الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل السادس فيما ورد من قوله - تعالى - : في جهته - صلى الله عليه وسلم - مورد الشفقة ، والإكرام

قال - تعالى - : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى [ طه 1 - 2 ] قيل : طه : اسم من أسمائه - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : هو اسم الله ، وقيل : معناه يا رجل . وقيل : يا إنسان وقيل : هي حروف مقطعة لمعان .

وقال الواسطي : أراد يا طاهر ، يا هادي ، وقيل : هو أمر من الوطء ، والهاء كناية عن الأرض ، أي اعتمد على الأرض بقدميك ، ولا تتعب نفسك بالاعتماد على قدم واحد ، وهو قوله - تعالى - : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى [ طه : 2 ] . نزلت الآية فيما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكلفه من السهر ، والتعب ، وقيام الليل .

أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن وغير واحد ، عن القاضي أبي الوليد الباجي إجازة ، ومن أصله نقلت

[ ص: 139 ] قال : حدثنا أبو ذر الحافظ ، حدثنا أبو محمد الحموي ، حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ، حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : [ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام على رجل ، ورفع الأخرى ، فأنزل الله - تعالى - : طه [ طه : 1 ] يعني طأ الأرض يا محمد ، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى [ طه : 2 ] ، ولا خفاء بما في هذا كله من الإكرام ، وحسن المعاملة ، وإن جعلنا طه من أسمائه - صلى الله عليه وسلم - كما قيل ، أو جعلت قسما لحق الفصل بما قبله ، ومثل هذا من نمط الشفقة ، والمبرة قوله - تعالى - : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ الكهف : 6 ] ، أي قاتل نفسك لذلك غضبا أو غيظا ، أو جزعا ، ومثله قوله - تعالى - : أيضا : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء : 3 ] ، ثم قال تعالى : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين [ الشعراء : 4 ] ، ومن هذا الباب قوله - تعالى - : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين [ الحجر : 94 ] إلى قوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون [ الحجر : 97 ] إلى آخر السورة ، وقوله تعالى : ولقد استهزئ برسل من قبلك [ الأنعام : 10 ] . قال مكي : سلاه بما ذكر ، وهون عليه ما يلقى من المشركين ، وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله ، ومثل هذه التسلية قوله - تعالى - : وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك [ فاطر : 4 ] ، ومن هذا قوله - تعالى - : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون [ الذاريات : 52 ] . عزاه الله - تعالى - بما أخبر به عن الأمم السالفة ، ومقالتها لأنبيائهم قبله ، ومحنتهم بهم ، وسلاه بذلك من محنته بمثله من كفار مكة ، وأنه ليس أول من لقي ذلك ، ثم طيب نفسه ، وأبان عذره بقوله - تعالى - : فتول عنهم [ الذاريات : 54 ] ، أي أعرض عنهم ، فما أنت بملوم [ الذاريات : 54 ] ، أي في أداء ما بلغت ، وإبلاغ ما حملت ، ومثله قوله - تعالى - : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [ الطور : 48 ] ، أي اصبر على أذاهم فإنك بحيث نراك ، ونحفظك . سلاه الله - تعالى - بهذا في آي كثيرة من هذا المعنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث