن ابن عيينة وجه آخر ، ذكره إسحاق بن راهويه ، قال : كان ابن عيينة يقول : يعني : ما أذن الله لنبي . . إلى آخره . يريد : يستغني به عما سواه من الكتاب والأحاديث ، وهذا لعله يكون هو الذي أراد البخاري من إيراده .

وممن قال المراد به تحسين الصوت به والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون : الشافعي وغيره كما سلف .

وهو معنى ما ذكره البخاري بقوله : (وقال صاحب له : يريد يجهر به ) قال الخطابي : والعرب تقول : سمعت فلانا يغني هذا الحديث . أي : يجهر به ويصرح لا يكني . وقال أبو عاصم : أخذ بيدي ابن جريج ووقفني على أشعب الطماع فقال : غن ابن أخي ما بلغ من طمعك ؟ قال : ما زفت امرأة بالمدينة إلا كسحت بيتي رجاء أن يهدى إلي . يقول . أخبر ابن أخي بذلك مجاهرا غير مساتر . ومنه قول ذي الرمة :


أحب المكان القفر من أجل أنني . . . به أتغنى باسمها غير معجم



[ ص: 108 ] أي : أجهر بالصوت بذكرها لا أكني عنها حذار كاشح أو خوف رقيب .

وذكر عمر بن شبة قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة السالف ، فقال : لم يصنع ابن عيينة شيئا ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير قال : كان لداود - عليه السلام - معزفة يتغنى عليها وتبكي ويبكي ، وقال ابن عباس : كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا يلون فيهم ، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين .

ومن الحجة لهذا القول أيضا حديث ابن مغفل في وصف قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه ثلاث مرات . وهذا غاية الترجيع ، ذكره البخاري في الاعتصام . وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة ، فقال : نحن أعلم بهذا ، لو أراد الاستغناء لقال : من لم يستغن بالقرآن ، ولكن قال : يتغن بالقرآن . علمنا أنه أراد به التغني . وكذلك فسر ابن أبي مليكة أنه تحسين الصوت ، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل ، وسيأتي رده .

وممن اختار الألحان في القرآن فيما ذكره الطبري : عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى : ذكرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن . وقال مرة : من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل . وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فقال له عمر : اعرض

[ ص: 109 ] علي سورة كذا ، فقرأ عليه ، فبكى عمر ، وقال : ما كنت أظن أنها نزلت . واختاره ابن عباس وابن مسعود ، وروي عن عطاء بن أبي رباح ، واحتج بحديث عبيد بن عمير ، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان .

وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان . وقال محمد بن عبد الحكم : رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بالألحان .

واحتج الطبري لهذا القول وقال : الدليل على أن المراد التحسين المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قرآنه كالغناء بالشعر ، وهو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه ، ما روى سفيان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رفعه : "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن " . ومعقول عن ذوي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به . وروي في هذا الحديث : "حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به " ورواه يزيد بن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال الطبري : وهذا الحديث أبين البيان أن ذلك كما قلناه .

وفي "المستدرك " على شرطهما من حديث الأوزاعي ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، عن فضالة بن عبيد ، أنه - عليه السلام - قال : "لله أشد أذنا من الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته " .

[ ص: 110 ] وأخرجه الآجري في "أخلاق حملة القرآن " وزاد في آخره عن الأوزاعي قال : أذنا . يعني استماعا .

قلت : وفيه انقطاع بين إسماعيل وفضالة ، ميسرة مولى فضالة كما أخرجه ابن ماجه والبيهقي في "سننه الكبير " ; وميسرة ذكره ابن حبان في "ثقاته " وخرجه في "صحيحه " .

قال الطبري : ولو كان كما قال ابن عيينة : لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر معنى .

والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع ، وقال الشاعر :


تغن بالشعر أما كنت قائله . . .     إن الغناء بهذا الشعر مضمار



وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى : استغنيت ، فاش في كلام العرب وأشعارها ، فلا نعلم أحدا من أهل العلم بكلام العرب قاله . وأما احتجاجه ليصح قوله بقول الأعشى :


وكنت امرا زمنا بالعراق . . .     عفيف المناخ طويل التغن



وزعم أنه أراد بذلك طويل الاستغناء ، أي : الغنى . فإنه غلط منه . وإنما عنى الأعشى به الإقامة ، من قول العرب : غنى فلان بمكان كذا ، إذا أقام به ، ومنه قوله تعالى : كأن لم يغنوا فيها [هود : 68 ] .

[ ص: 111 ] وأما استشهاده بقوله :


كلانا غني عن أخيه حياته . . .     ونحن إذا متنا أشد تغانيا



فإنه إغفال منه ، وذلك أن التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه وتشاتما وتقاتلا . ومن قال هذا القول في فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد ، وغير جائز أن يقال : تغانى زيد وتضارب عمرو ، وكذلك غير جائز أن يقال : تغنى زيد بمعنى استغنى ، إلا أن يريد قائله أنه أظهر الاستغناء وهو به غير مستغن ، كما يقال : تجلد فلان إذا أظهر الجلد من نفسه ، وهو غير جليد ، وتشجع وهو غير شجاع ، وتكرم وهو غير كريم . فإن وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب كانت المصيبة في خطابه في ذلك أعظم ; لأنه لا يوجب بذلك من تأويله أن يكون الله تعالى لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن ، وإنما أذن له أن يظهر للناس من نفسه ما هو به من (الخلاف ) وهذا لا يخفى فساده .

قال : ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الإذن عند ابن عيينة الإذن الذي هو إطلاق وإباحة ، فإن كان كذلك فهو غلط من اللغة ، ومن إحالة المعنى عن وجهه ; لأن الإذن مصدر . قولك : أذن فلان لكلام فلان فهو يأذن له : إذا استمع له وأنصت ، كما قال تعالى : وأذنت لربها وحقت [الانشقاق : 2 ] بمعنى : سمعت لربها وحق لها ذلك ، كما قال علي بن يزيد :

إن همي في سماع وأذن

[ ص: 112 ] يعني : في سماع واستماع ، فمعنى قوله : "ما أذن الله لشيء " إنما هو : ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع إلى نبي يتغنى بالقرآن ، ولأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له .

قال ابن بطال : وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب ، ثنا موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر مرفوعا : "تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من المخاض في العقل " . وذكر أهل التأويل في قوله تعالى : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [العنكبوت : 51 ] أن هذه الآية نزلت في قوم أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتاب فيه خبر من أخبار الأمم .

فالمراد بالآية الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم على ما ذكره إسحاق بن راهويه ، عن ابن عيينة . وليس [المراد ] بها الاستغناء الذي هو ضد الفقر . وإتباع البخاري الترجمة بهذه الآية يدل أن هذا كان مذهبه في الحديث .

وكذا قال ابن المنير : يفهم من الترجمة أن التغني الاستغناء لا الغناء لكونه أتبعه بالآية ، ومضمونها الإنكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره من الكتب السالفة ، ومن المعجزات التي كانوا يقترحونها ، فهو

[ ص: 113 ] موافق لتأويل سفيان ، لكنه حمله على ضد الفقر ، والبخاري حمله على ما هو أعم من ذلك ، وهو الاكتفاء مطلقا .

ويظهر من ذلك عدم الافتقار إلى الاستظهار والاستغناء بالحق ; لأن فيه من المواعظ والآيات والزواجر ما يمنع صاحبه عن الدنيا وأهلها . وسيأتي لنا عودة إليه في الاعتصام في باب ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وروايته عن ربه تعالى في قوله : "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة " إن شاء الله تعالى .

فصل :

قال الإسماعيلي : الاستغناء به لا يحصل ( . . . ) يأذن له .

فصل :

في "الصحيح " كما سيأتي قريبا : "لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود " روى ابن شهاب ، عن أبي سلمة قال : كان عمر إذا رأى أبا موسى قال : ذكرنا . وقد سلف ، وقال أبو عثمان النهدي كان أبو موسى يصلي بنا ، فلو قلت : إني لم أسمع صوت صنج قط ، ولا صوت بربط ، ولا شيئا قط أحسن من صوته .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام : تحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت على طريق التحزين والتخويف والتشويق ، يبين ذلك قول أبي موسى -وقد سمع لصوته أمهات المؤمنين - : لو علمت لحبرته لكن

[ ص: 114 ] تحبيرا وتشوقته تشويقا . فهذا وجهه ، لا الألحان المطربة الملهية .

روى سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه - عليه السلام - سئل : أي الناس أحسن صوتا بالقرآن ؟ قال : "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله " .

وعن ابن أبي مليكة ، عن عبد الرحمن بن السائب قال : قدم علينا سعد بعد ما كف بصره ، فأتيته مسلما ، فانتسبني ، فانتسبت له ، فقال : مرحبا بابن أخي ، بلغني أنك تحسن الصوت بالطرب ، وسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : "إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا " . وذكر أبو عبيد بإسناده قال : كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أعلمه إلا عبسا الغفاري - فرأى الناس يخرجون في الطاعون يفرون ، فقال : يا طاعون خذني إليك . فقيل : أتتمنى الموت وقد نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : إني أبادر خصالا سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوفهن على أمته : بيع الحكم والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفضلهم ولا أفقههم إلا ليغنيهم به غناء .

وروى الآجري من حديث عبد الله بن جعفر ، عن إبراهيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر مرفوعا : "أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته

[ ص: 115 ] يقرأ حسبته يخشى الله تعالى "
، والمزمار : طيب الصوت ، وذكر الآل صلة ، وآله : نفسه .

فصل :

سيأتي في البخاري في باب ترجمة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "الماهر بالقرآن " الحديث : "زينوا القرآن بأصواتكم " . كذا ذكره بغير إسناد ، ولا راو .

وقد أسنده أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم ، وصححه ابن حبان من حديث البراء بن عازب .

وأسنده ابن حبان في "صحيحه " من حديث أبي هريرة أيضا ، وأسنده البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف لكنه أعله .

[ ص: 116 ] وطرقه الحاكم في "مستدركه " من حديث البراء من عشرين طريقا عنه ، ذكره أجمع بأسانيد وأوضحه .

قال ابن حبان : هذا اللفظ من ألفاظ الأضداد . يريد بقوله : "زينوا القرآن بأصواتكم " ، زينوا أصواتكم بالقرآن . وقال الخطابي : معناه : زينوا أصواتكم بالقرآن . كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث ، وزعموا أنه من باب المقلوب ، كما قالوا : عرضت الناقة على الحوض ، ثم قال : ورواه معمر ، عن منصور ، عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن ، قال : وهو الصحيح ، ثم رواه بسنده عن طريق عبد الرزاق ، عن معمر .

قلت : وقد أخرجه الحاكم عن منصور من ستة طرق : سفيان ، وزائدة ، و (عمرو بن قيس ) ، وجرير ، وابن طهمان ، وعمار ; كلهم عن منصور ، عن طلحة بتقديم القرآن على الأصوات .

[ ص: 117 ] وكذلك التي قدمناها عن الحاكم كلها بتقديم القرآن ، إلا في رواية واحدة من حديث عبد الرزاق ، عن منصور ، عن الأعمش ، عن طلحة قدم فيها الأصوات على القرآن .

وهي في الطبراني "الكبير " من طريقين آخرين :

أحدهما من حديث عبد الله بن خراش -قال البخاري : منكر الحديث - عن عمه العوام بن حوشب ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رفعه : "زينوا أصواتكم بالقرآن " .

ثانيهما : من حديث سعيد بن أبي سعد البقال ، عن الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه : "أحسنوا أصواتكم بالقرآن " .

[ ص: 118 ] فتعين أن تقدم رواية القرآن الصحيحة ومعناها على ظاهره . وما عداها محمول عليها ، ويكون قوله : "بالقرآن " في موضع الحال ، أي : زينوا أصواتكم في حال القراءة ، وقد جاء ذلك مصرحا به في "مسند الدارمي " و"مستدرك الحاكم " من حديث علقمة بن مرثد عن زاذان عن البراء رفعه : "زينوا القرآن بأصواتكم ، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا " . وهذا لا يحتمل التأويل ولا القلب ، وليس المراد هنا بالقرآن الكلام القديم ، وإنما المراد ما سمعه من الحروف والأصوات . وعند عباد بن يعقوب في "فضائل القرآن " من حديث جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن مسعود : "جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات وأعربوه فإنه عربي ، والله يحب أن يعرب " . وجويبر واه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث