الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب تزويج المعسر

جزء التالي صفحة
السابق

4799 [ ص: 235 ] 14 - باب: تزويج المعسر لقوله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله [النور : 32 ]

5087 - حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد الساعدي قال : جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، جئت أهب لك نفسي قال : فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد النظر فيها وصوبه ، ثم طأطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست فقام رجل من أصحابه فقال : يا رسول الله ، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها . فقال : " وهل عندك من شيء ؟ " . قال : لا والله يا رسول الله . فقال : " اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا " . فذهب ثم رجع فقال : لا والله ما وجدت شيئا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " انظر ولو خاتما من حديد " . فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسول الله ، ولا خاتما من حديد ولكن هذا إزاري -قال سهل : ما له رداء - فلها نصفه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما تصنع بإزارك ؟ ! إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك شيء " . فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام ، فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : موليا فأمر به فدعي ، فلما جاء قال : " ماذا معك من القرآن ؟ " . قال : معي سورة كذا وسورة كذا عددها . فقال : " تقرؤهن عن ظهر قلبك ؟ " . قال : نعم . قال : " اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " . [انظر : 3310 - مسلم: 1425 - فتح: 9 \ 131 ] .

التالي السابق


ذكر فيه حديث سهل في قصة الواهبة ، وفي آخره : "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " . وقد سلف بالترجمة المذكورة ، وذكره في اللباس والوكالة وفضائل القرآن وأخرجه مسلم ، وهو دال على جواز نكاح المعسر ، وأن الكفاءة إنما هي في الدين لا في المال ، فإذا استجازت المرأة أو الولي التقصير في المال جاز النكاح ،

[ ص: 236 ] والأصح عندنا : أن المال ليس شرطا في الكفاءة ، وقد روي عن - عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ابتغوا الغناء في النكاح ، ما رأيت من قعد بعد هذه الآية إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله [النور : 32 ] وفي "مستدرك الحاكم " من حديث عائشة مرفوعا : "تزوجوا النساء : فإنهن يأتينكم بالمال " ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، وصح أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "ثلاثة حق على الله أن يعينهم : المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء " وقال ابن الجلاب : إذا علمت المرأة بفقره عند النكاح فلا مقام لها .

فصل :

في حديث سهل جواز خطبة المرأة الرجل لنفسها إذا كان صالحا ولا عار عليها في ذلك .

وفيه : أن النساء : يخطبن إلى الأولياء ، فإن لم يكن ولي فالسلطان ولي من لا ولي له .

وفيه : إجازة النكاح بلفظ الهبة من قولها : جئت أهب نفسي لك . وكذا البيع وكل لفظ يقتضي التأبيد دون التأقيت ، قاله القاضيان : ابن القصار وابن بكير .

[ ص: 237 ] وذكر أبو حامد عن مالك (إن ) ذكر المهر مع هذا اللفظ صح وجاز العقد وإلا لم يجز ، ولم ينعقد النكاح .

وكذا قوله : "ملكتكها " .

وقال المغيرة والشافعي : لا ينعقد النكاح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح .

والأول من خواصه ، كما أن له أن يتزوج بغير مهر وولي ، ولأن المخاطب لا يدخل في الخطاب إلا فيما كان من أمر الله كما قاله القاضي أبو بكر والجمهور كما حكاه ابن التين خلافا لبعض أصحابنا ، وليس منعنا أن يتزوج بلفظ الهبة منعا للشارع ، وكذلك الولاية في النكاح ; لأنه تزوج أم سلمة بغير ولي ، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم .

وادعى ابن حبيب أن حديث سهل هذا منسوخ بقوله "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " .

ورواية : "ملكتكها " الصحيح رواية : "زوجتكها " بإجماع أهل الحديث ، والأولى وهم من معمر ، لكن البخاري ذكرها عن غيره ، ولأنها قضية عين ، فليس الاحتجاج بأحدهما أولى من الآخر .

[ ص: 238 ] فصل :

(وصعد النظر فيها وصوبه ) فيه جواز النظر إلى المرأة إذا أراد نكاحها . وهو قول الأئمة مالك والشافعي وأحمد .

وعن بعض المتأخرين منعه .

فصل :

وقوله : (ثم طأطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه ) . هو حشمة منه وحياء ولم يواجهها إني لا أتزوجك ، وإن ذكر في باب : إذا قال الخاطب للولي : زوجني فلانة فقال : "ما لي اليوم في النساء حاجة " .

فصل :

فيه أن الشارع له الاجتهاد . وهو ظاهر .

فصل :

قوله : ("ولو خاتما من حديد" ) فيه كما قال ابن المنذر أن أقل المهر لا توقيت فيه ; إذ الخاتم من حديد لا يساوي عشرة كقول أبي حنيفة ، ولا ربع دينار (مالك ) ، أو ثلاثة دراهم .

قال الشافعي : ما جاز أن يكون ثمنا أو أجرة جاز أن يكون صداقا .

[ ص: 239 ] وقال ربيعة وابن وهب عند ابن حبيب ; يجوز كالدرهم والسوط والنعلين أخذا بظاهر هذا الحديث .

وروي عن ربيعة : نصف درهم . وقيل : ما يساوي ثلاثة دراهم .

وقال النخعي : أقله أربعون درهما . وقال سعيد بن جبير : خمسون . ولا وجه لهما .

فصل :

فإن كان الشيء حقيرا فسدت التسمية عندنا ، ورجع إلى مهر المثل . وعند ابن القاسم : إذا تزوج على أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم ، إن لم يدخل خير بين أن يتم لها ثلاثة دراهم أو يفرق بينهما ، وإن دخل أجبر على أن يتم ربع دينار ، وإن طلق قبل البناء كان لها نصف الدرهمين ; لأنه صداق مختلف فيه .

وقال غيره : يفسخ قبل ويثبت بعد ولها صداق المثل .

واختلف إذا لم يتم قبل البناء ربع دينار وفرق بينهما ، فقال محمد : لها نصف ما كان أصدقها .

وقال ابن حبيب : لا شيء لها ، وهو أبين كما قال ابن التين ، واختار الشيخ أبو الحسن بن القابسي قول محمد ، وأجاب الأبهري وأجاب عن الخاتم بأنه خاص بذلك الرجل ، ولا دليل يشهد له .

[ ص: 240 ] وقال ابن القصار : يحتمل أن يكون أراد منه تعجيل شيء يقدمه من الصداق ; لأنه لم يقل : أن ذلك الشيء إذا أتى به يكون جميع الصداق . وهو بعيد أيضا .

فصل :

[فيه ] دلالة على أنه إذا قال : زوجني . فقال : زوجتك . أنه لا يحتاج أن يقول ثانيا : قبلت نكاحها .

وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي كالبيع خلافا لأبي حنيفة ، حيث قال : لابد أن يقول : قبلت . وهو أحد التأويلات في قوله في "المدونة " : بعني سلعتك . أن المشتري لا يلزمه ، وأول بعضهم بعني ، أي : تبيعني .

فصل :

قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد : قوله : ("بما معك من القرآن" ) هذا خاص بذلك الرجل . قلت : لا .

قال : والدليل على ذلك أنه زوجها من ذلك الرجل ولم يستأمرها في تزويجه . وليس في الحديث ما يدل أنها أرادت غيره . قلت : هو ولي المؤمنين .

قال : وأيضا فلم يعلم ما معه من السور .

وظاهر الحديث أي : زوجتك لأن فيك قرآنا .

قلت : قد أسلفنا في باب : تزويج المعسر : "قم فعلمها عشرين آية ، وهي امرأتك " .

[ ص: 241 ] وقال الشافعي : زوجها منه ليعلمها السور ، وكذلك احتج به القاضي عبد الوهاب على صحة العقد في النكاح بالإجارة .

قال : وفي كتاب مسلم : "انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن " .

وقد اختلف في النكاح بالإجارة على ثلاثة أقوال : فقال مالك -وهو عند محمد - : هو مكروه . وقال أصبغ : هو جائز . وقال ابن القاسم : هو ممنوع ويفسخ قبل البناء .

وقيل : معنى : "بما معك " أي : لأجل فضيلة القرآن ، ورد عليه بأن قيل : لو كان كذلك لقال : لما معك ; لأن الباء إنما هي للبدل والعوض ، كقولك : بعتك ذا بكذا ، ولأنه سأله عما يصدقها ولم يطلب فضله ، أو لو قصده لسأله عن نسبه ، وهل هو قرشي أو غيره ، وإنما قصد المهر ، فإن قيل : فقد لا تتعلم فينقض بجواز تعليمها الكتاب ، وقد (لا ) تتعلم ، وعند المالكية خلاف في حذق المتعلم ، واشترطه ابن سحنون .

فصل :

وفي الحديث دلالة على صحة النكاح ، وإن لم يتقدمه خطبة -بالضم - وخالف فيه داود .

[ ص: 242 ] وفيه : أن المراد إذا زوجها الولي فرضيت بالقرب جاز ، وفيه اختلاف عن مالك .

قال مرة : لا أحب المقام عليه . وقال : لا يجوز إذا رضيت ، فلم يفرق بين قرب وبعد ، وأجازه مرة إذا قرب ، ومنعه إذا بعد . حكاه أصبغ .

فصل :

وفيه : جواز القراءة عن ظهر قلب ، وقد بوب البخاري لذلك فيما سلف قريبا .

فصل :

وفيه : أن المؤمنين ليس عليهم أن يصدق بعضهم عن بعض كمواساة الأكل والشرب .

وفيه : ابتغاء الجمال .

وفيه : أن السلطان ولي من لا ولي له ، وكذا ترجم عليه البخاري .

وفيه : المراوضة في الصداق .

وفيه : خطبة الرجل لنفسه .

وفيه : أن الزوج يقدم شيئا من الصداق ، وقد قال عيسى عن ابن القاسم : وإن أهدى إليها فلا يدخل حتى يقدم ربع دينار . وأجازه بعضهم ، وما أحب ذلك حتى يقدمه .

وفيه : أن النكاح لا يكون إلا بصداق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث